هذا هو عنوان المقال الذى نشر فى مجلة (( الثقافة )) الغراء للكاتبة القديرة الآنسة عائشة عبد الرحمن .
وقد بدت لى بعض الملاحظات على فكرة المقال على وجه العموم ، وأخرى على بعض التفصيلات فيه على وجه الخصوص ؛ ثم رأيت أن أذكر ذلك لها باخلاص فى هذا المقال ، لعلى أخطأت الفهم فتردنى إلى الصواب ، أو لعلنا اختلفنا فى وجهة النظر فنتقارب حتى نلتقى . . .
فكرة المقال عند الأخت الكريمة ، أن الأغراض السياسية هى التى أرجعت المرأة إلى البيت لتزود البلاد بجيش من الأطفال يعبأ للغد عند ما يدوى النداء . . .
وأن الأغراض الاقتصادية هى التى أخرجتها منه بعد ذلك إلى المصانع والمزارع والمتاجر ، لتحل محل الرجل الذى ذهب إلى الميدان بعد أن دوى النداء ...
وأن القادة والزعماء حينما أرجعوها إلى البيت بداعى الفطرة والأنوثة والأمومة لم يكونوا صادقين ، ولم يكن غرضهم إعفاءها من مشقة العمل ولا ظفرها بحياة هادئة كريمة ، كشأنهم عندما عادوا فأخرجوها . . .
هذه هى الفكرة . . . فهل هذا هو الواقع . . . ؟ إننى أخالفها فى ذلك . . . ! والواقع فيما أرى أن أولئك القادة حينما فكروا فى النهوض بقومهم ، رأوا أن ذلك لا يتم إلا بالحد من كثير من الحريات التى أعطيت للأمة بسخاء ، فلم يحسن أفرادها شيئا من التصرف بها ، وضيعوها فى الأهواء الجامحة ، بدل أن يدخروها للأفكار الطامحة ...
وتم لهم ذلك بالفعل ، فسيطروا على الحرية ولم يطلقوها
إلا بحساب ، فتسنى لهم السير نحو الهدف الذى جعلوه نصب أعينهم ، فى جو من الهدوء والسرعة والنظام ...!
وأكاد أجزم بأن هذا هو الأساس الأول الذى يجب أن تبنى عليه كل نهضة موفقة ، ما لم تنحرف فيما بعد عن الوضع المفيد المنتج .
وقد كانت حرية المرأة فى مقدمة هذه الحريات الخاطئة التى حدوا من نشاطها ، لأنها أم الشعب ومربيته الأولى قبل أن تريبهم المدارس فى الصغر ، وقبل أن تربيهم الحوادث فى الكبر . . .
هذه الأم لم تقنع بالوضع الذى وضعتها فيه الطبيعة . فباعدت الشقة بينها وبين الأمومة ، رغبة فى العلم حتى تقطع معظم مراحله ، ثم رغبة فى الكسب لتستغل ذلك العلم كما يستغله الرجل ، وما هى برجل .
وكانت النتيجة أن منعها العلم عن حياة البيت المبكرة ، عندما بلغت السن التى مكنتها الطبيعة فيها من إنجاب الطفل وهيأتها له ، كما منعها الكسب من التضحية بالحياة المتشابهة التى عرفتها فيه ، من أجل الحياة الغامضة التى لم تجربها فى غيره بالزواج ، وما يترتب عليه من تغيير فى الروح والجسد ، وما يلابسه من سعادة وشقاء لابد من ترادفهما فى حياة كل فرد . . .
ورغبتها فى الكسب هذه أدخلتها فى مأزق حرج سياجه المادة ، جعل عباد الذهب يستغلونها أشنع استغلال ، ليحصلوا على أكبر نصيب من إنتاجها وربحهم بأقل نصيب من أجرها ومجهودهم . . !
ثم بالغوا فى عبادة ذلك الصنم ، فسجدوا له سجدة هائلة ، سوت الغائر من عيونهم بالناتئ من أنوفهم ، فلم يعد لديهم نظر ، ولم يبق عندهم شم . . . لأنهم استردوا من المرأة المسكينة باليمين ما أعطوها إياه بالشمال ... !
فماذا صنعوا ... ؟ وكيف تم لهم ذلك ... ؟ ألفوا لها ألوانا من الثياب والألبسة ...! وركبوا لها أخلاطا من الأصباغ والزينة ...!
وفننوا لها أشكالا من اللهو والعبث ...!
هكذا صنعوا ... ثم أقاموها هى بنفسها - ليتم لهم الأمر - جابية للضرائب التى فرضها عليهم صنم المادة ، فكانت أمينة عليها كل الأمانة ، حريصة كل الحرص ، مخلصة كل الاخلاص ... لا هوادة عندها فى طلب ، ولا رحمة بإنسان !
ومن هنا بدأ يختل التوازن .. وسار كل شئ فى غير مجراه الطبيعى ، ففسد العالم ، وانحلت العرى ، وضعفت الأخلاق ، وضاقت الصدور ، وشكا الناس ...
ولم يكن بد من قيام الزعماء وتدارك الخطر قبل أن ينهار المجتمع ... ! وقام الزعماء بالفعل ، وتولوا الأمر ، وبحثوا عن الداء... فوجدوه فى كثير من هذه الحريات الكاذبة ... فضيقوا عليها الخناق ، وأقاموا لها المعالم والحدود ! ثم رأوا أن شر هذه الحريات ما خرج بالمرأة عن طبيعتها . فقالوا لها : إلى البيت ... ثم إلى الزوج ... ثم إلى الطفل .
إلى وظيفتك فى الحياة ... إلى ما خلقت من أجله للرجل ، حيث العرش الذى لا ينازعك فيه منازع ... ! وهكذا عادت المرأة إلى البيت على أيدى القادة ذوى الحزم فى كل أمة شاء لها الله أن تنهض ، وأن تفيق من سباتها ... !
فهل من العدل أن نرميهم بعد ذلك بأنهم لم يريدوا لها ما هى أهله من الراحة والهدوء ... وأنهم لم يريدوا إلا تزويد بلادهم بجيش من الأطفال يعدونه للغد ؟
ليس ذلك من العدل فيما أعتقد . وذلك لأسباب : أولها : أنه ليس بينهم من جاء من غير امرأة هى أمه ، وليس منهم من ليست له امرأة هى قرينته أو قريبته أو صديقته ، حتى نتصور تجردهم من الرحمة بهن إلى هذا الحد الذى وصفتهم به الأخت الكريمة عفا الله عنها . . .!
والثانى : أنه لم توجد إلى الآن طريقة معروفة لتوفير
الخصب فى إنتاج الجنس الآخر الذى يصح تعبئته للحرب ، حتى نعتقد أنهم لم يعودوا بهن إلى البيت إلا لذلك . . . !
والثالث : أنه على فرض رغبتهم فى إنتاج الأطفال ليدافعوا بهم عن الوطن فى المستقبل - إذا أرادوا ذلك - فأى خطأ فيه وأى حيدة عن الصواب . . . ؟
والرابع : أنه مما لا ينكر اتصافهم بحب الخير لأوطانهم ، والوطن فى كل زمان ومكان قائم على الرجال والنساء ، فهم بلا شك يريدون الخير للجنسين على حد سواء .. !
والخامس : أنه حينما أدخل هؤلاء الزعماء المرأة بيتها لما أدخلوها إياه من أجله ... ماذا فعلوا بالرجل ؟ لقد أعدوه للنزال والنضال ! ثم حينما عادوا فأخرجوها منه . . أين ذهبوا به ؟ لقد أرسلوه إلى الميدان ، حيث القنابل والنيران ! فأيهما كان إعفاؤه من المشقة أعظم وأتم ؟ وأيهما كان أظفر من صاحبه بالحياة الهادئة بالنسبة للآخر ؟ إنها المرأة بلا جدال !
والسادس : أن إرجاع المرأة إلى البيت فى أيام السلم لم يكن مقصورا على الرغبة فى إنتاجها الأطفال وتفرغها لذلك .. بل أريد به إنتاج الرجل قبل كل شئ ، وإبعادها عنه نوعا من الإبعاد ، ليتفرغ هو أيضا لما إنتاجه وقف عليه !
والسابع : أن إخراجها من البيت فى أيام الحرب إلى المصانع والمزارع ، لم يكن إلا رحمة بها ، وإحسانا إليها ، حتى لا تتخذ البيت معبدا لتوازى قلبها الرقيق ، وشعورها المرهف ، تقرب فيه أنواعا من الألم والدموع ، وأنواعا من الذعر والقنوط . . . وذلك مما يفت فى عضد الرجل ، ويقربه من الدمار ، الذى إن ذهب به إلى الموت الكريم ، فإنه باق لديها مع العيش الدميم ... ! بقيت كلمة !
فالذى يخيل إلى أن الأخت الفضلى لم تقصد إلى
كتابة هذا المقال بالذات ، إلا لتخلص منه إلى المقال الذى وعدت به عن العوامل التى توجه المرأة عندنا فى الشرق . وعسى أن توفق فى دراسته والإفاضة فيه مع الالمام بنواحيه . . . فاننى أشعر بأنها لم تشبع القول فى مقالها عن الغرب ... وربما كان شعورى هذا مرجعه إلى أننى أحب أن أستكثر من آثارها القيمة وأطمع منها دائما فى المزيد . وفقها الله وزادها من فضله !

