الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 663 الرجوع إلى "الثقافة"

نقيد, رد على نقد

Share

كتب الأستاذ الفاضل نقولا الحداد مقالا في الثقافة أشكره عليه في إشادته بكتاب هارون الرشيد ، ولكنى أخذه على شيئين : الأول أخذه على أني ذكرت أن الرشيد قتل العباسة وولديها من جعفر ولم أؤاخذ الرشيد على ذلك . أما قتل الرشيد للعباسة فلا أذكر أني نسبته للرشيد ، ولا أذكر أني قرأنه في كتاب تاريخ محترم ، وكل ما أذكره أني ذكرت ما يقوله بعض المؤرخين من أن الرشيد عقد لجعفر علي العباسة ثم أنسلها جعفر ولدين قتلهما الرشيد وقد ذكرت أن هذا العقد لاغبار عليه ، فجعفر البرمكى كف العباسة ، ولو تخير الرشيد لأخته ما اختار لها خيرا من جعفر ، ولمته طويلا على التنكيل بالبرامكة ، وخصوصا تنكيله بابني جعفر ، وليس لهما ذنب يؤاخذان عليه ، وقلت إن العباسة معذورة في انسالها بجعفر فهي له زوجة شرعية ، بل أستطيع أن أتحدى الأستاذ نقولا في دعواه أني قلت إن الرشيد قد قتل العباسة ثم لم ألله على ذلك ، وأكون شاكرا له لو داني على النص وصفحته من الكتاب لأصحح خطئي إن كان .

والأخذ الثاني عليه أنه يري أن الحق حق حيث كان في كل زمان ومكان ، والباطل باطل كذلك حيث كان . ومؤاخذة الناس على الحق والباطل واحدة في كل الصور ولست أري هذا الرأي . فقد أوافقه على أن الحق والباطل حقائق مجردة في كل زمان ومكان لا يتغيران بتغير الأشخاص ، ولكني أخالفه في مؤاخذة الناس عليهما مهما تغيرت البيئة . فالمؤاخذة إنما تكون بمقدار تقدير الناس للحق والباطل وفهمهما . هؤلاء المصريون من عهد قريب كان نساؤهم بتحجبن وكان الرجال يرون أن الحجاب فضيلة ، ثم سفرن فرأي الرجال أن النور فضيلة ، والحجاب رذيلة والمصريون عادة أقل تقديرا للصدق والأمانة من الإنجليز والألمان . فيحب أن نؤاخذ المصريين عليهما أقل مما نؤاخذ الألمان والإنجليز . والمصريون يقدرون العفة أكثر مما يقدرها الألمان والإنجليز ، وليست المسئولية على هؤلاء وهؤلا ، واحدة ، بل إن الأمة الواحدة قد يختلف تقديرها للفضيلة بحسب المكان ، فلا تكون المؤاخذة واحدة فالغيرة في الصعيد أكثر منها في البحيرة ، فإذا قتل الصعيدي

زوجته أو أخته غيرة لم يؤاخذ كما يؤاخذ البحيري . والقضاة يعلمون ذلك فيفرقون في الحكم بينهما . ولا يقدر الإنجليز والفرنسبون الغيرة كما يقدرها الصعايدة والبحاروة ، وبذلك تختلف قوة المؤاخذة . والطفل أو الشاب إذا ارتكب جريمة خصوصا في الجرائم التي تدفع إليها الشهوة أو قوة الشعور لم يؤاخذ عادة كما يؤاخذ الشيخ المسن ، الذي كثرت تجاربه وضعفت مشاعره . وهكذا من آلاف الأمثلة . فهل يريد الأستاذ أن يؤاخذ الناس الرشيد وهو في عصر لم يكن الناس فيه يعرفون حق الحياة وحق الحرية ، كما تؤاخذ من تعدي عليهما اليوم ؟ إن ذلك والحق يقال يكون جرما فظيعا . ومن أجل هذا شرع في القوانين الحديثة تقدير الظروف التي ارتكب فيها المجرم إجرامه . وليس من الحق أن نكلف عامة الشعب أو عامة الشعوب فوق طاقتها ، فنحملها مسئولية ما لم تفهم وما لم تقدر ، وإن كان الحق حقا في ذاته ، والباطل باطلا في ذاته . بل إن عوامل الفصول المختلفة تجعل الإجرام في فصل أشد من الإجرام في فصل آخر . فالفقير إذا اشتد به الجوع وسرق رغيفا في الأيام القاسية البرد كان أخف جرما من غني سرق رغيفا في أيام الصيف ؛ وعمر بن الخطاب لم يوقع الحد على فقير سرق ناقة وقد اشتد به الجوع ، ولم يوقع حد الشرب على أبي محجن الثقافي لأنه أبلي في الحروب بلاء حسنا . وأوقف الحدود كلها في أيام الحرب لما رأى أن بعض من وجب عليه الحد يفر إلى بلاد الأعداء . أفبعد هذا كله يصر الأستاذ على أن المسئولية في جميع العصور والأمكنة واحدة لا تتغير  .

الحق فيما أرى أنها تتغير قوة وضعفا ، وأن الرشيد لو ارتكب نكبة البرامكة اليوم لكانت مسئوليته أشد . ولو ارتكبها في انجلترا أو ألمانيا كانت مسئوليته أكبر مما إذا ارتكبها في مصر أو بغداد . لأنهم هناك بقدرون الأمور ويعرفون الحقوق اكثر مما نعرف ونقدر .

هذا ما أرى وللأستاذ رأيه . فإما أن يرجع إلى الحق حسب ما أرى ، وإما أن يصر على رأيه . ولكل وجهة هو موليها وأشكره أخيرا كما شكرته أولا على حسن تقديره للكتاب .

اشترك في نشرتنا البريدية