الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 244الرجوع إلى "الثقافة"

نماذج بشرية، راستنياك Rastignac

Share

يوجين دي راستنياك ، شخصية روائية ضخمة من شخصيات هونورية دي بلزاك ) ١٧٩٩-١٨٥٠ ( . الكاتب الفرنسي الشهير ؛ واكبر الظن ان اسمه معروف لدي الكثير من القراء ، وذلك لأن بلزاك قد تحدث عنه في عدد كبير من رواياته ، حتى لنحسبه قد بلغ من نباهة الذكر ما بلغه كبار رجال التاريخ . لقد ملأ راستنياك " الكوميديا البشرية " ) ١ ( بوجوده الصاخب ، بل لقد افلت منها ليجوب الحياة ، وهو لاشك حي بيننا ، يجده كل من يمعن النظر فيمن يحوطنا من رجال . ونحن لن نقص تاريخ حياة راستنياك منذ البدء إلي

النهاية ، فذلك ما لا تتسع له مجلة . وبلزاك نفسه لم يجمع تلك الحياة ، ولا تتبعها تتبعا تاريخيا ، وهو القائل في مقدمة روايته " إحدى بنات حواء " في صدد الحديث عن راستنياك : إنه كثيرا ما يحدث " ان نعرف وسط حياة شخص قبل ان نعرف بدأها ، وبدأها بعد خاتمتها ، وتاريخ الوفاة قبل تاريخ الميلاد . ولقد أدرك المؤلف نفسه يا سيجده النقاد من مشقة عندما يحاولون استقصاء ، أخبار إحدي شخصياته الكثيرة التي يسايرها من رواية إلي أخري ، فتصور مازحا ان يتولى أحد الباحثين وضع " معجم للشخصيات " يلخص فيه حياة كل شخصية ، مشيرا إلي مظان تلك الحياة من " الكوميديا البشرية ؟ وهذا ما كان فعلا ؛ فقد كتب الأستاذان اناتول سرفيير وجيل كرستوف " فهرسا تحليليا للكوميديا البشرية " ) وباستطاعة القارئ الباحث أن يعود إلي هذا الفهرس ليجد كل ما يريد معرفته عن راستنياك منذ ميلاده إلي أن أصبح وزيرا خطيرا ، وثريا من كبار الأثرياء أما نحن فيكفينا أن نعود إلي مقدمة " إحدي بنات

حواء " التي أشرنا إليها فيما سن . لنرى بلزاك نفسه يلخص لنا جانبا كبيرا من حياة بطلنا . فهو يحدثنا أنه قد ولد سنة ١٧٩٩ في راستنياك بمقاطعة شارات ، وأنه ابن للبارون والبارونة دي راستنياك ، وأنه قد أتي إلي باريس سنة ١٨١٩ ليدرس القانون بالجامعة ، وسكن في بنسيون مدام فوكيرVauquer) ) حيث تعرف بجاك كولان Jacques collin))  ، المشهور باسم فوتران Vautrin))  كما تعرف بهوراس بيانشو H. Bianchon. طالب الطب الذي سيصبح فيما بعد طبيبا عظيما ، وأنه قد أحب مدام دى نوسجان Mme de  Nosingea، بعد أن تخلى عنها عشيقها الأول دي مارسيه De Marsay وكانت مدام دي نوسنجان هذه بنتا لرجل يسمى " جوريو " يمكن مع راستنياك في نفس البنسيون وكان السيد جوريو المذكور فيما مضي تاجر مكرونة ، وقد جمع ثروة طائلة من تجارته ، ولكنه أعطى كل ثروته لبنتيه " دوطه حتى تتزوجا ، الأولى بأحد أبناء أرستقراطية الدم ، والأخري بصاحب بنك من أرستقراطية المال ، وهي مدام دي نوسنجان . ولما رأت البنتان أن أباهما لم يعد يملك شيئا ، وأنه لا يصيبهما منه غير العار ، أهملاه ، بل وتجنبتا لقاءه حتى مات الرجل ميتة مخزية بالبنسيون ، وتولي راستنياك وبيانشو الطالبان دفنه ونفقات ذلك الدفن

هذه المعلومات يستطيع القارئ أن يجدها في رواية " الأب جوريو " وهي الرواية التي سنتخذها مرجعنا الأساسي في تحليل الرحلة التي نريد أن نقف عندها اليوم من حياة ر استنياك ، أعني مرحلة انزلاقه من الحياة الريفية المتينة الخلق السليمة المبادىء ، إلى حياة المدن التي يسكت فيها صوت الضمير وتستيقظ شهوات النفس مندفعة إلي أهدافها دون ان يردها شئ ؛ ومنذ أن اجتاز راستنياك تلك المرحلة الشاقة ، لم تعد حياته غير حياة رجل مغامر ، حياة مبتذلة الأحداث . ومن السهل على القارئ : أن يعود إلي رواية " بيت نوسنجان " ليعرف كيف أصبح راستنياك من كبار الأغنياء سنة ١٨٣٦ ، وقد تزوج

في سنة ١٨٣٨ بأوجستا بنت مدام دى نوسنجان عشيقته القديمة التى تركها منذ خمس سنوات ، وفي سنة ١٨٣٩ أصبح وزيرا للأشغال العمومية . وأما بقية مغامراته فمنثورة في عدة روايات ، وكلها في ابتذال ما ذكرنا من ثراء ونفوذ ووجاهة اجتماعية ، دفع ثمنه راستنياك غاليا من مبادئ الخلق وكرامة الإنسان .

راستنياك الذي يستوقف الباحث ، هو راستنياك الطالب ، كما نجده في رواية الأب جورير ، فهنا تقع المأساة البشرية ، مأساة الصراع في نفس البطل بين نشأته الأولى الشريفة ، وبين مغريات الحياة الباريسية ووسائل تلك الحياة اللعينة . وليترك لينزاك مهمة تقديمه للقاريء بعد السنة الأولى من دراسته بالجامعة ، وقد أخذت أمين الشاب تتفتح واخذ الطموح يدب في نفسه ، وكما يتفق للنفوس الكبيرة ثم يرد راستنياك أن يدين بشيء لغير مواهبه ، ولكن نفسه كانت من غوص أهل الجنوب ، تلك التي ما تكاد تصل إلي مرحلة التنفيذ حتى يضرب في عزمها ذلك التردد الذي يغتاب الشبان عند ما يجدون أنفسهم في وسط اللجة دون أن يعرفوا إلي أي جهة يوجهون قواهم ، ونحو أي صوب يرغمون قلاعهم ؛ وإذا كان قد أراد في أول الأمر أن بني بنفسه إلي العمل . علماء لم يلبث أن أغرته ضرورة التعرف بذوي المكانة ، نلاحظ ما للنساء من نفوذ خطير في الحياة الاجتماعية ، وسرعان ما عن له أن ينطلق إلي الوسط الراقي ليجد فيه حالة من النساء ، وهو والتي من أنه لن يعدم العثور علي ما يريد ، وكيف لا يغتر بهن شاب مثله حار الدماء حاضر النكتة ، وقد اجتمع فيه إلى الحرارة والذكاء ما زادهما قيمة من رشاقة سمت ، وجمال عصبي كم يحلو للنساء أن يقعن في شباكه ولقد هاجمت تلك الأفكار فتانا وسط الحقول ، وإذ هو يتريض في مرح مع أخوانه اللاتي وجدنه قد تغير تغيرا واضحا وكانت خالته مدام دي مارسياك  De Marciallac قد عرفت فيما مضي كبار الأرستقراطية ، إذ كانت يوما ما من بين من يترددن على البلاط . وفجأة لمح فتانا الطموح عدة معارف يستطيع أن يصل إليها ،

وهي لا تقل أهمية عن معارفه في كلية الحقوق ، ولقد كان في الذكريات التي ربحته بها خالته ما يلهب خياله ، فسألها عن روابط القرابة التي يستطيع ان يعود فيصلها . وبعد أن استعرضا شجرة النسب كاملة استقر رأي السيدة العجوز على أن الفيكونتس " دى بوسيان "De Beausennt ستكون من بين أقاربهم الأغنياء الأثرين أقلهم تلكأ في خدمة ابن أختها ، وفعلا كتبت خطابا إلي هذه الفيكونتس الشابة ، كتبته بالأسلوب القديم ، وأعطته لإيوجين قائلة إنه لو نجح مع الفيكونتس فإنها ستصله ببقية أقاربه . وبعد أيام قليلة من عودة راستنياك إلي باريس ، أرسل خطاب خالته إلي مدام دي بوسيان ؛ وأجابت الفيكونتس بدعوته إلي حفلة راقصة في اليوم التالي . وكان راستنياك شابا حاد الذكاء عالما بذكائه . وقد أدرك أن أساس النجاح هو قوة الإرادة ، وهو يحس في نفسه بتلك القوة ونظر فبدا له أنه لم يستطيع الرضا بالخمول المبتذل ، وهيهات له أن يقنع بما يعده له أهله من دراسة القانون دراسة جيدة والنجاح في الامتحانات بتفوق ، ثم الحصول علي مركز وكيل نيابة أو قاض بالأرياف . لقد كان راستنياك يطمح إلي أن يخرج من بين الصفوف فتشرق شخصيته وتتحقق ملكاته ؛ كان ريد أن يعيش في باريس وسط الأرستقراطية ؛ كان يريد الوصول .

وأول ما اتجه إليه عزمه هو المال ، فقد كان يعلم انه لابد منه لكي يستطيع الظهور بين النبلاء ، فيلبس كما يلبسون ، وتقوده العربات كما تقودهم ؛ وبالجملة كان حريصا على أن يظهر في مظهر الاغنياء الذين لا يعدون ما ينفقون . وكان يعلم بؤس امه وأخواته ، وما يتكبدن في سبيله من تضحيات يقدمنها راضيات لإيوجين الذي تركزت فيه آمال الأسرة لعله ينتهي من دراسته بنجاح . ولكنه رغم علمه بضيقهن المادي ، لا يتردد في ان يطلب إليهن المال ليستطيع الاستعداد للذهاب إلي حفلة الفيكونتس ولقد ارسلن إليه ألفا وخمسمائة فرنك مع توصياتهن الحارة ، فانتزعت التوصيات من عينيه بعض الدموع . ولكن الألف والخمسمائة فرنك نفخت أوداجه وملأته إحساسا

بالانتصار وسرعان ما استدعي الترزي واتفق معه على ما يريد من ملابس بدفع ثمنها أقساطا مبتدئا بقسط كبير عندئذ لم يعد فتانا الهمام يحس بشيء مما حوله ، وقد نزل من حجرته إلي مائدة البنسيون في تلك الهيئة الفريدة التي تخلعها النقود على الشبان . ومن المعلوم أنه ما تكاد النقود تستقر بجيب أحد الطلبة حتى يستشعر جرأة عجيبة ، فهو يسير بأقدام أثبت من أقدامه ، وكأنه قد وضع يده على رافعة الاثقال ، وتصبح نظراته مليئة مباشرة ، وحركاته خفيفة . لقد كان بالأمس حبيبا متواضعا قد يضرب فلا يحرك ساكنا ، أما اليوم فقد يضرب هو رئيس الوزراء ؛ تمر بنفسه ظواهر عجيبة ، فهو يريد كل شئ ، وهو يستطيع كل شئ يريد هذا وذاك دون بينة ولا اختيار ، وهو مرح كريم طليق النفس ، وفي كلمة واحدة : لقد استرد الطائر المهيض جناحيه القويين . الطالب الذي لا نقود معه يخطب ) نتفة ( من اللذة ، كالكلب الذي يسرق ) عظمة ( تحفها المخاطر من كل جانب ، ثم يكسرها ويمص نخاعها ، ويستمر في العدو . وأما الشاب الذي توسوس في جيبه النقود ، فإنه يتذوق لذاته ويجزؤها ويتمهل فيها . إنه يتأرجح في المساء ولا يعود يذكر لكلمة البؤس معنى . باريس كلها ملك له ؛ ذلك هو السن الذي يلمع فيه كل شئ ويتقد ، سن القوة المرحة الذي لا يعرف أحد كيف يستفيد منه ، لا الرجال ولا النساء ؛ من الديون والمخاوف الكاذبة التي تزيد من طعم اللذات . إن من لم يمش بالضفة اليسري للسين بين شارع سان جاك وشارع سان بير لا يعرف شيئا عن الحياة البشرية .

في هذه الصفحة التي تنبض حياة ينفث المؤلف انفاسه الخاصة في شخصية راستنياك ؛ فلكم حلم بلزاك الذي ولد مع راستنياك في نفس العام بأن يبهر العالم ببذخ ملابسه وأحصنته ولقد أعوزه المال دائما ، ولذلك كان للمسه إياه قشعريرة نفسية ، هي تلك التي ترتعد في الصفحة الماضية .

وذهب راستنياك إلي الحفلة ، وقد اتخذ له أستاذا في فهم الحياة مدام دي بوسيان وما نظننا في حاجة إلي تفصيل مبادئ الوصول ، فتلك الخسائس تقع تحت

ابصارنا كل يوم ، وهل هي إلا تظاهر بالسمو عن الغير ، سموا سبيله احتقار كل من عدانا ، وتبجح بملل متسام مثير ، ثم قتل لصوت الضمير في النفس ، وإسكات للمثل التى تصرفنا عن اغتنام الفرص ، وإعراض عن الرحمة التي تردنا عن القسوة ، وهي أخيرا الا نري إلا أنفسنا ، وألا نرد شيئا إلا إلى أنفسنا ، وان نضحى بالغير في سبيل انفسنا ، وان نملى انفسنا على سوانا ، مهما كان في ذلك الإملاء من جروح ؛ وهذه هي المباديء التي تلقاها راستنياك عن الفيكونتس . ونحن نجتزيء ببعض ما سمع عندها من دور مربعة مثل : " إن القلب البشري كالكنز استنفده في غرفة واحدة نجد نفسك مفلسا . إن الناس لا يفتقرون لمن يظهر شعوره كله دفعة واحدة أكثر مما يفتقرون لمن لا يملك فلسا واحدا . وقولها : " كلما ازددت برودا في تقديراتك ازددت تقدما إلي الإمام ، اضرب بغير شفقة يخشاك الناس . لا تنظر إلى الرجال والنساء إلا نظرك إلي خيل البريد التي تتركها تنفق عند نهاية كل مرحلة ، وبذلك تصل إلي أسمى ما ترتفع إليه رغباتك "

وعاد راستنياك من الحفلة إلي البنسيون ، بعد أن امعن النظر في أرستقراطية باريس . وفي البنسيون وجد استاذه الفحل جاك كولان المعروف بتوثران : مجرم قديم أعي رجال الأمن أمره ، وقد افلت من السجن حيث كان مقضيا عليه بالأشغال الشاقة ، ولجأ إلى بنسيون مدام فوكير متنكرا . وقد احس راستنياك في خلق الرجل جرأة ، وفي حديثه سلطة أثارته حتى اوشك أن يقاتله في مبارزة ؛ ولكن قوتران أوقفه بحركة آمرة ، وارغمه على ان يجالسه تحت إحدي شحيرات الحديقة المحيطة بالبنسيون ،

وهناك وجه إليه تلك الخطبة التي ترتعد لها الفرائص ، قال : " تريد أن تعرف من أنا ، ماذا فعلت ، وماذا أفعل ؟ حقا إنك بابي مسرف في حب الاستطلاع . آه ! هدوءا هدوءا أيها الطفل ستسمع أكثر من ذلك ، لقد ابتلتني الحياة ، استمع إلي أولا ثم رد بعد ذلك ها هي حياتي السابقة في ثلاث كلمات : من أنا ؟ فوتران ماذا أفعل ؟ ما يحلو لي . سأوضح لك أنا الوضع الذي أنت فيه ، ولكني

سافضل ذلك في تفوق الرجل الذي اختبر أمور الحياة ، ثم أي أنه ليس أمامه إلا أحد أمرين : إما الخضوع الأبله ، وإما الثورة ؛ وانا لا أخضع لشئ . اواضح ما اقول ؟ هل تعلم ما أنت في حاجة إليه لتسير في الحياة كما تريد الان ؟ إنك في حاجة إلي مليون فرنك تجدها سريعا ، وإلا قادك رأسك الصغير إلي شباك " سان كلو " ) السجن ( ، لتبحث هناك عن الكائن الأسمى . هذا المليون سأعطيه أنا لك وأمسك فوتران عن الحديث هنيهة ناظرا إلي راستنياك ،

ثم استأنف : " ها ها ! إنك تنظر الآن إلي عمك فوتران نظرة أرفق من ذي قبل ها هو موقفك ايها الشاب ، لدينا هنالك اب وام ، وخالة واختان " في الثامنة عشرة والسابعة عشرة " واخوان صغيران " في الخامسة عشر والعاشرة هذا عدد الجوقة . الخالة تربي البنات

والقسيس يعلم اللاتينية للأخين ، والعائلة تأكل من عصيدة أبي فروة أكثر مما تأكل من الخبز الأبيض . الأب يحافظ على سرواله والأم تقنع بثوب للشتاء وآخر للصيف ، والأختان تدبران أمرهما كما تستطيعان ، وأما نحن فلدينا الطموح . نحن اقرباء بوسيان ، ثم يذهب إليهم على الأقدام ! نريد الثروة وليس لدينا سحتوت ، نأكل من " عك " الأم فوكير ، ولكننا نحب الغذاء الفخم في فور بور سان جرمان ، ننام على سرير كالمشرحة ، وتريد أن تسكن في فيلا . إنني لا ألوم نزعانك ، فليس باستطاعة كل إنسان أيها الطفل العزيز أن يكون طموحا . لقد أحصيت رغباتك لكي أسألك السؤال الآتي : نحن جياع كالذئاب الضارية وقواضينا ماضية ، فكيف السبيل إلي ملء القدر . ليس لدينا ما نأكله غير مجموعات القوانين ،

وهذه لا لذة فيها ولا فائدة من ورائها ، ولكنه الواجب ، فليكن ، ثم تشتغل بالمحاماه لنصبح رؤساء المحكمة جنايات ، فنرسل إلي السجن شياطين المجرمين ، مع انهم خير منا ، وذلك لكى نثبت للأغنياء أنهم يستطيعون ان يناموا هادئين هذا عمل لا بهجة له ! ثم إن الشوط طويل ، فلا بد من التصمك سنتين بباريس ، تنظر فيها إلى النقود دون أن نستطيع مسها مع شدة رغبتنا فيها ، وإنه لأمر

مضن أن نستشعر دائما الرغبة دون ان نستطيع إشباعها . ولو اننا كنا شاحبين وكنا من طبيعة الزواحف لما خشينا شيئا ، ولكن دماءنا من دماء الأسود ، وفي شهيتنا قابلية لارتكاب عشرين حماقة في اليوم

هذا أيها الشاب هو مفترق الحياة ، ولقد اخترت ، فذهبت عند بوسيان من بني عمومتك ، ولقد احسست هناك بالبذخ ، كما ذهبت إلي مدام دى  رستو De Restaud بنت الأب جوريو ، فشممت فيها رائحة المرأة الباريسية ؛ ولقد عدت ذلك اليوم وعلي جبينك كلمة قرأنها في وضوح هي : الوصول ، الوصول بأي ثمن فصحت : برافو : هذا عملاق يلائمنى ، ولقد شعرت بالحاجة إلي المال ، فأين تجده ؟ لقد نزفت دماء اخواتك فاستلبت منهن الفا وخمسمائة فرنك بطريقة يعلمها الله ، وهن في بلاد قد تجود بأبي فروة أكثر مما تجود بقطع النقود ، ولكنك تسللت كالجندي الهارب في الظلام . والآن ماذا تفعل بعد ذلك ؟ أتجد في العمل ، والعمل لا يغني فقيرا ، والثروة العاجلة هي المشكلة التى تعرض لخمسين الف شاب مثلك ممن يجدون أنفسهم في موقفك الحالي وانت واحد من هذا العدد فكر في المجهود الذي يجب ان تبذله ، وفي عنف .

المعركة التي ستخوضها لابد أنكم ستأكلون بعضكم بعضا كالعنكبوت الذي يجتمع في زهرية واحدة ، وذلك لأنه من المستحيل أن يكون هنالك خمسون ألف مركز كبير .أتدري كيف يشق الناس سبيلهم في هذه الدنيا ؟ يشقونه ببريق العبقرية ، او بالمهارة في الخسة . يجب ان تسقط في صفوف البشر كقنبلة ، أو أن تتسلل بينها كوباء ؛ أما الشرف فلا فائدة فيه . إن الناس ينحنون أمام قوة العبقرية ، وهم يكرهونها ، ويحاولون النيل منها بأقوال السوء ، وذلك لأنها تأخذ دون ان تقتسم ، ولكنهم ينحنون إذا ثابرت ؛ وفي كلمة واحدة الناس يعبدونها جائين عندما يعجزون عن جرها في الأوحال . وكذلك الخسة فهي قوة ؛ الخسة سلاح الضعفاء الذين يملأون الأرض ، وسوف تحس بوخزاتها في كل مكان . إذا كنت تريد أن تثري سريعا ، فمن الواجب أن تملك شيئا

أو تتظاهر بأنك تملك شيئا ، لكى تثرى يجب أن تغامر بضربات قوية ، وإلا اضعت وقت في الحبو تم هيهات . وفي المائة مهنة التي تستطيع ان تزاولها ستري الجمهور يسمي العشرة الأشخاص الذين ينجحون بسرعة لصوصا استخلص الرأي . هذه هي الحياة ، فهي ليست اجمل من " الطبيخ " ورائحتها رائحته . يجب أن تلوث يديك إذا أردت أن تثرى ، ولكن يجب أن تعرف كيف " تشطفها بعد ذلك ففي هذا جماع الاخلاق في عصرنا وإذا كنت أحدثك عن الحياة على هذا النحو ، فذلك من حقى بحكم أنني أعرفها . وهل تظن أنني أمحي عليها باللوم ؟ أبدا ، فقد كانت دائما كذلك ولن يستطيع الوعاظ تغييرها .

الإنسان كائن غير كامل ، وهو إلي حد ما منافق ، ولهذا يرى الحمقى أنه عديم الأخلاق ؛ وأنا لا أتهم الأغنياء لمصلحة الفقراء ، فالإنسان هو هو في أعلي وفي أسفل . وفي الوسط . وفي كل مليون من هذه الحيوانات الرفيعة قد تجد عشرة لصوص يضعون أنفسهم فوق كل شئ ،

فوق القوانين ذاتها ، وأنا واحد من هؤلاء . أما أنت فإذا كنت رجلا ساميا فلتسر في خط مستقيم مرفوع الرأس ، ولكنك ستضطر إلي مقاتلة الحسد والنميمة والحقارة ، ستقاتل جميع الناس . لقد لاقى نابليون وزيرا للحرب اسمه أوبرىAubry ولقد اوشك هذا الرجل أن يرسله إلى المستعمرات تحسس موضع قوتك ، وانظر هل تستطيع أن تستيقظ كل صباح بإرادة أقوى من ارادتك بالأمس ؟ وإذا كانت لي نصيحة اهديها إليك أيها الملك ، فهي ألا تثبت عند آرائك أكثر من ثباتك عند أقوالك . وعندما يسألك أحد عن رأي بعه له . والرجل الذي يفتخر بعدم تغيير رأيه مثله مثل من يأخذ نفسه بالسير دائما في طريق مستقيم . هو ابله يعتقد أنه معصوم من الخطأ ، وليست هناك مبادئ ، وإنما هناك أحداث ليست هناك قوانين ، وإنما هناك ظروف . والرجل الممتاز هو من يحتضن الأحداث والظروف لكى يسيرها .

يتبع

اشترك في نشرتنا البريدية