يقول المازني - ويعز علي أن أظن به الكذب ، وبعض الظن إثم - " ولست أحتاج أن أقول إني لست بإبراهيم الذي تصفه الرواية ، وإن هذا المخلوق ما كان قط ، ولا فتح عينيه على الحياة إلا في روايتي ... ثم إني لست أرضي أن أكونه فما تعجبنى سيرته ولا مزاجه ، ولا التفاتات ذهنه ، وقد ندمت على خلقه بعد أن سويته .
فلو كان دمية لحطمتها وطعنتها ، ولو كان صديقا لجفوته ونبوت به ذلك أنه يتناول الحياة باحتفال ، وأنا انتقاها بغير احتفال ، وهو يعبس للدنيا ، وأنا أفتر لها عن أعذب ابتساماتي ، وأحس السرور بها يقطر من أطراف أصابعي - كالعرق ، وهو مغرى بالتفلسف ، وأنا أعد الواحد من هذا الطراز مرزوما يستحق المرتبة ، وهو وعر متكبر .
وأنا سمح متواضع ، وهو عنيد ، وأنا ريض سلس ، وهو نفور ، و أنا عطوف ، وفي نفسه مرارة ، وأنا مغتبط بالحياة ، راض عنها ، قانع بها ؛ وهو كأنما يريد أن يخلق الدنيا والناس على هواه ولذلك تراه قليل التسامح ضيق الصدر ، وأنا لا أري في الإمكان أبدع مما كان ،
و لست مثله أومن بالتثليث في الحب أو الكره ولم أمرض قط بالبفيمونيا إلخ . الخ فليس بيننا كما تري من تشابه ، سوي أن كلينا قصير قمئ وأنا أزيد عليه أني أصبت بالعرج ، فليته كان هو الصاب وأنا الناجي المعافى ". (المقدمة).
وأنا بعد أعرف " إبراهيم الكاتب " وأما " إبراهيم المازني " ؛ فلا . إلا أن يكون حدس لا يغني عن اليقين . وإن يكن ثمة امر يبلبل أفكاري ، فهو ذلك التعارض القوي بين مزاج الرجلين ونظرتهما إلي الحياة . إبراهيم
الكاتب رجل يحتفل بالحياة و يعبس للدنيا ، وهو مغري بالتفلسف نفور وعر ، متكبر عنيد ، في نفسه مرارة ، وهو قليل التسامح ضيق الصدر ، لانه كأنما يريد أن يخلق الدنيا علي هواه وهو أخيرا قد استطاع أن يحب ثلاث نساء يتردد بينهن كالورقة الذابلة تتقاذفها الرياح ... وأما
إبراهيم المازني فرجل يتلقي الحياة بغير احتفال ، ويفتر لها عن أعذب ابتساماته ، و يحس السرور يقطر من أطراف أصابعه كالعرق ، وهو يعد المتفلسفين مرزولين يستحقون المرتبة وهو سمح متواضع ، ريض سلس ، عطوف مغتبط بالحياة راض عنها قانع بها ، لا يري في الإمكان أبدع مما كان ثم هو فيما يظهر لا يؤمن إلا بآله واحد ووطن واحد وحب واحد كما يقولون . لقد ذهب المازني بكل
الصفات الطيبة ، وأما سميته فالويل له . ومن عجب أن تنظر فتري في قسمات إبراهيم الكاتب ما يذكرك بقسمات إبراهيم المازني عندما أصاب الأخير شئ من هرم النفس ، فتتساءل ؛ أو لم يتبادل الرجلان يوما شيئا من خصائصهما أو لم يحفل بالحياة ، ويعبس للدنيا ،
ويتفلسف في نفور وكبر وعناد ومرارة ، حتي مل و كاد يستريح إلي اليأس ، فإذا به يتلقي الحياة بغير احتفال ، ويفتر لها عن أعذب ابتساماته وقد أخذ يرثي للمتفلسفين ؟ ذلك ما أكاد أجزم به ، ولي عليه أدلة كثيرة أكتفي بأقواها . وهو ذلك السرور الذي يقطر من أطراف أصابعه كالعرق .
سرور ملح ابتسامة مرة ، عالم يراه أبدع العوالم ، لأنه لارجاء في إعادة خلقه نفس ألمت حتي اليأس ، واستغرقت في الحياة حتي محتها ، ومن كان هذا شأنه لا أحسبه يصير رمادا كله فتش تجد تحت الزماد نارا
وفي الحق أن إبراهيم المازني رجل أثر ، فهو يريد أن يسلب إبراهيم الكاتب الكثير من صفاته ليدعيها إبراهيم الكاتب نفس واسعة اتسعت حتي احتوت الأضداد ولو أنك سألتني أن أصف لك ذلك الرجل العجيب لما استطعت خيرا من أن أجمع مميزات الإبراهيمين قائلا : هذا
هو إبراهيم الكاتب ، ولا غرابة فكما أن الرجل استمرار للطفل ، وإن تغيرت القسمات ، كذلك استمرت مرارة أحد الرجلين في ابتسامة الآخر حتى أصبح سروره عرفا ولقد كان في المرارة شعر كما تري في الابتسامة سخرية ، وما مات الشعر وأن نازعته السخرية سحره . إبراهيم الكاتب أو إبراهيم المازني مزيج جميل من الشعر والسخرية ،
وتلكما صفتان يرد إليهما بحق جورج ديهامل سر نبوغ الكتاب ، مؤكدا أنه إذا أخلي الرجل منهما فقد خلا من كل شئ وإلا فقد اجتمعت له مميزات الأديب الحق .
اجتماع السخرية إلي الشعر سر من أسرار الحياة ، يكاد إبراهيم الكاتب يفض لنا غلافه . وأنا بعد لا أستطيع أن أتتبع تاريخ تلك الظاهرة في حياة رجلنا ، لأنني لا أعرف قصته ، وإنما أعرف منها مرحلة قصيرة تذكرني بالدراما الكلاسيكية حيث ترتفع الستارة عن شخصيات تكونت
من قبل ، وإذا بنا أمام أزمة من أزمات الحياة ، وإذا بالشخصيات تتحرك في أزمتها وفقا لطبائعها ، ونحن بعد لا نعرف ماضي تلك الطبائع ولا سر نشأتها ، وإنما ندرك خصائصها من احتكاكها بالناس والأشياء وسط أزمتها العارضة . وإذن فقد كانت لإبراهيم الكاتب دراما صيغت قصة
ونحن بعد نعلم أن إبراهيم الكاتب كانت له زوجة ماتت مخلفة له ولدا ، وتبدأ أزمته منذ مرضه بالمستشفى وتعلقه بماري ممرضته التي يخشى استمرار علاقته بها فيسافر إلي الريف عند أقاربه ، حيث يجد بنت خالته شوشو الفتاة الجميلة الحية ، وأختها سميحة العائرة الحظ ، التي ينفر منها كما ينفر الدكتور محمود نفسه طبيب العائلة وأحد
أقاربها ، وأخيرا نجية الأخت الكبيرة زوجة الشيخ علي صاحب العزبة التي نزل بها ، وكان إبراهيم قد نشأ صغيرا مع بنات خالته ، ولكم داعب شوشو وهي طفلة وهو يافع مكتمل ، حتى شبا كأخوين ، وانقطع عنها سنين طويلة وها هو يعود اليوم فيجدها فتاة تغرى الأبصار والقلوب .
وانتهي الأمر بأن اهتز قلبها بحبه ، وحاول هو أن يقاوم ذلك الحب فلم يستطع ، وود أن يتزوجها ، ولكن نجية لم تكن لتقبل أن تتزوج شوشو قبل سميحة الأكبر منها سنا ، وأصرت على أن تكون سميحة لإبراهيم ، وإبراهيم رجل عنيد يعرف ما يريد . وحاول الشيخ علي الرجل الحكيم المتزن أن يثني من حماقة زوجته فلم يصل إلي شئ . وجرحت كبرياء إبراهيم إذ رفضت نجيه أن " تعطيه "
شوشو ، ولو " دفع لها وزنها ذهبا " ونفض إبراهيم بدء من الأمر ، وسافر إلي الأقصر ، حيث كانت له مغامرة مع ليلي إحدي النساء الحديثات ، وإن كانت في الحق امرأة لا تخلو من نبل وأصالة ، ومرض إبراهيم بالأقصر ، وعاده الشيخ علي والدكتور محمود ، وشفي وغادرته ليلى ، وعاد هو إلي القاهرة ، وقد علمنا أن شوشو قد تزوجت من الدكتور محمود بعد أن برحت بها الآلام كما برحت بإبراهيم الذي لا نعلم من أمره بعد ذلك شيئا .
هذا كل ما نعلمه من حياة إبراهيم الكاتب ، ومع ذلك فباستطاعتنا أن نلقط قسماته التي تجعل منه أنموذجا بشريا لا شك في صدقه ، وذلك لأن تلك الأزمة النفسية كانت كالمحك الذي يكشف في الرخام عن تجاديفه التي تكونت خلال السنين
لقد استجاب طبع إبراهيم الكاتب لعدة أحداث ولهذا الطبع خصائصه التي كيفت تلك الاستجابات ، وأما الملابسات التي أخذ فيها الطبع لونه النهائي فلا علم لنا بها ، وإن كنا نلمحه في أول أزمته مريضا ، ونراه في آخرها مريضا . ومن يدرينا لعله غذي ألمه أو رفه عنه أثناء مرضه بذلك الشعر الجميل المتشائم ، شعر الكتاب المقدس . ألا
تراه يستهل قصته بإحدي آباته : " كل الأنهار تجري إلي البحر والبحر ليس يملآن ... " بل ويستهل كل فصل من فصولها : " وكان مساء ... " ، " وكان صباح يوما واحدا " ، " إلي أن يفيح النهار وتنهزم الظلال أذهب إلي جبل المر وإلي تل اللبان ... " ، " ارجعي ، ارجعي ،
يا شوليت ، ارجعي ! ارجعي فننظر إليك " ، " أيتها الجالسة في الجنات . الأصحاب يسمعون صوتك فاسمعيني " ... الخ الخ مما يفوح حزنا رقيقا كم شعت به عبقريات منذ دانتي إلي ملتن وقني لقد أشربت نفس إبراهيم الكاتب حكمة الكتاب المقدس التي تجنح إلي التشاؤم ،
والإعراض عن الحياة ، بل واحتقارها حتي أصبح يرى الكثير مما تتعلق " باطلا ، و " فيض الريح " ألا تراه يسخر من جهد حياته ذاته فيحسبه " حصاد الهشيم " . ولا يغرنك منه تلك الفلسفة ، فالحياة كالمرأة الجميلة كلما أعرضنا عنها اشتدت وراءنا طلبا ، وإن في إعراضنا لهفة ، وإن في استهانتنا الظاهرة لحرصا لصيقا بالقلب . انظر إلي نفس
إبراهيم الكاتب تناجيه : " ولكنك عبد الحياة عبدها الباكي الشاكي بغنائه الذي لا يعجب الأحرار الطلقاء وأحسب أنك معذور إذا بكيت إسارك وحاولت أن تتلهي في سجنك ، لا بأس . أرسل صوتك ليؤديه الصدي مقطعا نعم ! غن وتسل كما يصيح الصبي في الظلام ليطرد عن
نفسه المخاوف ، واحلم - علي الرغم من الرق والأسر - بالخلود . وغالط نفسك ، وقل إن الجمال وحي ، وإن الحب لا أدري ماذا أيضا ! ولكن ألا تسمح لي أن أسألك : ما وحي الأزاهير الذي يذكى أنفاسها ؟ أو كيف تغدو الأشجار رقاقة الغصن فيحاء الثمار ؟ أو أين وحي الينبوع فاضت به الأصلاد ؟ لا بأس . نحن يا عبد الأيام وألعوبة
الليالي ( ص ١٨٨) أو لا تري في تلك النجوي صراع روح تود لو استقلت بذاتها فتحاول أن ترفض الحياة ومغريات الحياة ، فلا تستطيع روح تهفو إلي أن يكون شعرها أغنية داخلية لا تستمد وحيها من أحد ، ولا من شئ كالزهر يرسل عطره ، والشجر يؤتى ثماره ، والينبوع يصدح
خريره . وأني لها بذلك ؟؟ وهي لم تر الحياة إلا سجينة . ولقد بلا إبراهيم الحياة وعضته بأنيابها العضل ، حتى أصبح يحذرها في يقظة مستمرة ، فتراه لا يستجيب لندائها أو يحاط به . ماتت زوجته فلاحقته ذكراها سنين طويلة
حتي أضنته ، وفي معاودة الذكري وإلحاحها ما يحزن . وثمة خواطر جري بها لسان الشيخ علي فأدهشتني لأنها بإبراهيم ألبق ، وفي لفتات ذهنه أدخل ! قال : " متي جاء الخريف وبدأ المرء يشعر بأنه قد رأي خير ما كتب له في عمره ، وأن ما بقي من رحلته في هذه الدنيا أشبه بأن يكون
وجودا منه بأن يكون حياة - استمرارا ومجرد اندفاع في الطريق الذي كانت تجرى فيه الحياة الأولى كما يجري النازل من الترام خطوات إلي جانبه ... عرف المرء أن أذنه التى كانت تعلها همسة الحب الخافتة لن تسمع بعد ذلك تلك اللغة العذبة ، وصار القلب الذي كان يطفر إذا هتف بالنفس هاتف من أمل أو طماح يخفق بلا احتفال ،
ولا يخرج من دقه عن الانتظام ، وبدأت الآمال والرغائب التي كنا نعتز بها ، ونحرص عليها ، تفقد حلاوتها وقوتها ونضارتها ... وتتعري زهراتها من أوراقها ، وتجف وتصفر وتتساقط على اليد ويطيرها النسيم هنا وههنا " . ( ص ١٦٤ ) هذه هواجس ما أظنها تخطر لرجل كالشيخ على ببال ، وذلك لأنه - فيما أعلم - يحيا
الحياة ولا يفكر فيها ، وإنما هي فلسفة إبراهيم التي لا أدري سر نسبتها إلي الشيخ علي ؛ ومنها لوعة تحدثنا بأن سخرية إبراهيم وجفافه الإرادى نعمية تنشرها الروح بحركة آلية لتخفي ما فيها من حزن ومرارة . ولكم من مرة تسقط نجوي إبراهيم القلبية فإذا هي : إن السعادة لا تجني في الحياة بأن يرد المرء يده بل بأن يمدها إلي الثمار ليجنيها " ( ص ٢٨٦ ). ولكن ألم أقل إن تحت الرماد نارا ، وإن في تضاعيف السخرية شعرا !!
إبراهيم الكاتب نفس لا تزال تعرف الحماسة وتستشعر الشهوات ، نفس حارة وإن بلبلتها المرارة فسخرت ! وكأني بها تحن إلي أن تتعلق بشيء يملأ ما بها من فراغ يزيد هونه ما انساقت إليه من إعراض عن الحياة . نفس تود أن لو استغرقها شعور قوي . وهذا ما نلمحه في تعلقه بمارى وشوشو وليلي ، على تفاوت في النوع والنسب .
تطلق بمارى وقد أضعف المرض من صلابة نفسه ، فكن إلي وقتها وآخي الحزن بينهما ، وكلاهما لا يزال تذكر شريك خيانة الراجل . ثم انعقد قلبه بحب شوشو ، وقد سحره منها تفتع قلبها البكر كما تتفتح الزهرة لندي الصباح وكأن في جرأة ليلى وقوة نفسها ونضوح أنوثتها بما جذبه و أوشك أن يغريه عن شوشو بعض الغراء أو علي الاقل أن يلهيه عن بعض ألمه . وإبراهيم كما قلت نفس غنية كثيرة الحنايا .
إبراهيم الكاتب أنموذج بشري لذلك النوع من الناس الذين يطول تفكيرهم في أنفسم وفي الحياة ثم لا يهتدون إلي فهم يرتضونه فينتهي بهم الأمر إلى التجرد من أنفسهم ومن الحياة يضعونهما أمامهم ليحدقوا فيهما بنظرة ساخرة مؤثرة و إن لم يعدموا أن تثور بهم من حين إلي حين موجة تأتي من القاع ، فإذا بهم يزيدون و إذا الابتسامة تقطر مرارة ، وإذا بالسرور يتساقط من أطراف أصابعهم كالعرق البارد .
إبراهيم الكاتب شاعر ، ولكم من مرة تتحرر نفسه من قيودها ، فنري ماحوله من جمال الطبيعة يفطن لدقائقها ، " و كان مما يرفه عن أعصابه أن يرسل اللحظ يريد ليخرق به أحشاء الظلماء فيشقونه عن نجوم السماء ويرتد اللحظ عما دونها كليلا حسيرا ، وأروع ما تكون السماء عنده حين تنتقل العين في أجوازها الرعية ، فلا تنقطع منها سوى بيد هائلة من بيد أشد هولا ".
والآن ترى أصحيح ما زعمه المازني عندما قال عن إبراهيم الكاتب " ليس بيننا من تشابه سوى أن كلينا قصير فمي وأنا أزيد عليه أي أصبت بالعرج ، فليته كان هو المصاب وأنا الناجي المعافي "!" . وأنا بعد لا أدعي أن أزمة إبراهيم الكاتب قد انفقت لإبراهيم المازني ، فهذا لا يعنيني ولكنني أحس بوشائح روحية بين الرجلين . أولا تري أن لنفسهما لونا وأن لحياتهما فلسفة ؟ كم تهزنى روحهما المطبقة النافذة !!
