الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 115الرجوع إلى "الثقافة"

نماذج بشرية :، جفروش Gavroche

Share

للكاتب الإيطالي المعروف بيراندللو Pirandello رواية مسرحية هي " ست شخصيات تبحث عن مؤلف " يبرزها إلى الوجود ، وهذا هو معني الخلق في الأدب ، ولكم من شخصية ما تزال مبعثرة غامضة حائرة ، حتى يتاح لها مؤلف يجمع أشتاتها ويوضح معالمها ويدعم حياتها ، فإذا هي أبقى على الزمن من البشر ، وإذا بها تجتاز الأجيال مستقلة الوجود في مأمن من الفناء ، لأنها أعمق في الحياة من كل حي وأصدق دلالة من كل واقع .

ولقد يبدو غريبًا أن تترك النماذج المشهورة كأخيل ودون كبشوت وهاملت وفوست مثلا ، لنتحدث عن جفروش ، وجفروش طفل في الثالثة عشرة من عمره يظهر ويختفي بعد أن تبدأ رواية البؤساء لهيجو ، وقبل أن تنتهي ، فلا هو بطل الرواية ولا هو مدارها ، ولكني رغم ذلك أحب هذا الطفل وأفضله على الرجال ، حتى لقد أقعدني المرض أيامًا فلم أجد جليسًا تستريح إليه النفس خيرًا منه . ولقد سئمت منطق البشر وأصبحت أرثى لذلك الفيلسوف الجليل الذي غذا شبابي بما في الخير والحق من جمال . وما أدري أضل رجلنا عندما زعم أن النفوس لا يمكن إلا أن تعشق الخير والحق إن بصرت بهما ، أم يخادع الناس أنفسهم ويخادعون الغير عندما يتحدثون عن الخير والحق ! ومن يدرينا ؟ قد لا يكون هذا ولا ذاك ، وإنما هو عبث بالألفاظ وإخراج للغة عما خلقت له من حمل معاني النفوس ونفثات القلوب . ولكم من مرة حدثتني النفس أن اختراع اللغة هو أشد ما نزل بالبشر من كوارث .

فأشد انفعالات النفس وأعمقها غورًا وأصدقها رنينًا هو ما يعقد اللسان ، وأكمل الرجال شهامة أقلهم حديثًا عن

الخير والشر ، وتلك ألفاظ ما كان جفروش يعرف لها معنى ؛ ولو أنه علم أن للأخلاق قواعد تواضع عليها الناس لفسدت حياته ، لأنه نشأ على السخرية من مواضعاتهم ، والعبث بقوانينهم . وحتى وخزات الضمير ما كان يعرف لها ألمًا ، وما كان قوام حياته إلا معنى عميق للشهامة وفطنة إلى مواضع التهلكة أكسبته إياها تجارب عاجلته بها الحياة صغيرًا . نعم لقد كانت تجاربه محدودة ، ولكنها كانت غنية لشدة ما قاسى من آلام حتى ما كان يدهشه شيء وهو بعدُ في العاشرة من عمره

" وكان جفروش يرتدي بنطلونًا لم يأخذه من أبيه وقميصًا لم يأخذه من أمه ، وإنما كساه بتلك الأسمال قوم محسنون ، ومع ذلك فقد كان له أب وقد كانت له أم ، ولكنه لم يكن موضع تفكير أبيه ولا محبة أمه . لقد كان من أولئك الأطفال الذين لهم أم وأب ومع ذلك فهم أيتام .

" وكان شعوره بالسعادة أتم ما يكون عندما يجد نفسه في الشارع ، إذا أن حجارته كانت عليه أقل صلابة من قلب ذويه ، وقد ألقوه إلى الحياة برفسة قدم ، فطار إليها راضي النفس . لقد كان طفلا صاخبًا شاحبًا خفيفًا يقظًا ساخرًا حي الملامح مريضها . فكنت تراه رائحًا غاديًا مغنيًا لاعبًا ، يحفر القنوات ويسرق أحيانًا ولكن في مرح كما تسرق القطط أو العصافير ، وكان يضحك لمن يسميه عفريتًا ، ويغضب ممن يسميه لصًا . لقد حرم المأوى والخبز والنار والحب ، ولكنه كان مرحًا لأنه حر " .

هذا هو طفل باريس وهو منها بمنزلة العصفور من الغابة .

" وبباريس أطفال لا يجدون عشاء كل يوم ، ولكنهم قد يذهبون إلى المسرح كل مساء . لا قميص على جسدهم ولا حذاء بأرجلهم ولا سقف فوق رءوسهم ، فهم كذباب السماء لا يملكون من كل ذلك شيئًا . يعيشون أسرابًا . يذرعون الطرقات ، ويسكنون الفضاء ويرتدون بنطلونًا قديمًا

يخلعه عليهم أبوهم فينزل إلى ما دون أكعابهم ، وبرنيطة لأب آخر تغطي آذانهم ، وحمالة ذات فرع واحد يعلقونها بأكتافهم . يعدون ويتربصون ، ويضيعون وقتهم ، ويدخنون ويقسمون أغلظ الايمان ، و يغشون الحانات ، ويعرفون اللصوص ، وما في قلوبهم من الشر أثر لأن بها لؤلؤة هي الطهر واللآلئ لا تذوب في الوحل .

وهم يصيحون ويسخرون ويصخبون ويتضاربون ، وعليهم خرق كالشحاذين ، وأسمال كالفلاسفة ، يصيدون في المجاري ويطاردون في القمامة ، ويستخرجون المرح من الأوحال . يصرون بأضراسهم ويعضون بالأنياب . يصفرون ويغنون ، يحيون ويسبون ، يجدون بغير بحث ، ويعرفون ما يجهلون ، هم أسبرطيون إلى حد اللصوصية ، ومجانين إلى حد العقل ، وشعراء إلى حد الإسفاف ، يرقدون فوق الأولمب ، ويندسون في الروث ، ويخرجون منه مرصعين بالنجوم " .

ولنتتبع جفروش قليلا في أزقة باريس وهو يبحث عن عشائه : ها هي حديقة يتدلى منها التفاح ( ولقد أودت بآدم تفاحة فلم لا تنجي أخرى جفروش من الموت جوعا ) ودون التفاح سياج يعبره جفروش ، فإذا به على مقربة من صاحب الحديقة ، وصاحبها شيخ فان - يسترق جفروش السمع إلى حواره مع زوجه العجوز ، فإذا بهما في ضيق شديد ، وإذا بالمالك ينذرهما بالطرد ، وإذا بهذا الحديث يذهب بما يحس جفروش من ألم الجوع فيتفقد إلى جوار السياج مضجعًا يأوي إليه .

ومن خلال ذلك السياج لمح طفلنا شبحين يتبع أحدهما الآخر . أولهما شبح شيخ وقور ، ومن خلفه شبح فتى خليع يتربص به . وما هي إلا أن وثب الفتى بالشيخ فسقط إلى الأرض ، وهم جفروش ليرى ما حدث ، فإذا بالشيخ قد أرغم أنف الفتى ، وانتظر جفروش ليرى بقية المغامرة ، فإذا بالشيخ يُنهض الفتى آخذًا بتلابيبه كما يفعل قط بفأر ، وإذا به يعظه وعظًا طويلا ، يفهم منه جفروش

أنه لا تستقيم الحياة بغير جد وإلا انتهت بغياهب السجون أو دماء المقاصل ، ثم يدفع الشيخ محفظة نقوده إلى اللص ويخلي سبيله .

لم يرق جفروش ما رأى ، وإذا به يتسلل في الظلام خلف اللص حتى يأتيه واللص لا يشعر بوجوده ، ثم يضع يده في الجيب الذي به المحفظة ويعود بها حتى يقترب من موضع مضيفه الشيخ خلف السياج ، فيرمي بالمحفظة إلى الحديقة ويعدو ملء أرجله ، وقد نسى جوعه ونسى مخدعه ، ولكنه فرح مغتبط بتلك البطولة الساذجة لأن مزاجه مزاج فنان ، وما يعنيه من بعد ذلك شيء ، وما يريد أن يعرف عما ارتكب شيئًا من أحكام البشر . هل ما أتاه يعتبر خيرًا أم شرًا . هذا ما لا يعنيه ، وما أظنه قد ساءل نفسه يوما ما سؤالا كهذا ، لأنه كما قلنا لا يعرف للشر أو الخير معنى ، ولا يأتي أيهما عن حساب أو تقدير ، وإنما هي طبيعته التى تسوقه إلى ما يفعل وفي فعله هذا جمال لاشك فيه . لقد يلقى في الطرقات طفلين مشردين أصغر منه سنًا وأضعف قوى ، فيبسط عليهما حمايته ، ويقودهما إلى حيث يجد لهما قليلا من الخبز أو يمهد لهما مضجعا إلى ساق تمثال نابليون ، مستعينا بما يسرق من أخشاب سياج حديقة النباتات ، حتى إذا أويا إلى مضجعيهما خف في ظلام الليل ليساعد مجرمًا على الهرب من السجن ، والمجرم أبوه والطفلان أخواه ، ولكنه لا يعلم عن ذلك شيئًا ، ولو أنه علم لما تغير موقفه ، لأنه يأتي ما يأتي لجمال ما يفعل في ذاته ، وما للخير أو الشر في نفسه أي اعتبار .

ويعود طفلنا عند الصباح ليوقظ طفليه اللذين يعتبر نفسه قوامًا عليهما ، ويعتزم أن يبصرهما بالحياة ، وأن يقوم على تنشئتهما فيقتادهما معه وسط الطرقات ، ولكنه يفقدهما في ازدحام يلقاه ، فيأسف أشد الأسف ، ولا يجد عزاء عما فقد إلا أغنية ساذجة يردد مقاطعها خلال الأزقة المظلمة . كل تلك المغامرات قصيرة الباع ، لا تظهر ما بنفس هذا الطفل الخيرة من غنى . وأما اليوم الذي تجلت فيه

ثروته الروحية فكان يوم ثورة سنة ١٨٣٢ .

في ذلك اليوم كان جفروش عائدًا من إحدى ضواحي باريس وبيده غصن مكلل بالأزهار ، وإذا بروح الثورة تهب ، وإذا به من رجالها فيلقي الطفل غصنه من يده ، ويسرع إلى مخرن أسلحة يختطف منه طبنجة واعدًا بردها ، ويعدو إلى قلب باريس ؛ ولكنه يلاحظ أن الطبنجة من غير زناد ، فليكن وليعد طفلنا وسط الجموع صاخبًا مهلهلًا ، وليتغن بالمرسييز مع المتغنين ، وليخطب من حوله : " لا عليكم - إن برجلي اليسرى ألمًا شديدًا ، ولقد قسا بي الروماتزم ، ولكنني مسرور أيها المواطنون . وما على الأعيان إلا أن يستوثقوا من مواضع أقدامهم - من هم أفراد الشعب ؟ كلاب ؛ ليكن ، ولكن ليحترموا تلك الكلاب . آه ليت هنا زنادًا - لقد أتيت من ظاهر المدينة حيث النار تضرم والقلوب تغلي - آه ! لقد حان الحين لنقطف زبد الغدر " .

وفيما هو سائر لا يلقى رجلا إلا حثه على السير إلى القتال وإن يكن الحزن قد تسرب إلى نفسه دقيقة عندما نظر إلى سلاحه قائلا : " سأنطلق إلى المعركة وإن لم تتطلق منك رصاصة "

وفيما هو كذلك إذا بجموع الطلبة الثائرين يمرون وعلى رأسهم زعيمهم " أنجولرا " Enjolras فينضم إليهم لأنه يعرف أنهم يعلمون إلى أين يسيرون . خف في مقدمتهم وسلاحه الخرب بيده ، والأغاني لا تغادر شفتيه ، حتى وصلوا إلى حانة قرروا أن يتخذوا فيها مقرهم وأن يقيموا أمامها حواجزهم ، ويأخذ جفروش على نفسه إنجاز تلك الحواجز

" ها هو يغدو ويروح خفيفًا مرحا . ها هو يصعد وينزل ويصيح ، ويرغي ويزيد ، حتى لكأنه خلق ليبث الشجاعة في نفوس الجميع . عجبًا ! أي باعث كان يحفزه ؟ وأي أجنحة كانت تطير به ؟ لقد كان باعثه ما عانى من بؤسٍ ، وكانت أجنحته ما يفيض به قلبه من فرح .

لقد كنت تراه بغير انقطاع ، وكنت تسمع صوته في كل لحظة . لقد كان وجوده يملأ الفضاء حتى لكأنه في كل مكان . كنت تراه بأعلى الحواجز يدفع المتسكعين ، ويحث المتكاسلين ، ويبعث النشاط في المتعبين ويقلق المتأملين . يثير في البعض النشوة ، وفي البعض الغضب ، وفي الآخرين الجهاد ، كما يدعو الجميع إلى النشاط . يحز طالبًا ويعض عاملا ، يقف ويسير ، ويستأنف السير متنقلا بين هؤلاء وأولئك ، يتمتم حينا ويطن أخرى ، ثم لا يقف جهده عند ذلك الحد ، بل يحاول أن يشترك في المعركة فيرمي بسلاحه الخرب إلى الأرض ، ويأخذ ببندقية أثقل منه وزنا ويقدح الزناد ، فإذا بالبندقية فارغة . وإذا بوجهه يتقطب امتعاضًا . ولعل هيجو لم يشأ أن يجعل منه سفاكا للدماء . يرسله أحد الثوار بخطاب إلى فتاة ، فيطيع وينتهزها فرصة سانحة ليحطم بالحجارة ما يلقى من مصابيح ، وهو في أثناء ذلك يغني بصوته المرتفع وسط الشوارع المظلمة ، ويعثر في أثناء سيره بعربة يد يدفعها حمال ثمل ، فيأخذها منه ويسوقها أمامه فوق الحجارة في ضجة تسترعي انتباه رجال البوليس ، فيسرعون إليه فيدفعها في أرجلهم ، ويولي الأدبار كدخان تبدد ، ويعود إلى الحواجز ليحضر المعركة الحاسمة ، فإذا بالإخوان الثوار قد نفدت ذخائرهم . يرى ذلك فيأخذ لساعته سلة يعبر بها الحواجز إلى حيث تتمدد جثث الموتى من الجند يفرغ جعبهم ، وما يزال ينسل من جثة إلى جثة ، والجند يصوبون إليه رصاصهم دون أن يصيبه أذى ، وهو يحاورهم ويداورهم ، مختفيًا وراء جثة ، محتميًا بمصراع باب ، وكلما رفت رصاصة بجوار أذنه غايظ من أطلقها بحك أصبعه على أنفه ، والحواجز تهتز ، وصوته لا يسكت عن الغناء ، حتى حم القضاء وأصابته رصاصة أقعدته والدم يسيل فوق وجهه ، فرفع ذراعيه إلى السماء ، وأدار وجهه إلى الجهة التي أتته منها الرصاصة وهو يغني : " لقد سقطت إلى الأرض وتلك غلطة فلتير - لقد سقطت بالقناة وتلك غلطة . . . "

ولم يتم أغنيته إذ أتته رصاصة أخرى خر منها صريعًا وجهه على الأرض ولا حراك به ؛ وهكذا قضت روح ذلك الطفل الكبير ، وقد اجتمعت بنفسه قوة قوة الثورة على الظلم إلى جوار المرح والسخرية من آلام الحياة .

هذا هو جفروش كما تعرفه باريس في أطفالها الذين قد لا يعرفون للأخلاق قواعد ، ولكنهم يصدرون عما هو أسمى من الأخلاق - عن صفاء في النفس وحرارة في القلب ، وإمعان في الحياة ينشر على شفاههم ابتسامة أبدية الخلود .

هذا هو جفروش كما يعرفه كل الفرنسيين وكل من يتكلم الفرنسية ، حيث خلدت اللغة هذه الشخصية الأصيلة الجذابة ، بأن أدخلتها بين مفرداتها كاسم ذات وكصفة وهم يدعون الرجل " جفروش C'est un govroche " كما يصفون به تلك الروح التي صورنا " il a l'esprit govroche " وليس بعد ذلك دليل على خلود هذا الأنموذج البشري بين ما خلق الأدب من نماذج .

ولكم يذكرني جفروش هذا بهيجو خالقه وقد ظل طفلًا حتى آخر عهده بالحياة ، ولكم يذكرني برينان الذي قال عنه أحد النقاد فأصاب القول : " إنه كان يفكر كرجل ويحس كامرأة ويتصرف كطفل " . وهكذا شأن كل من تميز بين البشر ، فما يجوز لنا أن نخضعهم لأحكامنا الوضيعة المتواضعة ، ولحياتهم منطق لا يفهمه إلا من يضارعهم . وأما نحن فلنخضع لما تملي علينا الجماعات التي ننتمي إليها ؛ وإن كان لنا أن نحذر أحدًا فليكن ذلك الحذر ممن يتشدقون بكلمات الخير والحق ونفوسهم أصغر من أن تحتوي معاني تلك الألفاظ الجميلة .

اشترك في نشرتنا البريدية