الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 208الرجوع إلى "الثقافة"

نماذج بشرية :، فيليسيتيه Felicite

Share

فيليستيه بطلة لقصة صغيرة للروائي الفرنسي الكبير فلوبير عنوانها قلب ساذج " كتبها المؤلف سنة ١٨٧٧ ، ونشرها مع قصتين اخريين بعنوان ( ثلاث قصص)

في عنوان القصة وفي اسم البطلة ما يشخص هذا الأنموذج المؤثر . ولو أنك طلبت إلي أن أترجم هذا الاسم وكان ذلك من حقى لما وجدت خيرا من أم السعد " فإنا نحس في هذا اللفظ سذاجة القلب وطيبته

فيليستيه خادمة من خدم الريف ؛ عقل محدود وقلب رحب . وعن هذه الفارقة يشع نبل حياتها المتواضعة الحزينة ، فلقد تراها تأتي من أعمال البطولة ما يتحدث به الناس كافة الاهو ؛ وذلك لأنها لا تدري ما البطولة ، بل ولا تفكر فيما تأتي . مثلها مثل كلب أمين ، لأن الأمانة من

طبعه ، يقاتل دون سيده ، ولقد يمسه الأذي ويعود من المعركة لا يذكر إلا ما به من جراح يحيها ألمه . ولقد تنزل بها المحن فتألم حتى لتطرح نفسها علي الأرض صارخة معولة ، ولكنه ألم غفل لا أثر فيه لمذكيات العقل الذي ما يزال يلوك بلوانا حتى يجعل من التواقه جلائل الأمور . فيليسيتيه مثل حي الملايين البشر الذين لم تفسد الحياة العقلية طبائعهم

فتركتها كما هي بما تحمل من عظمة وبؤس ، وإنك لتستعرض حياتها فلا تقع على فكرة ولا تقف عند رأي ، وإنما هي سلسلة من الوقائع لا تخلف بنفس خادمتنا المسكينة غير الإحساس ، وأما التفكير في معنى تلك الوقائع فذلك ما لا تعرفه . فيليستيه تحيا الحياة دون أن تفكر فيها ، ولكم تذكرني حياتها بقول المسيحية : " انس نفسك كى لا تعوق موسيقاها " .

كان وجهها نحيلا وصوتها حادا . في الخامسة والعشرين

كانت تلوح في الأربعين ، وعند ما وصلت إلي الخمسين لم تعد تتم عن أي سن كنت تراها صامتة دائما ، منصوبة الغد متزنة الحركات فتحسبها امرأة من خشب تعمل بحركة آلية . في كل فصول السنة كانت تلبس منديلا هنديا تشجبه بدبوس إلي ظهرها ، و " بيريه  تحني شعرها ، وجوارب رمادية ، ثم جونلة حمراء ، وفوق قميصها " مريلة " كممرضات المستشفى

ولقد كانت لها حكاية غرام كغيرها من النساء . كان أبوها بناء قتل في سقطة من " السقالة " ثم ماتت أمها وتشتت اخواتها ، فأواها رجل في عزبته واستخدمها صغيرة في حراسة البقر بالحقل ، حيث كانت ترتعد من البرد تحت أسمالها ، وتشرب الماء من البرك مطروحة على بطنها ، ثم تضرب لأوعى الأسباب ؛ وأخيرا طردت لسرقة فرنك ونصف لم تكن هي سارقته . والتحقت بعزبة اخري عملت فيها كحارس " لحوشة الدجاج ، ولكن زملاءها أخذوا يحسدونها لأنها أعجبت أسيادها

وفي مساء أحد أيام أغسطس ( وهي عندئ في الثامنة عشرة ) قادها زملاؤها إلي عبد كولفيل ، وإذا يليها يطير لضوضاء لاعبي القيثارة وللأضواء المثبتة في الأشجار ، ولآلوان الملابس الزاهية ؛ للمدنتلا والصلبان الذهبية وتلك الكتلة البشرية التي تقفز راقصة دفعة واحدة . هنالك انتحت في تواضع ركنا ، وإذا بشاب تري المظهر يدخن البينة وهو متكئ بمرفقية على مجر عربية صغيرة يأتي يدعوها

إلي الرقص ، ثم يقدم لها كوبا من عصير التفاح المخمر ، وفنجانا من القهوة ، وقطعة من الفطير ، ويشتري لها " كوفيه وكأنه أحس برغبة نفسها فعرض عليها أن يصطحبها إلي منزلها . ولكنه أثناء الطريق طرحها بوحشية علي حافة حقل من الشوفان ، فتملكها الرعب وأخذت تصيح وإذا بالفتي يغادرها مسرعا .

وفي مساء آخر وهي في طريق ( بومون) أرادت ان

تسبق عربية محملة بالشوفان كانت تسير أمامها في بطء وبينما هي تمر ملامسة عجلات العربية إذ لمحت " تبودور " الذي تقدم نحوها في مظهر هادئ طالبا إليها ان تغتفر ما كان ، لأن الخطأ لم يكن منه وإنما من الشراب . فلم تعرف بم تجيب وإن أحست برغبة قوية في الهرب . ولفورة اخذ يتحدث عن المحصول وعن أعيان الناحية ، لأن أباه كان قد

ترك كولنيل وذهب إلي عزبة ( الايكو) وبذلك أصبحا جيرانا . اجابت : آه واضاف انهم يريدون منه ان يستقر وإن لم يكن هو في عجلة ، وكان يفضل ان ينتظر حتي يعثر بأمرأة علي هواء ؛ فطأطأت رأسها ، وسألها : هل تفكر في الزواج فابتسمت قائلة : إنه ليس من الخير السخرية من

الناس كلا ! اقسم لك ، وبذراعه الأيسر طوق خصرها فسارت مستندة إلي ضمته وتباطأت خطاهما لقد كانت الريح رخوة والنجوم تلمع ، وحمل الشوفان الضخم يترنح أمامهما على العربية ، والخيل الأربعة تجر أرجلها مثيرة التراب ، وعرجت الخيل إلي اليمين دون أن تؤمر وقبلها مرة اخري ثم اختفت في الظلال .

في الأسبوع التالي حصل منها تبودور علي موعد والتقيا بأقصى الحوش " خلف حائط تحت شجرة منعزلة . انها لم تكن في سذاجة الآنسات ، إذ كانت الحيوانات قد علمتها ، ولكن العقل وغريزة الشرف معناها من ان تسقط . وكان في مقاومتها ما هيج حب تبودور حتي اضطر لكي يرضي ذلك الحب أو . لسذاجته أن يعرض عليها الزواج ، فترددت أن تصدقه ، ولكنه اقسم أغلظ الايمان .

وبعد أيام اعترف لها بشيء معرقل ، ذلك أن أهله كانوا في العام الماضي قد اشتروا له رجلا يذهب بدلا منه إلى الجندية ولكنه لا يأمن أن يطلب من يوم إلي آخر ، وكان في هذه الفكرة ما يخيفة . ورأت فيليستيه في هذا الحين مظهرا من مظاهر الرقة نحوها ، فزادت رقتها نحوه وافلتت في الليل لتتأتي الموعد وإذا بتبودور يعذبها بقلقه

وإلحاحة ؛ وأخيرا أعلن أنه سيذهب بنفسه إلي مقر العمدة ليسأل عن الإجراءات ويأتيها بالأخبار يوم الأحد المقبل بين الساعة الحادة عشرة والظهر . وعندما حانت تلك الساعة أسرعت فيليستية نحو حبيبها ، ولكنها وجدت مكانه أحد أصدقائه ؛ واخبرها ذلك الصديق انها لن تري تبودور بعد اليوم ، لانه كي يأمن التجنيد قد تزوج بأمرأة عجوز عظيمة الثراء هي مدام " ليهوسية " من قرية " توك "

لقد كان المها ألما مضطربا لا نظام فيه . ألفت نفسها في الأرض واطلقت صيحاتها ، ونادت الله الرحيم ، وانت وحيدة في الحقل طول الليل ، حتى إذا طلعت الشمس عادت إلي العزبة وأعلنت رغبتها في الرحيل ، وبعد شهر اخذت حسابها ، ثم لفت كل متاعها في منديل وذهبت إلي " بون لفك

هنالك أمام الفندق سألت إحدي نساء الأعيان امرأة في ثوب الحداد اتفق ان كانت تبحث عن طباخة ، ولم يكن يلوح علي الفتاة انها تعرف شيئا ، ولكن مظهر الاستعداد الطيب والتسامح في أجرها كان باديا عليها . حتى إن مدام أوبان انتهت بأن قالت لها ساخذك عندي ؛ وبعد ربع ساعة كانت فيليستيه عند مدام أوبان

هذا ما كان . نقلته عن فلوبير دون انقص منه شيئا أو أزيد شيئا ، وباستطاعة القارئ أن يثق بأقوال ذلك الرجل الذي يعرف حياة فيليسيتية معرفة صادقة ، بل ويعرف نجوي نفسها ، وإن لم يفصح عن تلك المعرفة ، لأنه يفضل ان يكتفي بأن يقص حوادث حياتها على نحو ادل من كل تحليل .

قال : ومكثت فيليسيتيه نصف قرن عند مدام أوبان ، وكانت نساء أعيان بون أنك يحسنها من أجل تلك الخادمة التي كانت تطبخ وتنظف المنزل وتخيط وتغسل وتكوي ، كما كانت تعرف كيف تلجم الحصان وتضرب الزبد و تطغط " الطيور ، كل هذا مقابل مائة فرنك في العام ،

وفوق ذلك كانت وفية لسيدتها مع أنها لم تكن سيدة طيبة .

كانت تستيقظ منذ الفجر حتي لا تفوتها الصلاة في الكنيسة ، وكانت تعمل حتى المساء دون انقطاع ، حتى إذا انتهى العشاء واعادت الأطباق المغسولة إلي مواضعها ، دفنت الخشب تحت الرماد داخل المدفأة ونامت أمامها ومسبحتها بيدها ثم إنها في مساومة الباعة لم يكن احد أشد منها عنادا ، وأما عن النظافة فقد كان بريق مصدر بأس للخادمات الاخريات . ولحرصها على الاقتصاد كانت تأكل في بطء ، وتلم بأصابعها فتات الخبز الذي يتساقط على المائدة ، ذلك الخبز السميك الذي كان يصنع لها خاصة ، كل رغيف اثنا عشر رطلا تأكل منه عشرين يوما كاملة .

أما مدام أويان فكانت أيما ، إذ أنها تزوجت صغيرة بشاب جميل رزقت منه بولد هو بول وبنت هي فرجينيا ، ثم مات زوجها فعاشت الأيم بعده عشرات السنين وذكري ذلك الزوج تخلق فوق كل شئ ؟ فالصالون مسجي بالحداد وقد أغلقته إلي الأبد ، والبيان متروك بالصالة ومن فوقه أعمدة من صناديق الورق ، وصورة " المرحوم " بالحائط يشرف على الجميع . وكان مجلسها باستمرار فوق كرسى من القش وضعته أمام المدفأة التي كنت تري علي جانبيها مقعدين آخرين من القماش لا يغادران موضعهما ، وفي المنزل كله رائحة تشبه العفونة تفطر حزنا .

وتتابعت السنون والأيام متشابهة إلا أن تكون أيام الأعياد . وكانت مدام أريان لا تؤرخ تلك السنين إلا بحوادث حياتها الداخلية التافهة ؛ ففي عام كذا أحضرت عاملا اعاد طلاء الصالة ، وفي عام كذا سقط جزء من سقف الحوش فكاد يقتل رجلا ، وبعد ذلك بسنين ماتت إحدي صديقاتها أو انتقل أحد معارفها إلي بلدة أخري .

ومع ذلك فقد جدت حوادث أعظم من كل ذلك خطرا ، ففي ذات يوم قصدت مدام اوبان وابنها وبنتها

ومعها فيليستيه إلي إحدي عزبتيها ، وكان اليوم كثير الضباب ، وإذا بثور هائج يغير عليهم ، ولولا خادمتهم الشجاعة لافترسهم ؛ وذلك انها أخذت تتناول قطع الطمي والأعشاب تلقيها في وجه الثور متراجعة بظهرها حتي شغلته إلي أن تمكن أسيادها من النجاة ، وأخيرا وصلت إلي سياج والثور يطاردها ، ويحسن توفيق تسللت بين قضبان السياج فلم تصبها قرون الثور الذي اوشك ان يقد بطنها . وبهذا اليوم تحادث جميع الناس ، وأما هي فلم يخطر ببالها أنها قد أتت عملا نبيلا . وكان من أثر الخوف الذي نزل بهم جميعا ان مرضت فرجينيا بأعصابها ،

ولم يزل الداء يلح عليها حتى ماتت . فكان حزن فيليستيه لموتها لا يقل عن حزن امها ، وذلك لأنها كانت لا تزال تذكر تلك الأيام التي كانت تحمل فيها فرجينيا وبول علي ظهرها كانها حصان . ولئن كانت تلك الخادمة المسكينة قد وجدت شيئا من العزاء فإن ذلك لم يكن إلا في الخصلة التي أخذتها من شعر الميتة واحتفظت بها في صدرها .

وتكالبت المحن علي فيليستيه ، إذ انها لم تكن تهتدي إلى مكان إحدي أخواتها وتتعرف إلي ابن أختها فكتور الذي كان يافعا جميلا حين سافر المسكين في رحلة بحرية مع السفينة التى كان يعمل بها كبحار ، وكان سفرا مشئوما ، إذ لم يعد منه . ولكم سألت فيليستيه عن تلك الجزر النائية التي قصد إليها ، ولقد اروها فعلا جزيرة هافانا ، ولكنها لم تقنع بذلك بل ودت أن لو اروها على الخريطة المنزل الذي سيسكنه فكتور عند وصوله ! ولكم كان حزنها مرا عندما علمت بوفاته .

وكانت فيليستيه صادقة الإيمان بالدين إيمانا ساذجا ؛ كم من مرة ذهبت لتعترف بخطاياها ، والله يعلم انها كانت خطايا هيئة لا يحمر لها وجه عذراء . واخذ خيالها الفطري يري مظاهر الله في كل شئ . كانت تستمع إلي القسيس يتحدث عن الله فتود ان لو تصورت شخصه ، ولكنها

لا تصل إلي ما تريد ، فهو أحيانا طائر وأحيانا قبس من النار ، وأحيانا نسمة من الريح . ومن يدريها لعله الضوء الذي يهفو في الليل على حافة الغدران او الربح الذي يسوق السحب ، ولعل صوته هو الذي يتردد في النواقيس نغمات منسجمة . بل لقد أحبت كل حمل بسبب الحمل المقدس ، وكل حمامة بسبب روح القدس .

وكان لروح القدس في نفسها أثر عجيب ، ولذلك حكاية تستحق ان تروي .

يحدثنا المؤلف أن احدي صديقات مدام اوبان اهدت إليها ببغاء ، ولم تدر السيدة ماذا تفعل بذلك الطائر ، فتركته لفيليستيه التى تعلقت به تعلقا شديدا ، وكأنه قد أصبح وعاء لما في قلبها من حب لم تعد تجد له هدفا . وبعلاقة ساذجة جمعت بين محبتها لله ومحبتها لذلك الطائر . ولم لا ! اليس فيه ما يشبه الحمامة رمز الروح المقدسة ، وازداد احساسها هذا تجسما عند ما مات الببغاء وحنطته محتفظة في حجرتها ، حتى انتهى بها الأمر ان اصبحت تعبد الله جاثية أمام الطائر .

وماتت مدام اوبان ، فتساءلت فيليستيه ، كيف يجوز أن تموت سيدتها قبلها . وكان بول قد تزوج ، فأتت زوجته لتأخذ من الأثاث ما يصلح للبيع ، ولكم كان حزن فيليستيه عميقا عندما رات زوجة الابن تنثر ملابس فرجينيا التي احتفظت بها مدام أوبان في ( الدولاب ) كاثار مقدسة . وكانت الخادمة المسكينة قد ترفق بها القضاء ، فأصابها الصمم وفقدت بصرها فلم تسمع ولم

تر شيئا مما قيل أو فعل ، إلا القليل الذي أدركته بالحدس . وكانت سيدتها قد وقفت عليها معاشا صغيرا استطاعت أن تقتات به أياما قليلة ، إلى أن وافاها أجلها ، وكان ذلك في يوم عيد ديني ، فلم تحزن فيليستيه لمغادرة الحياة قدر حزنها لعدم استطاعتها المشاركة في ذلك العيد الذي طالما فرحت بقدومه .

هذه حياة فيليستيه . حياة حزينة مؤثرة ، حياة محبة وإيثار ؛ لقد اححبت بول وفرجينيا طفلين ، ولم يكن يحز في قلبها شئ مثل حظر مدام اوبان عليها ان تقبلهما في كل حين ، ومن قبل احبت تبودور وحسبت انها ستتزوج كغيرها من الفتيات فخانها تبودور وخانتها الأيام ؛ ومن

بعد فرحت بفكتور فمات فكتور وبنفسها حسرة ، إذ لم تستطع أن تري منزله على الخريطة بتلك الجزر النائية التي أبحر إليها . ولكنها قد وجدت في محبتها لله عزاء عن كل المحن ، وما عليها إلا أن تري بالله في طائر أو في مظاهر

الوجود ، والله بعد روح بكل مكان وبكل نفس . ومن يدرينا لعل في هذا التجسم الساذج مصدر قوة لإيمانها . ومن يدرينا لعل الله قد تقبلها قبولا حسنا ، وقد كانت حياتها كلها حياة محبة وإخلاص وبطولة صامتة . بطولة عظيمة لأنها كانت تجهل نفسها

اشترك في نشرتنا البريدية