(( قتل عم هملت أباه ، وكان على هملت أن ينتقم لأبيه ، وعلى ذلك انعقد عزمه ، ولكنه أخذ فى التردد . وهاك تحليل عوامل النفسية )) .
لقد كان على هملت المهذب النفس النبيل الخلق الواسع الادراك ، أن يرتكب جريمة كانت ترتكب فى عهود الجهالة الأولى ، ولقد ترتكب اليوم ، ولكن من نفس غير نفسه . ولكم تحدث إليه عمه القائل المجرم عن قواعد الأخلاق وما يطلب إليها من أن تكون لحمة الحياة الاجتماعية تمسكها عن التفكك والانهيار . وإنه ليعلم نفاق ذلك العم الذى داس تلك الأخلاق تحت أقدامه عندما كان فى ذلك نفعه وهوى نفسه ؛ ولكنه رغم ذلك لا يستطيع الإفلات من تلك القيود التى درجت عليها طفولته وشبابه ، فهو ثائر خاضع لا يدرى أى سبيل يسلك . وقد ألقت تربيته الأولى ، وتفكيره المتصل ،
والكتب الكثيرة التى قرأها فى سنى دراسته الجامعية الطويلة ، معانى العدل والحرص على التمكن من الحقيقة ؛ ولكن كيف له أن يصل إلى ذلك والجرائم من حوله تحاك خيوطها غدرا ، وقد تلفت النفوس مما يصطخب فيها من كذب ومكر وخداع ، حتى أصبح العدل حلما ، وأضحت الحقيقة وهما ؟ ولكنه رغم ذلك متسائل : ترى أصدق الشبح ؟ وهل من العدل أن نقتل نفسا بشربة لما سمعناه من ذلك الشبح الذى لم نره إلا وسط غياهب الظلام ؟ لهذا تردد هملت وأرجأ الانتقام إلى أن يستوثق من جريمة المجرم فى حفلة التمثيل التى حمل الممثلين فيها على أن يمثلوا جريمة قتل أبيه أمام أعين الملك والملكة الذاهلة المضطربة . وكان هذا إرجاء لتنفيذ ما اعتزم ، وما جريمته فى ذلك وقد خلق كألسست Alceste يأبى الإباء كله أن يصدر عن غير الحق والإيمان ، فاذا أعوزه اليقين فلينتظر وليكن ما يكون . وما إن ظفر بما يبغى من ثقة حتى خف إلى والدته يعنفها بأمر القول . وما إن أحس بحركة خلف الستار حتى انقض على من خلفه بقتله ، فاذا به لسوء الطالع بولونيوس Polonius كبير أمناء الملك لا الملك نفسه . ومن عجب أن تثمل تلك النفس النبيلة بنشوة الثقة فتخف إلى العمل ؛ وتأبى عبقرية شكسبير أن يقتل هملت وجها لوجه ، بل من خلف ستار ، حتى لكأن تلك النفس المهذبة تسمو عن أن تريق الدماء مكشوفة الوجه .
ولقد تتعقد الأمور فيتوقف هملت عن إنفاذ عزمه ، لا لوحى من ضميره ، ولا لحرص على الحقن والعدل ، بل لإحساس دينى عميق ، إحساس الرجل الذى يعلم أن العبد أقرب ما يكون إلى ربه وقت الصلاة ؛ وقد رأى هملت قاتل أبيه ساعة منفردا وقد انهمك فى الصلاة ، وكانت فرصة سانحة للاجهاز عليه ، ومع ذلك لم يفعل . وهاك حججه :
(( ها هو يصلى . إن باستطاعتى الآن أن أرسله إلى العالم الآخر . وإنى لفاعل ذلك . آه : إذا لذهب إلى الجنة ، ولكان انتقاما عجيبا ؛ لنفكر فى الأمر : يقتل مجرم أبى ، ثم آتى أنا ، ولده الوحيد ، فأرسل هذا المجرم إلى الجنة ؟ ! يا لله !! إن هذا ليس انتقاما ، بل مكافأة طيبة على جرم فظيع ، لقد قتل أبى بقسوة وحشية ؛ وقد أثقله الهضم فنام ، وتناثرت من حوله خطاياه كما تتناثر ورود الربيع ؛ وأما عن حسابه كيف قدمه بين يدى ربه ، فذلك ما لا يعلمه إلى الله ، وإن كان أكبر الظن أن حسابه جاء عسيرا ؛ ثم آتى أنا فأعتقد أنى قد انتقمت له بقتلى هذا الرجل وهو فى سبيل تطهير نفسه ، وقد أخذ بعدها لرحلتها الأخيرة أحسن إعداد ؟ ! لا . إلى الغمد أيها السيف حتى تحين لك ضربة أشد من هذه هولا ، عندما يكون سكران أو نائما أو مقامرا أو ساخطا على خالقه ، أو معنيا بأى أمر لا يحمل ذرة من الفضيلة التى تنجو بصاحبها ؛ عندئذ يحق لك أيها السيف أن تضربه ضربة تجعله يصعد إلى السماء بأعقاب أرجله ، فتهوى نفسه وقد تكاثف بها من الظلمات قدر ما يتكاثف فى جهنم )) .
وفى الحق أنها لحجج غريبة معقدة ، فيها رقة الإيمان ، وفيها قسوة الرغبة فى انتقام مر ؛ وكان هذا إحجاما آخر عن تنفيذ ما اعتزم .
كل هؤلاء مشاعر نفسية تعوق هملت عن العمل ، وفى بصيرته من الوضوح ما ينير كل جوانب نفسه ، ولكنه ضوء يكاد يغشى الأبصار ، هو ضوء الهذيان ، ضوء نفس قد تفتحت أمامها أبواب العالم الآخر فرأت أشباحه فاستحالت حياتها حلما مستمرا لا يراه أحد غيرها ، لأن أحدا لا يشاركها تلك الحياة ، فهى فريدة فى بابها . وهل أدل على ذلك من حديث أوفيليا Ophilia عنه وقد لاقاها ببهو القصر : (( لقد أخذنى من معصمى وضغطه ضغطا
قويا ، ثم ارتد عنى إلى الخلف طول ذراع ، ورفع يده الأخرى مفتوحة فوق حاجبيه فيما يشبه حافة القبعة ، وأخذ يحدق فى وجهى بإمعان حتى لكأنه يريد أن يصورنى ، ومكث وقتا طويلا فى هذا الوضع ، ثم هز ذراعى قليلا ، ورفع رأسه وخفضه ثلاث مرات متتابعات هكذا ، ثم أرسل زفرة حزينة عميقة خلتها قد هزت كيانه وذهبت بروحه ، ثم خلى سبيلى وسار عنى ورأسه ملتفت إلى ، واستمر فى السير بغير حاجة إلى عينين تنيران له الطريق ، وبصره معلق بى ضياؤه حتى اختفى )) .
وظنت أوفيليا به الجنون ، ولكنا لا نعلم بعد أكان مجنونا حقا أم هو هذيان نفس محمومة : بل من يدرينا ؟ لعل موقفه هذا من أوفيليا كان إسرافا فى شعور حقيقى أراد منه إلى إقناعها ما يتصنع من جنون يتخذ منه وسيلة إلى الإفلات من رقابة تلك العيون التى بثها من حوله عمه الملك والتى كانت أوفيليا إحداها ، إذ أوهمها أبوها والملك أن هملت قد جن بسببها ، وأن من واجبها أن تقوم عليه ، وأن تخبر عما تلاحظه من أعراض شاذة يجب أن يسارع الكل إلى علاجها .
وفى الحق أن هملت قد وجد فى تصنع الجنون شهوة عجيبة ! لقد خيل إليه أنه يحيا حلما مستمرا ، أو يلعب دورا أخاذا ، وأن روحه روح فنان تعشق الفن وتفنى فيه ؛ وأى متعة أجمل من أن نتصنع الجنون لنقول كل حق ونحطم كل مواضعة ، ونملأ الوجود بكل قول لاذع يكشف عما فى الأشياء والناس من قبح لاشك فيه ؟ وإن فى قول هذا المجنون لحكمة تنطق الأبله بولونيوس هذه الكلمات : (( عجيب ما فى إجاباته أحيانا من عمق ! ولكم جرى الجنون بحكم يعجز العقل والعافية عن مثلها )) . وأى نشوة تعدل نشوة هملت ، وقد أخذ يهذى حتى لاح هذيانه حكمة ؟ ترى أيكفينا إذا أن نسمو فوق
منطق البشر المبتذل وعدلهم الموتور وحقائقهم الزائفة لنلوح مجانين ؟
إن فى تصنع هملت للجنون لعجبا ؛ حتى ليحسب الحمقى ضحكاته تكشير مجنون عن أنيابه ، وهى بعد سخربة رجل ممتاز من حماقاتهم . أولا ترى إلى أحد رجال البلاط وقد أخذ يحتال عليه ليعرف سر نفسه فلم يحظ منه بجواب غير هذا
هملت - أتعرف كيف تلعب على المزمار ؟ رجل البلاط - لا يا سيدى ، فما عهدت اللعب على هذه الآلة .
- ولم لا واللعب عليها أسهل من الكذب ؟ ما عليك إلا أن تضع بإحكام أصابعك وإبهامك فوق تلك الخروق ، وأن تنفخ فى الغاب ثم تستمع إلى موسيقى عذبة . انظر ! ها هى المفاتيح !
- ولكنى يا سيدى لا أستطيع استخدامها بحيث تعطى صوتا منسجما ، وذلك ما لم أوهبه .
- إذا أى رأى تظن بى ؟ تريد أن تتخذنى ألعوبة لك وقد لاحت عليك رغبة فى معرفة مفاتيح نفسى ، تحاول أن تصل بها إلى سرى الدفين ، وأن تحمل أوتار روحى على أن تعطى نغماتها على طول السلم ، ثم تعجزك هذه الآلة الصغيرة ، فلا تملك أن تحملها على أن تجود بما لديها من نغمات عذاب ؟ أتظن إذا أنه من الأسهل أن تلعب بى عن أن تلعب بالمزمار ؟ .
وأحس هملت فى مثل هذا الحوار - وما أكثر ما حاور - بضرب من التفوق على الغير ، أحسب أنه وجد فيه من الرضى ما طامن من سخطه على نفسه وضيقه بتقاعده عن العمل . وكيف لا يطرب للعب بالأفكار والتغلب على الرجال وقد نمت ثقافته نموا حمله على التحمس لكل فكرة يرسلها سافرة أو يطويها مستترة خلف
ما ينشر فوقها عامدا من أغشية الجنون . هملت من رجال الفكر ، وهملت فنان يلعب دورا ، وقد انغمس فى الأفكار كما انغمس فى الدور الذى يلعب ، فألهاه ذلك عن واجب العمل .
أو ما ترى عند ما يطول عهدنا بالدرس فنستمر فى تقليب الأفكار بعد أن يكون عهد العمل قد حان ، كيف أننا نفقد كل قدرة على العمل السريع الحاسم ، وننفق أوقاتنا فى التفكير فيما نعمل ، أو ما نريد أن نعمل ، نتناوله بالتحليل وتحديد ما بينه وبين أنفسنا من علاقات أدبية ، وبين قواعد الأخلاق ومواضعات الجماعة ؟ وكذلك كان هملت ، فقد أتخذ من التفكير فى كل ما يعرض له عيدا من أعياد العقل ؛ وإنه ليحلو له أن يقيم من كل جزئية حكما عاما أو مبدأ شاملا ، وإنه ليمر عند عودته من انجلترا بإحدى المقابر ، فيتمهل ليبادل الحفارين حوارا عن مصائر البشر ، فيه من العمق ما يفزع ويملأ النفوس مرارة ! أو ما تسمع إليه يتحدث عن الأسكندر الأكبر ، وقد ذكره به ما يرى من جماجم ؟
(( مات الاسكندر ، ودفن الاسكندر ، وارتد الاسكندر ترابا . والتراب من الأرض ، ومن التراب يصنع الملاط ؛ ولكن لم إذا لم يستخدم ذلك التراب فى سد برميل بيرة بدلا من خلق الاسكندر )) .
وطال بهملت هذا التحليل والبحث وراء الممكنات - مقدمات ونتائج - حتى شقيت حياته وتفككت ، وحتى لم يعد يعلم ماذا يأتى وماذا يدع ، بل ما سر وجوده فى هذه الحياة أو حرصه على البقاء بها ؛ وتلك حالة نفسية يستحيل أن نعمل معها شيئا . ومن منا لا يذكر نجواه المروعة :
(( كيف السبيل ؟ أموت أم حياة ؟ ! ذلك موضع النظر ، وماندرى بعد أيهما أنبل : أن نتلقى صاغرين سهام
القضاء الجارحة ، أم أن ننهض لأمواج المحن تدافعها فندفعها ؟ وهل الموت إلا نوم يضع حدا لآلام القلب وجراح الجسم التى لا عداد لها ؟ أليس فى ذلك ما يغرى ؟ الموت نوم قد تتخلله الأحلام ؛ ولكن آه : ترى أى أحلام تكون وقد طرحنا عناء الحياة ؟ ذلك ما يدعونا إلى التردد ، وإن يكن فيه ما يمد من أجل محنتنا ، إذ من هذا الذى يستطيع أن يحتمل سياط الزمن وازدراءه وظلم الظالمين وصلف الكبرياء ، ووخزات حب عاثر ، وبطء تحقق العدل ، ووقاحة ذوى الأمر ، وإعراض من دوننا قدرة ، وهو يعلم أن باستطاعته أن يضع حدا لكل ذلك بضربة سيف ؟ ! من هذا الذى يقبل أن يحنى ظهره للأفعال وهو يئن ويتصبب عرقا من عبء الحياة لولا خوف ما بعد الحياة ؟ ومن بعدها بقاع مجهولة لم يعد منها مسافر قط ، خوف يبلبل منا الارادة ، فنفضل راضين آلاما نعرفها على آلام نجهلها .... ))
وهكذا ما يزال هملت ينعم النظر فى الحياة ويستوضح كنهها ، بل وما بعد الحياة ، حتى تتساقط من نفسه كل القيم ، ويدلف إلى الإيمان بالعدم المطلق إن كانت نفسه لا تزال تستطيع إيمانا . ألا تراه وقد تنكر لذلك الحب الساذج الذى خيل إليه يوما ما أنه مؤمن ، راض عنه مطمئن إليه ، وقد أصبحت حياته كلها سرابا ؟ استمع إليه يخاطب أوفيليا التى طالما سألها أن تدعو الله فى صلواتها أن يغفر له ما أخطأ فيه :
(( إلى الدير ؛ . . . فيم حرصك على أن تصيرى أما لآثمين ؟ : ها أنا فيما أظن رجل شريف ، ومع ذلك فباستطاعتى أن أتهم نفسى بآثام يخيل إلى معها أنه ربما كان من الخير أن لم تلدنى أمى . وأنا رجل مسرف الكبرياء ، مأخوذ بشهوة الانتقام ونزعات الطموح ، رجل قد أخذت بتلابيبه مغريات بالشر أكبر من أن
يحتويها فكر أو يتصورها خيال أو يتسع لتحقيقها زمن . . . . أى نفع يرتجى من رجل مثلى يزحف بين الأرض والسماء ؟ ! إننا جميعا أوغاد جبناء . حذار حذار أن تثقى بأحد منا ! هلمى ! حتى الخطى ؛ إلى الدير ! إلى الدير )) .
أى مرارة أقسى من تلك ؟ ! وماذا يستطيع رجل نفذت بصيرته إلى أعماق الحياة فلم ير فيها إلا ظلاما ؟ ماذا يستطيع رجل حطم عقله حياته ؟ ! ماذا يستطيع رجل فقد الثقة فى كل شىء حتى فى قلب المرأة الذى لا نعرف أحفظ منه لود ولا أحنى على ضعف ؟ !
هنا بلغت مأساة هملت أقصاها ، وقد آمن أن لا خير فى الحياة ، ولا خير فى وجوده بها . أما تراه متنكرا لكل شىء ولكل أحد ؟ وإنا لملتمسون له المعذرة ، فان تشاؤمه له ما يبرره ، وإنه لتشاؤم نفس كبيرة !
هذه مأساة هملت ؛ ولكم كثرت من حوله الأقاويل : فمن قائل إنها مأساة جنون ، ومن قائل إن هى إلا شهوة انتقام ، ولكم اتهمه قوم بالعجز والتردد . وفى الحق أنهم جميعا لمخطئون .
ليست مأساة هملت شيئا من كل هذا ، وإنما هى مأساة رجال الفكر ، أولئك الذين اتسعت عقولهم لكل شىء ، فنفذت بصائرهم إلى حقائق الحياة ، فتشعبت بهم أوجه الرأى ، وتحطمت بين أيديهم حياتهم التى اتخذوا موضعا للدرس والتحليل . ألا ترى إلى بسطاء الناس كيف لا يرون من الأشياء إلا جانبا واحدا ، فيخفون إلى تنفيذ ما اعتزموا ، بينما العقول الكبيرة تلمح فى كل أمر ألف جانب وجانب ، فما تزال حائرة مترددة حتى تقف فى مكانها لا تريم إلا أن يكون قضاء محتوم ؟ !
