الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 127الرجوع إلى "الثقافة"

نماذج بشرية, دون كيشوت

Share

يحكى أنه كان ببلاد اليونان عملاق جبار اسمه « أنتيه » لم يستطع بطل من الأبطال أن يثبت له فى نزال ، حتى ضجت الإنسانية من بطشه ، وحتى ضرع البطل المشهور هرقل إلى أبيه زيس كبير الآلهة أن يدله على وسيلة يقهر بها ذلك المارد المخيف ؛ واستجاب زيس لضراعة ولده ، فكشف له عن مصدر قوة " أنتيه " قال : " أى ولدى هرقل ! إن أنتيه ابن لجيه ( الأرض ) ، فما دامت قدماء مستوثقتين منها ، فلن يقهره أحد ، لأنها تمده بقوتها ؛ فما عليك إن أردت قتله إلا أن ترفعه عن الأرض ثم تجهز عليه " . ورفع هرقل " أنتيه  " بيد ، وطاح برأسه باليد الأخرى ، فتخلصت الانسانية من شروره . وهكذا نحن فى الحياة ، لا بد لمن يريد أن يظفر منها بما يسميه جمهرة البشر نجاحا وقوة أن يستوثق من الأرض بقدم ، وأن

يلامس الواقع عن قرب . وأما المثاليون الذين يرفضون أن تدنس الأرض أقدامهم ، فمثلهم لنكد الطالع كمثل أنتيه وقد رفع إلى الفضاء ، ما تلبث السيوف أن تذهب برؤوسهم .

عن مغزى تلك الأسطورة القاسية تمخضت حياة سرفتيس الكاتب الأسبانى الذائع الصيت ، وخالق دون كيشوت ( ١٥٤٦ - ١٦١٦ ) . فقد امتلأ خياله منذ طفولته ، كما امتلأ خيال دون كيشوت بكل ما قرأ فى قصص الفروسية ، حتى لم تعد أحلامه إلا سحرا ومعارك ، وتحديا وقتالا ، وجروحا وصيحات غرام وعذاب ، وما إلى ذلك من خوارق الأمور ، وتمكنت تلك الأحلام من نفسه حتى نزلت منها منزلة الحقائق الثابتة ، وحتى لم يعد تاريخ العالم فى نظره سوى سلسلة من تلك المغامرات .

ولكم قعقعت أسلحة " رولان " بمفاوز الجبال ، ولكم نشرت قلاع " بربروس " الرعب على صفحات المياه ! فما له لا يغامر كما غامروا ، وما له لا يلتمس المجد بحد السيف كما التمسه من قبل أبطال ؟

وشاءت الأقدار أن يفشل سرفتيس فى كل مراحل حياته : حارب فى البر والبحر من أجل أسبانيا ومن أجل المسيحية . حارب بإيطاليا وتونس والبرتغال .

وفى سنة ١٥٧١ شهد تلك الحركة الدامية التى شنها المسيحيون ضد الأتراك فى ليانت بمضيق كورنتا بأرض اليونان ، وخرج من القتال وبصدره طعنتان داميتان ، وذراعه اليسرى مشدودة إلى عنقه . وأقعدته الحمى سبعة أشهر بصقليا ، حتى إذا أبل من مرضه ، واستقل سفينة ليعود إلى وطنه ، سقط بين أيدى قراصنة البحر يقودونه إلى الجزائر حيث يظل أسيرا أربعة أعوام . وأخيرا ساقت إليه الأقدار من بنى وطنه من افتداه بثمن غال ، وعاد إلى أسبانيا . ولكن البؤس لم يفارقه . فكم من محاكمة !  وكم من أيام قضاها بالسجن لذنب ولغير ذنب ! وحتى مجد القلم لم يستطع أن يناله ، فرواياته التمثيلية لم تصب ما أمل من نجاح ، وشعره الغنائى لم يلق آذانا مصغية .

لقد كان من حق سرفتيس أن يتنكر للحياة ، وأن يعود من أحلام صباه ليستوثق من الأرض بقدم ، وقد ألقت محن الأيام فى نفسه بذور الشك ، فاستحالت آلامه سخرية من آماله التى طوحت به فى كل مذهب ، ولكنها سخرية لا تزال تحمل ما كان بتلك الآمال من عذوبة .

ومن منا لا يحس فى نفسه بتلك الحقيقة الانسانية اللاذعة ، وهي أننا مهما تنكرنا لأحلام شبابنا ، ومهما سخرنا مما كان فيها من طيش ، لا نملك إلا أن نحنو عليها ، ونرفق بها ، كما نحنو ونرفق ببعض نفوسنا .

دون كيشوت رمز لأحلام الشباب ، وأى سحر أفعل فى النفس من تلك الأحلام ؟ لقد تذهب أحداث الحياة بتلك الآمال العذاب التى يقوم عليها صبانا كما كانت تقوم العذارى على النيران المقدسة بمعابد الآلهة يمكن ضراعها من أن يخمد . ولقد تتقطع أوتار القيثارة ، فلا تعود تملأ نفوسنا بنغماتها الساحرة ، ولكن النار لابد مخلفة رمادا مقدسا ، ولا بد للألحان من رجع فى النفس تحن إليه كلما عادت بها الذكرى من ثنايا الماضى الجميل .

وهل أدل على نبل أحلام الشباب وسحر جمالها من

أن تتحطم فى نفس صاحبها فيسخر منها ، وإذا بتلك السخرية الرفيقة الحزينة تأتى بأروع تحقيق لتلك الأحلام ؟ لقد كان سرفتيس يبنى المجد بحد السيف أو بسنان القلم ، فخانته الأقدار ، وخيل إليه أن تلك الآمال لم تكن إلا نزفا مضحكا ، فأتخذ من دون كيشوت رمزا لشبابه ، وقص ما كان له من مغامرات جنونية ، فأصاب دون كيشوت الخلود ، وأصبح اسم سرفتيس على ألسنة الانسانية أنى ذهبت : يقرأه الأطفال فيلهون بما فيه من قصص ممتع ، ويقرأه الرجال فتعثر شفاههم وتنقبض قلوبهم لما خلف هذا العبث الظاهر من مآس ، وحتى الشيوخ تراهم يجمعون الأطفال من حولهم ليقصوا عليهم نبأ ذلك الفارس الجوال الذى لن يفرغ البشر من فهمه وتخريج أفعاله وأقواله كل مخرج ؛ وقد بلغ من غنى تلك الشخصية أن أصبح دون كيشوت رمزا لكل معنى : فمن قائل إن هو إلا مجنون يخيل إليه خبله أنه موكل بآثام البشر يحاول لها إصلاحا ، فترتد إليه ضرباته إذ لم يضرب فى غير مضرب . ومن قائل إن هو إلا مثالى عنيد لا يزال يصطدم بحقائق الحياة المرة حتى يسلمه الفشل إلى الفناء . وأما أولئك الذين يستطيعون فهمه على وجهه فهم الشباب الذين يحسون بفيض من الحياة أنه ليس من الضرورى أن ننجح لنجاهد فى سبيل مثل أعلى نؤمن به ونفنى دونه ، لأن الجهاد غاية نبيلة لذاتها ، ومتى احتاج النبل إلى ما يعززه من نتائج  ؟ وأما سرفتيس فيكفيه مجدا ألا يرى اليوم طفل أو شاب أو شيخ حصانا هزيلا محطما إلا صاح : آه ! روستانت ، وروستانت  حصان دون كيشوت الذى رفعه بطلنا من مرتبة خيل الفلاحة إلى درجة جياد الفرسان عندما انعقد عزمه - أو جنونه إن أردت - على أن يجوب بقاع الأرض ليصلح ما بها من شرور .

وذلك أن دون كيشوت لم يكن فى بادئ حياته ذلك

الفارس الجوال الذى خلقه سرفتيس فى عقولنا . لقد نشأ دون كيشوت كما نشأ سرفتيس بمقاطعة المانش بأسبانيا . نشأ فلاحا متواضعا إلى أن حفزته قراءة قصص الفروسية إلى أن يحيى عهد هؤلاء الأبطال . ولقد كانت للفروسية إذذاك مواضعاتها ، فلابد للفارس من أسلحة ، ولا بد له من جواد كريم ، حتى إذا اجتمعا له طلب إلى أحد الفرسان القدماء أن يقيمه فارسا فى حفل سنقص مراحله عما قريب . والفارس لا يحيا لنفسه ، ولا يجد ما يحفزه إلى البطولة خيرا من فتاة يجعلها مستقر حماسته ومعبد أفكاره ؛ فكيف السبيل إلى كل ذلك ؟ الأمر هين : بحث كون كيشوت فى زوايا منزله المتواضع ، فعثر لحسن الطالع على أسلحة قديمة بمخزن غلاله ، فاستلها منه ، وأصلح ما فيها من عيوب ، وأزال ما علاها من صدأ . وأما الجواد فأمره أهون ؛ وقد بلغت حكمة هذا الفارس المجنون أن فطنت إلى أن حقيقة الأشياء كثيرا ما تقف عند مسمياتها ، وإذا فليعط حصانه الهزيل اسما جميلا نبيلا ، فإذا به " روستانت " الجواد الكريم ، وأى جواد حمل اسما أجمل من هذا ؟ وهب أن الاسم لا يلاقى المسمى ، فما على دون كيشوت من ذلك وأغلب قيم الحياة مواضعات لا نفهم من حقائقها شيئا ؟ وأما الفتاة وما يجب أن يتوفر لها من نبل فى الحشد وسحر فى الجمال فالأمر عنده لا يعدو مجرد إيمان من يحب بما تخيل إليه نفسه العطوف من قيم بمحبوبته ، وإذا فليتخذ دون كيشوت له فتاة ريفية ساذجة لم يرها فى حياته قط ، وليعطها اسما من أسماء الأميرات ، وليشد بجمالها ونبلها أينما حل . لتكن فتاته " دولسينيه دى توبوزو " ، ولاح له أن فى هذا الاسم من جمال الجرس وندرة الوقع وجلال المعنى ما يتفق مع اسمه هو " دون كيشوت فارس المانش " .

ها هو دون كيشوت مسلحا على ظهر روستانت جواده الكريم ، وها هو يستأنف شوطه فى الحياة ،

ولتكن أولى مغامراته حفل تنصيبه فارسا : سار فى يومه الأول إلى أن انتهى إلى فندق بالريف ، خيل إليه أنه قصر منيف ؛ فاتجه إلى صاحبه ، وأخذ يخاطبه كشريف يخاطب شريفا ؛ وكان صاحب الفندق من الخبث - رغم بلادة حسه - بحيث قبل منه أن يقيمه فارسا ، وأدخله إلى فناء فندقه ، حيث مضى المسكين دون كيشوت ليله قائما إلى جوار أسلحته التى عقدها فى حزمة إلى حافة بئر هنالك . حتى إذا أتى الصباح أتاه صاحب الفندق ، وبيده دفتر حساباته ، وتظاهر بأنه يقرأ فيه صيغة الفروسية ، ثم ضربه بمسطح سيفه ، وصاح به أن اذهب فأنت فارس .

وخرج دون كيشوت من الفندق فارسا أصيلا ، وبقلبه إيمان ثابت بما خلقته من أجله الأقدار ، وهو إصلاح ما فى العالم من شرور ، ولم يكد يخطو عدة خطوات حتى رأى فلاحا قد شد خادمه إلى جذع شجرة ، وأخذ يرجمه ضربا لأنه طالب بأجره . أثار هذا المنظر شهامة دون كيشوت ، فخف إلى الرجل وأرغمه على أن يفك وثاق الخادم ، وأخذ عليه عهدا ألا يعود إلى ما ارتكب من ظلم . ولكنه لم يكد يمتطى روستانت ، ويواصل سيره حتى عاد الفلاح فشد وثاق الخادم وعاد الظلم إلى مجراه . وهذا مثل مما أوهم به دون كيشوت نفسه من إمكان رفع الظلم عن المظلومين .

ويا ليت الأمر قد وقف عند هذا الحد ، ولم يمتد الأذى إلى شخص دون كيشوت نفسه ؛ فلكم جرت عليه أحلامه شرا مستطيرا . لقد كان من واجبه - على الأقل فى نظره هو - أن يدافع عن فتاته ، وأن يحمل كل من يلقى من فرسان على الاقرار بأنها أجمل وأنبل من ثقل الأرض ، وإلا فكيف يقبل أن يكون فى الوجود فتاة خير من فتاته ؟ وفعلا لم يلبث أن لقى جماعة من التجار فى طريقه ومن خلفهم خدمهم ، فحسبهم لجنونه فرسانا جوالين مثله ، فاستوقفهم ، وتحداهم أن يدلوه على

فتاة أجمل من " دولسينيه " فقال أحدهم : " أيها الفارس الكريم . لسنا نعرف دولسينيه فتاتك تلك ، أرنا إياها ، فان وجدناها على ما تزعم من جمال حكمنا لك بما تريد " . فأجاب دون كيشوت : " وأى فضل يكون لكم ، وكل ما ستفعلون عندئذ سيكون الاعتراف بالحقيقة الراهنة ؟ إنما المهم هو أن تشهدوا بهذه الحقيقة دون رؤيتها ، وأن تعلنوا تلك الحقيقة . وأن تقسموا بأيمانكم بها ، وأن تدافعوا عنها ضد كل إنسان " . هكذا أراد دون كيشوت ، ولكنه لم يستطع حمل هؤلاء الرجال على ما أراد ؛ فهجم عليهم بروستانت ، وزلت قدم الجواد فسقط الفارس على الأرض ، وأشبعه أحد الخدم ضربا ، وبقى دون كيشوت على الأرض متعثرا بأسلحته لا يقوى على النهوض ، حتى خف إليه أحد الفلاحين من معارفه ، فأنهضه وقاده فى حالة يرثى لها إلى منزله ، حيث لزم الفراش أياما يداوى جراحه .

رأته مربيته وبنت أخته وأصدقاؤه القسيس والحلاق على هذه الحالة ، فقرروا لساعتهم أنه لا بد من إحراق قصص الفروسية الموجودة بمكتبة دون كيشوت ، لأنها هى التى أضلت عقله وأصابته بهذا المرض العضال ؛ وهم يظنون أنهم بعملهم هذا سيشفون دون كيشوت من هذا الداء شفاء لا نكسة بعده ؛ ولكن أنى لهم بأن يلزموا هذا الفارس الجامح حياة مغلقة الآفاق مبتذلة الأحداث ؟ لا . لابد لدون كيشوت من الرحيل من جديد ؛ ولكنه سيحتاط للأمر هذه المرة ، فسيأخذ معه مالا وتابعا يسير وراءه أينما يذهب . واختار دون كيشوت تابعا له فلاحا من جيرانه لا يقل عن البطل شهرة . ومن يجهل " سانكو بانشا " ؟ وقبل سانكو أن يصاحب فارسنا لصداقته له ، ولأنه كان رجلا طلعة بطبعه ، ثم لأن دون كيشوت وعده بأن يعطيه جزيرة ليحكمها بمجرد أن يكون البطل للأمبراطورية التى يأمل أن يخضعها لسلطانه .

واستأنف دون كيشوت السير ومن خلفه سانكو ،

وبين الرجلين من التناقض ما بين الجنون والعقل فى عرفنا . فعند ما يغرق دون كيشوت فى أحلامه ، نرى سانكو يملأ بطنه أو يرطب حلقه . وبينما يسهر دون كيشوت الليل الطويل يناجى دولسينيه ، نسمع سانكو يغط ما استطاع غطيطا ، ولكن لا يخلو الأمر إذا سقط دون كيشوت عن ظهر روستانت وأشبع ضربا أن تصيب سانكو بعض لكزات ، إذ أن محاولاته الفرار لم تكن دائما منتجة ، فكثيرا ما كان يلحق به ، وربما تخلف عن سيده قليلا فسقط بين أيدى من لا يرحم له موجعة .

ولكم كان بودى لو استطعت أن أقص على القارئ شيئا من حوارهما ، ليستبين موضع الحكمة من كلام هذا المجنون ، وموضع الجنون من كلام هذا العاقل ، أو العكس ؛ ولكن أنى لى بذلك ؟ وأى جدوى من سرد مآس تضحك منها شفاهنا وفى القلوب منها أسى عميق ؟ ثم من منا لا يذكر طواحين الهواء التى حسبها دون كيشوت عماليق فانقض عليها بجواده فألقته أذرعها إلى الأرض محطم الأضلاع . ألا يرى معى القارىء كيف بلغ من بؤس هذه النفس الخيرة أن أخذت تضرب فى غير مضرب ؟ وكم يكون أسف القارئ لو أخبرته أنه انفق يوما لدون كيشوت أن قاتل دون مسجونين حتى أطلق أيديهم من الأغلال ، ثم طلب إليهم أن يذهبوا اعترافا بفضله إلى " دولسينيه " ليقدموا إليها " واجبات الاحترام " ، فرفضوا ، بل وضربوا دون كيشوت ضربا مبرحا .

حدث كل ذلك لدون كيشوت وأمر منه ؛ فكم عجز عن دفع ظلم لفساد نفوس البشر ، وكم لاقى من شهامته أسوا الجزاء ، بل وكم أضل القضاء ضرباته فضاعت عبثا - حدث كل هذا مما لا أريد أن أحزن القارئ من أجله ؛ ولكنى لا أملك أن أمسك القلم عن ذكر ما كان من نزول دون كيشوت وسانكو بأحد الأشراف الحقيقيين ، وكيف أن هذا الشريف أعطى

سانكو بالفعل ضيعة من ضياعه ليحكمها موهما إياه أنها الجزيرة التى وعده بها سيده ؛ وبودى لو أمعن القارئ فى النصائح الثمينة التى زود بها دون كيشوت إذ ذاك سانكو ، إذ أوصاه قائلا :

" أى بنى : أوصيك بتقوى الله ، فتقواه رأس الحكمة ، وما دمت حكيما يصحبك التوفيق فى كل أمر ، ثم اذكر دائما نشأتك الأولى ، لكى تفهم نفسك على حقيقتها ، وهذا الفهم هو أشق وأنبل ما يجب أن تتطلع إليه . ثم احذر نزوات نفسك ، ولتحرك دموع الضعفاء فى نفسك رحمة لا تقل عما تحرك شكوى الأقوياء من عدل . ثم حاول أن تعثر على الحقيقة فى ثنايا ما يعدك به الأغنياء من وعود وما يقدمون لك من عطايا ، قدر حرصك على التماسها فى زفرات الفقراء وإلحاحهم الممل .

" ثم اذكر دائما أن طبيعة البشر فاسدة ، وأن الكثير من آثامهم إنما مرده لهذا الفساد الأصيل ، فعندئذ لن تقسو على مجرم " .

فياله من جنون ذلك العقل الذى يفوه بتلك الحكم ؛       وأما " سانكو " فلم يطل حكمه . وكيف له - وهو الرجل الواقعى العاقل - أن يزج بنفسه فيما لم تهيئه له الأقدار ؟ لطالما طلب إلى دون كيشوت أن يحد من طموحه ، وأن يتخلى عن أوهامه ؛ فكيف له الآن أن يقيم نفسه - وهو الفلاح البسيط - حاكما على العباد ؟ أليس من الخير أن يقنع بما خلق له . أليس من العقل أن يتخلى عن جزيرته الموهومة ليعود إلى جوار سيده ؟ أليس سانكو على النقيض من دون كيشوت ؟ أليس هو العقل نفسه إن صح أن دون كيشوت هو الجنون المطبق ؟ وبالفعل تخلى سانكو عن جزيرته الموهومة ليعود إلى مصاحبة دون كيشوت ، ومن عجب أن يحرص العقل على مصاحبة الجنون كل هذا الحرص !

واستمر دون كيشوت فى مغامراته ، وكل فشل يغريه بمغامرة جديدة ، وعزمه ثابت لا ينال منه شىء ،

حتى كان يوم انهزم فيه بمعركة دارت بينه وبين فارس آخر ، وعز عليه أن ينهزم كرجل ضد رجل ، ونالت الأحزان من نفسه فخر مريضا ، ولازمته الحمى عاما كاملا ، خرج منه وقد عاد إليه عقله . وبودنا لو امتدت به الحياة ليقص علينا ما هداه إليه جنونه من دروس ، ولكن الموت لم يلبث أن واتاه ، وكأنه قد تاه يحمل عقله ، أو كأنه من أولئك الذين يصدق عليهم قول الشاعر الفارسى : " نحن أمواج إن نسترح تمت " .

مات دون كيشوت بعد كفاح تعزى يقبل غايته عن كل المآسى ، وكأنى به لم يستطع عزاه عن تلك الأحلام الجميلة التى تهدمت بتهدمها حياته . مات فتلقى الموت كما يتلقى محب ابتسام حبيبته أو شهيد وجه ربه . مات بعد أن علم أن القتال من أجل خير البشر قتال مع طواحين هواء . مات بعد أن فشلت جهوده ، ولم تعد لديه القدرة على استئناف حياة بليدة راتبة كالتى يحياها ملايين البشر من الخاملين .

مات هذا المجنون . ومن يدرينا ؟ لعله " كالست " موليير و" مغفل " دوستيوسكى من أولئك الذين لا نضحك منهم ولا نرميهم بالجنون إلا لقصور فى عقلنا وفساد فى طبائعنا . وهذا العالم الجميل الذى صبت إليه تلك النفوس النادرة ، من يدرينا ؟ لعله العالم الحقيقى ، العالم الذى يجب أن يحيا فيه البشر إن أرادوا رفع قلوبهم إلى المثل الأعلى .

مات دون كيشوت فى كتاب سرفتيس ، ولكنه بقى فى عقول كل الأجيال التى عبرت الحياة ، أو التى ستعبرها ، رمزا لما فى نفوس الشباب الخيرة من التماس الخير والفناء فى سبيله ، رمزا لما قد تقود حماسة القلوب إليه ، مما يسميه الحمقى جنونا . مات وظلت حياته درسا خالدا لما فى الجهاد فى سبيل المثل الأعلى من نبل يكتفى به عن كل النتائج .

اشترك في نشرتنا البريدية