-٢- " راستنياك طالب حقوق فقير من أصل نبيل ، وفد إلى باريس من الريف متشبعا بمبادئ الخلق ، ثم أطرته الحياة الباريسية فنزح إلي الوصول السريع ، ورأي ذلك في الاختلاط بالطبقة الراقية ، فاستعان بحالة له على التعرف بتلك الطبقة ، وكان ينزل في بنسيون متواضع ، التقي فيه بمجرم كبير فار من السجن ، معروف باسم ) فوتران ( ، وقد أسمعه هذا الرجل حديثا صافيا عن وسائل النجاح في الحياة بأي ثمن . وها هي البقية " .
سمع راستنياك هذه الآراء المخيفة ، فنفرت نفسه نفورا شديدا ، وهو الشاب الذي لا يزال يحتفظ بأثر نشأته الأولى في الريف ، ولذا صاح عند ما رأي فوتران يغادره في هدوء واضما عصاه تحت إبطه : " اي رأس صلدة يحمل هذا الرجل ! لقد قال لي في فجاجة ما قالته مدام دى يوسيان بلباقة . لقد مزق قلبي بمخالبه الفولاذية ، لماذا أريد أن أذهب عند مدام دي نوسنجان ؟ لقد حدس الرجل دوافعي كما تحركت في نفسى لقد حدثني ذلك
الجرم عن الفضيلة أكثر مما حدثني الرجال والكتب كافة . وإذا كانت الفضيلة لا تقبل مهادنة فلا شك انني قد سرقت أخواني " قال هذه الجملة الأخيرة ، وهو يطرح كيس النقود على المائدة ، وبعد برهة عاد يناجي نفسه " الوفاء للفضيلة آه ياله من استشهاد نبيل الناس كافة يؤمنون بالفضيلة ، ولكن من منهم الرجل الفاضل ؟
والشعوب كافة تعيد الحرية ، ولكن أين الشعب الحر ؟ إن شبابي لا يزال صافي الزرقة كالسماء التي لا سحب فيها وإذا كنت أريد أن اصبح رجلا عظيما او رجلا ثريا ، هل لى يد من أن اكذب وأتحني وأزحف ثم انهض واتملق وأنافق ؟ هل لي يد من ان اضع نفسي خادما لمن كذب وانحني وزحف . لا مقر من ان اخدمهم قبل ان اصبح شريكا لهم . آه ! لا . إنني أريد أن أعمل في نبل وطهارة . أريد أن أعمل ليل نهار ، وألا أدين بشيء لغير اجتهادي " . وهنا نفس الصراع النفسي الذي لا نستطيع معه إلا أن نهتز عطفا لتلك النفس الفتية التي لا تزال تجالد الشر بفضل ما اختزنت في صباها من مثل الخير لا يعنينا ما سيؤول إليه راستنياك في الروايات اللاحقة ، وإنما غف عنده كما نراه في " الأب جوريو " لنشاهده
يرفض التورط في الإجرام مع فوتران ، ونحن ندع جانبا ما كان له من مغامرات في الأوساط الباريسية ، مكتفين بالإشارة إلى اهم تلك المغامرات وهي : عشقه لمدام دي نوسنجان . وموضع الخطر علي فتانا لم يكن في ذلك العشق ، وإنما كان فيما راه من عقوق عشيقته واختها لابيهم " الأب جوريو " فلقد كان موقفهم منه شديد الشبه بموقف بنات الملك لير " من أبيهم . بل إننا نعتقد ان يلزاك قد أسرف وأحال في تصوير ذلك العقوق ، إذ جعل الأب من الحماقة الشاذة بحيث يتكالب في حبه لابنتيه كلما زادناه نكالا . ولهذا نري قيمة تلك الرواية الشهيرة في شخصية راستنياك ، لا في شخصية " الأب جوريو " بطل القصة وعنوانها .
عجيب أن تتتبع راستنياك في محاولاته المختلفة ، وان نري إرادته تصلب كلما تناويه النجاح والفشل ومن المعلوم أن العزم لا يقوي بغير الصدمات ، وهو رغم استرصاد إرادته لا يستطيع أن يسكت في نفسه صوت صباه ، فهو يحب أسرته وإن كان يبتز مالها . ولقد يكون في موقفه هذا ما يدل على أنه يجب ذاته أكثر من حبه لأهله ؛ ولكنه علي أي حال لم يكن ميت القلب ، تراه يبكي عندما يقرأ خطابات أمه وأخواته . وإنه لا ريب أمر سهل أن نبكي قليلا ثم نعود إلي رأس أمرنا ، ولكن أليس عدم البكاء إطلاقا أسهل من البكاء ؟ وهو أخيرا قد تعلق بالأب " جوريو " ورعاه أيام مرضه ، وتكفل بدفنه ونفقات ذلك الدفن مع زميله طالب الطب . ولقد يقال إنه أحب ذلك الشيخ المسكين لأنه كان والد عشيقته ، ولربما كان هذا صحيحا ، ولكنه مما لا شك فيه أن راستنياك الشاب المحب لأهله قد قدر في الآب في جوريو مليته ومحبته لبنتيه ، دون أن يري ما في تلك المحبة الشاذة من حماقة . لقد أرسلت إليه مدام دي نوسنجان ليلة اشتداد المرض بأبيها خطابا صغيرا تقول فيه ؛ " إنني انتظرك للذهاب إلي حفلة الرقص ، فإذا لم أرك بجواري بعد ساعتين ، لست أدري
هل سأستطيع بعد ذلك أن أغتفر لك تلك الخيانة . ولكنه لم يكد يقرا هذا الخطاب الوقح حتى اخذ قلمه ليرد لفوره : " إنني أنتظر الطبيب لأعرف هل سيعيش أبوك أم لا إنه يحتضر . سأتيك حاملا الخير ، وإنني لاخشي أن يكون خبر الموت . سوف تنظرين عندئذ : هل تستطيعين الذهاب إلي حفلة الرقص ! " نعم إن إرادة مدام دى توسنجان قد تفليت في اخر الأمر ، فذهب راستنياك ليرافق عشيقته إلي الرقص ولكن كم كان صمته لاذعا وهو إلى جوارها بالعربة ! لقد لزم صمت القبور حتى ضاقت ( مدام دى نوسنجان فسألته : " ما بك إذن ؟ " وإذا به يجيب " إنني اسمع حشرجة ابيك ! "
هذا هو راستنياك ، شخصية مركبة معقدة ، شخصية تميل إلي اعتبارها خيرة . وأما إذا اردتني ان ادل على سبب أنزلاقها إلي الشر في مستقبل أيامها ، فلست أراء إلا في امرين : أولهما أن رغبات هذا الشاب كانت تنبعث في نفسه قوية لا تدفع ، ثم تملأ وجدانه فلا يعود يري غيرها ، وإذا " يندفع وراءها لا يلوي على شيء ؛ وهو إذا كانت رغباته تثور من داخل نفسه ، فإن شجاعته كانت تأتيه من الخارج . إنه لم يكن له بد من النجاح لكي تتحقق ملكاته وتنشط ، بل نستطيع أن نقول النجاح كان أول وسائله للوصول . والذي لا شك فيه أنه قد وجد في مغامراته المختلفة ما يرضي تلك الحاجة إلي النجاح . وثاني الأمرين فساد ما رأى من حياة معظم الناس ؛ ولقد كان في موقف بنتي جوريو وصهرية من ذلك الاب البائس ما حمله على مجابهة الهيئة الاجتماعية ومنازلها بأسلحتها مهما بلغت تلك الأسلحة من الحقارة . وفي الصفحة الأخيرة من الرواية يصف بلزاك دفن الأب جوريو بقوله : " ومع ذلك فعندما وضع النعش على الناقلة ، قدمت عربتان تحمل إحداهما شارة الكونت دي رستو ، والآخر شارة البارون دى نوسنجان ، ولكنهما خاليتان ، ثم تبعثا النمش إلي المقبرة . وفي الساعة السادسة أنزل جسم الأب جوريو إلي
الحفرة ، ومن حوله خدم بنتيه الذين اختفوا مع القسيس بمجرد الانتهاء من الصلاة التي دفع ثمنها الطالب راستنياك . ومجرد ان انتهي الحفاران من رد بعض حفنات من التراب لتغطية الجسم ، لم يلبث الرجلان ان نهضا وقد اتجه أحدهما إلى الطالب يسأله البقشيش وفتش إيوجين في جيبه فلم يجد شيئا ، فاضطر إلى ان يستلف فرنكا من كرستوف خادم الينسيون . ولقد نشرت هذه الحادثة الصغيرة فى نفس راستنياك حزنا مظلما . وكان النهار قد آذن بالأفول ، وأخذ الشفق الرطب يثير الأعصاب ، فنظر الشاب إلى القبر ودفن فيه آخر دمعة من دموع صباه ، وكانت دمعة فاضت بها عاطفة مقدسة من قلب طاهر ؛ دمعة من تلك الدموع التي ما تكاد تسقط إلي الأرض حتى تريد إلي السماء ، ثم رفع ذراعيه إلى صدره ، وأخذ يتأمل السحاب ؛ وراء كريستوف في هذا الموقف
فتركه عائدا . ووجد راستنياك نفسه وحيدا فخطا بضع خطوات نحو اعلى المقبرة حيث رأي باريس راقدة في التواء على ضفتي السين ، وقد اخذت الانوار تسطع ، فاستقرت عيناه فيها يشبه الهم بين عمود فندوم وقبة الانفاليد ؛ وبين هذين الموضعين يقع حي تلك الطبقة الراقية التي أراد ان يختلط بأفرادها . وأرسل إلي تلك الخلية الطنائة نظرة تكاد تمتص ما بها من رحيق ، ثم قال هذه الكلمات الرائعة : والآن فلآخل لك ! وكان أول عمل من أعمال التحدي الذي اعلنه راستنياك الهيئة الاجتماعية ان ذهب ليتناول العشاء عند مدام دى توسنجان "
لقد كان في ذهابه إلى العشاء مع تلك العشيقة العاقة آخر عهده بالحياة الشريفة ، بعد أن رأي من فساد الهيئة الاجتماعية ما لا يمكن ان تصمد له مثل الخبر التي القها في صباه . ولكن أتراه محقا ؟ !
انتهت

