إن الرسوم الخشبية الصغيرة التي وجدت في مقابر قدماء المصريين كانت لفئة يسمي اصحابها " الملبو النداء " وأطلق عليهم ذلك الاسم لانه كان مفروضا عليهم ان يلبوا نداء روح البيت سواء أكان سيدا أم سيدة كلما دعا داعي الخدمة .
ولم يكن يغيب عن علم قدماء المصريين ان هذه الرسوم الخشبية لا تستطيع نفعا ولا ضرا . وكانوا يعلمون علم اليقين ان تلك الرسوم سوف تبقى جنوبها ضاجعة بأرض القبور في الأوضاع التي رسمها لها صناعها
وكان في اعتقاد المصريين القدماء ان لكل رسم من تلك الرسوم روحا وأن هذه الروح سوف تلتقي في العالم الآخر بروح مخدومها فتقوم له بواجب الخدمة
وكانوا يحنطون جثث موتاهم معتقدين أن روح الميت سوف تبق في جنات النعيم ما دامت مومياء جثته باقية في قبره . وكانوا يفترضون ان كل شئ يوضع في القبر سوف يضاعف في السموات العلي . ومن هنا نشأ اهتمامهم بأن تجملوا قبور موتاهم متينة البناء قوية الدعائم وان يملأوها بالأطعمة والملابس والأثاث والقوارب وبصور الخدم
وكانوا - لفرط هيامهم بمصر - يتخيلون الجنة في صورة مصر في ابهي حلل العظمة والمجد . يجري فيها نيل أجمل من نيل مصر وترصعها قصور أفخم من قصور مصر . ويملأ جوها هواء أرق من النسيم .
وفي هذه الجنة التي تخيلوها كانوا يظنون انهم سوف يعيشون كما كانوا يعيشون فوق ظهر هذه الدنيا . وانهم
سوف يزرعون ويحصدون وانهم سوف يصنعون الخبز ويخبزون . .
والفرق عندهم بين عيشهم في الحياة الدنيا وعيشهم في الحياة الأخرى ان العيش هنا لا نصب فيه ولا لغوب ، وأنهم قد أمنوا غوائل الفيضان الجارف كما أمنوا مصائب شح النيل . .
وقد ظل المصريون القدماء أجيالا عديدة تتملكهم الفكرة القائلة إن كل من دخل الجنة وجب عليه ان يؤدي هناك عملا من الأعمال .
ولكن الدارسين للعقائد التي سادت مصر أيام حكم الدولة الوسطي ) حوالي ٢٥٠٠ قبل الميلاد ( يجدون الدليل على أن من كان من المصريين في الحياة لا يعمل عملا ولا يحترف حرفة فانه يود ان يعيش في الجنة - او في " مصر السماوية " كما كانت تسمى - عيشة الرغد والراحة .
ويقرر الدارسون أن عظماء مصر كانوا يرغبون في أن يكونوا عظماء في الجنة كما كانوا عظماء ، في الدنيا ، يحف بها الخدم يلبون نداءهم ويؤدون عنهم كل عمل . وإذا رغبت روح السيد العظيم ان تسافر في النيل السماوي لقيت قاربها وملاحيها . وإذا اشتهت طعاما وجدت خادمها وطاهيها .
ومن هنا نشأت العادة التي نبتت في زمن الدولة الوسطى عند ما بدأت حياة المصريين ان تنتقل من حالة البداوة الفطرية إلي حالة الحضارة . وهذه العادة هي ان توضع في القبور تماثيل صغيرة الحجم ، دقيقة الصنع ، لطيفة الشكل للصناع من مختلفي الحرف ، وللحيوانات الآليفة ، ولنماذح من القوارب والبيوت .
والصور الأولى للاتباع والخدم كانت تعمل على مثال صورة الموميات وكانت تنقش على صدورها تعاويذ كان يبيعها الكهنة ، وبقوة هذه التعاويذ تطبع روح الخادم أمر روح مخدومها في الجنة .
وهذا نص تعويذة من تلك التعاويذ : -
" أيها التمثال الصغير المحسوب علي ! انا را - حوتب ) اسم السيد العظيم ( إذا كلفت أنا بعمل من الأعمال أو أمرت بالقيام بأية مهمة من تلك الأعمال والمهمات التي كانت تعمل في الدنيا فعليك انت أن تكون عني بديلا في كل وقت فتزرع الأرض وتجر الماء وتتولي تطهير القنوات ، وإذا ناداني مناد فعليك ان تلبى النداء بأن نقول ها انذا
وقد ذاعت تلك العادة ذيوعا جاوز الحد ، ثم اخذ العمل بها يقل تدريجا حتى اندثرت واصبح العظماء لا يأنفون من العمل ، ثم أصبح همهم الأول أن يضمنوا لأنفسهم عيشا هنيئا في الحياة الآخرى كعيشهم في الحياة الدنيا ، ومنهم من وضع في قبره تمثالا صغيرا لخادم يقوم على خدمته في كل يوم من أيام السنة حتى يضمن لنفسه دوام الخدمة
ثم زادت مصر عزا وغني فزاد عظماؤها ثروة وجاها . فازدادت تبعا لذلك رغبتهم في عيش أرغد وحياة أهنأ فلم يكتفوا بتماثيل الخدم توضع في قبورهم كما كان يفعل اسلافهم ، بل زادوا بأن نقشوا على جدران قبورهم صورا لمختلف مناظر الحياة التي كانوا يحبونها ، يحدوهم الامل بأن يروا هذه الحياة التي يشتهونها تعود مرة اخري في الجنة .
ثم زادت النقوش في قبورهم ، ومن تلك النقوش أوامر للخدم ، ومنها ما يؤدي إلي تفقيه الراغبين في كيفية الوصول إلي السموات العلي
وإن تعجب فعجب لعناية المصريين بمحاولة حل مشكلة الخدم في الجنة . . وبحبهم لموتاهم كما تكشف عن ذلك عادات الدفن عندهم .
فأحياؤهم لا يبخلون بالمال مهما عظم في سبيل إسعاد من باتوا في العراء النائي . والدليل الباقي على الزمن هو
هذه القبور العظيمة ) التي خلدها شوقي طيب الله ثراه فقال :
وبنينا فلم نخل لبان وعلونا فلم يجزنا علاء
قل لبان بني فشاد فغالي لم يجز مصر في الزمان بناء
وقبور تحط فيها الليالي ويواري الإصباح والإمساء
) وبعد ( فان هذه المجموعات من التماثيل الصغيرة التي وجدت في قبور المصريين تكشف لنا بصورة واضحة عن أخلاق وعوائد شعب عظيم نبيل قد تقدم به الزمن عنا نيفا وأربعة آلاف عام
وهذه التماثيل الصغيرة تكشف لنا عن صور الخدم في البيوت وفي خارج البيوت وعن صور العمال من كل صنعة وحرفة . وتكشف لنا عن صور ملابس القوم في ذلك الزمن النائي القديم ، ثم تكشف لنا عن صورهم إذا استخفهم الطرب ، وعن مدى نشاطهم في تأدية اعمالهم وعن مدى شعورهم بالعناية في أداء الواجب .
ومن هذه التماثيل الصغيرة نماذج آية في الإبداع للمراكب والقوارب ، إذ ان النيل كان هو الطريق السلطاني العظيم للمواصلات . وكان لابد من عبوره يوميا ؛ ذلك لان كثيرا من المدن والقري كانت تقع على كلتا الضفتين ، فإذا أراد صاحب ضيعة ان يعبر النيل إلى منزله الريفي في الضفة الأخرى أو أن يذهب إلى المدينة فإنه يأمر باعداد قاربه . كما يأمر اليوم صاحب السيارة سائق سيارته باعداد سيارته .
والمصريون هم أول من عرف الملاحة وكانوا أول الملاحين وهم أيضا الصناع لأبدع نمادج من المراكب والقوارب . وهم الذين وضعوا أسس علم الملاحة وكانوا في هذا العلم من النابغين
) عن الإنجليزية (

