لم تبق اليوم ذرة من الريب أن ألمانيا النازية قد خسرت الحرب العالمية الثانية كما خسرت ألمانيا الامبراطورية الحرب العالمية الأولى ، وأن صروح النازية قد انهارت وسحقت بالرغم من استمرار المقاومة الألمانية فى بعض الساحات المتفرقة فيما كان حتى الأمس القريب يسمى (( بالربخ الثالثة )) . وقد لا تمضى أيام قلائل حتى بمعد الحلفاء الظافرون عقب إتمام استيلائهم على العاصمة الألمانية التى احتل الروس معظمها حين كتابة هذه السطور ، إلى اعلان النصر الحاسم وانتهاء الحرب الأوربية بظفر الأمم المتحدة . وقد تستمر المقاومة الألمانية بعد ذلك أسابيع أو أشهرا فى بافاريا ، وهي المنطقة الأخيرة التى يلوح أن فلول القوى النازية تجتمع بها الآن نخوض المعارك الأخيرة ، ولكن هذه المقاومة البائسة التى طال
أمدها أكثر مما قدر فى البداية لن تغنى بالطبع شيئا ، ولن تنجى ألمانيا النازية من قدرها المحتوم ، وكل ما هناك أنها تزيد فى تدمير الوطن الألمانى وفى جراحه الدامية ، وتزيد فى محن الشعب الألمانى وآلامه .
والحقيقة أن ألمانيا النازية خسرت الحرب منذ ارتدات جيوشها الغازية مدحورة من مواطن نصرها الخلب فى الشرق والغرب إلى حدود الوطن الألمانى . ولكنها لم تستطع من جراء تفرقها فى مختلف الميادين ، وحرصها على البقاء فى بعض المراكز الإستراتيجية ، ان تجتمع فى الوقت المناسب فى كتلة ضخمة متماسكة حول الوطن الألمانى لتكرس جهودها للدفاع عنه . وقد كانت خطة القيادة الألمانية ترمى دانا على غرار ما حدث فى الحرب الكبرى إلى خوض المعارك مع العدو خارج ألمانيا لتنجو أراضى
الوطن من الدمار والويل . وقد نجحت هذه الخطة فى البداية نجاحا باهرا ، فلبثت رحى الحرب تدور خارج ألمانيا إلى ما قبل أشهر قلائل ، وخربت معظم ساحات أوربا الشرقية والوسطى وغربى أوربا قبل أن ترتد الجيوش الألمانية إلى حدودها . ولكن هذه الخطة انتهت بعزل عدة جيوش المانية كبيرة فى ساحات لم تبق لها اليوم أية صلة بالدفاع عن ألمانيا . وهكذا مزقت قوى (( الريخسفر )) من جراء زحف الحلفاء السريع فى الشرق والغرب ، وألقت المانيا النارية فى الساعة الحاسمة نفسها محرومة من عون مئات الألوف من أبنائها الذين أعدتهم لمثل هذا اليوم العصيب .
وقد كان زحف الجيوش المتحالفة فى الأشهر الثلاثة الأخيرة إلى قلب ألمانيا سريعا مدهشا ، فانتثر عقد المقاومة الألمانية فى كل مكان ، وسقطت معظم مدن الريخ الشهيرة ومناطقها الصناعية فى أيدى الحلفاء والظافرين ، ودكت صروح الوطن الألماني ومعالمه ، ومزقت أشلاؤه بصورة لم تشهدها ألمانيا فى تاريخها الحربى الطويل ، ولم تخطر على بال أشد المتشائمين من زعمائها الذين زجوا بها فى هذا الصراع المروع .
ومن الغريب المحير أن تستمر فلول (( الريخسفر )) بعد ذلك كله على المقاومة فى كل مكان كأنه يوجد ثمة ما تؤمله ألمانيا النارية من وراء هذه المقارمة المقيمة . وقد فسر ذلك أحيانا بأنه ما دامت الأمم المتحدة قد فرضت على المانيا المغلوبة مذلة التسليم بلا قيد ولا شرط ، ولم تفسح لها أى مجال المفاوضة ، فإن ألمانيا لن تلقى السلاح مختارة ، ولن تجثو على ركبتيها كما قال هتلر فى يناير الماضى ، وسوف تقاوم حتى النفس الأخير ، وحتى تسقط صرعى بأيدى أعدائها فى ميدان الشرف .
ولكن هذا التفسير لا يكفى لتصوير حقيقة العقلية
الألمانية فى هذه الساعة العصيبة . بل يرى كثير من الباحثين أن هذه ظاهرة خطيرة تدعو إلى كثير من التأمل ، وأنها ترتبط أشد الارتباط بما يسمونه المعضلة الألمانية النفسية .
فليس يكفى أن تهزم ألمانيا عسكريا وسياسيا فى هذه الحرب لكى يظفر العالم بسلام مستقر موطد الدعائم ؛ فقد سبق أن هزمت ألمانيا فى الحرب الكبرى . ولكنها استطاعت فى أقل من عشرين عاما أن تنهض من كبوتها وأن تهدد سلامة الأمم المتحدة وسلام العالم بصورة أشد وأروع . وقد اتخذ الحلفاء الظافرون فى معاهدة فرساى أشد وأقسى الضمانات المادية الممكنة لتجريد ألمانيا من قوتها ، ولكنهم غفلوا عن معالجة المعضلة الحقيقية ، وهى المعضلة الأدبية ، أو معضلة العقلية الألمانية التى صيرتها عبادة القوة وتمجيد الحرب والشغف بالغلبة والسيادة مصدر الشر والعدوان الدائم . وتلك العقلية هى التى أبت أن تعترف بنتائج الهزيمة الألمانية فى الحرب الكبرى ، وهى التى بعثت النازية من أعماق المحنة واليأس ، وأبدتها لتسترد قوى ألمانيا المحطمة ، ولتحقق سياسة الانتقام والغلبة مرة أخرى .
وقد اعتبرت الأمم المتحدة فى هذه الحرب بعبر الحرب الكبرى ، فأبت أن تسمح لألمانيا بوقف القتال أو عقد الهدنة حتى تسحق قواها سحقا تاما وتحتل الجيوش المتحالفة سائر أراضى الوطن الألمانى ، وتخفق أعلام التصرف فوق عاصمة الريخ وجميع مدنها ، وحتى يؤمن الشعب الألمانى بأسره بالهزيمة ويشعر شعورا تاما بأنه خسر الحرب وحلت به الكارثة التى لانهوض بعدها . ولم يبق اليوم أمام الجيوش المتحالفة على إتمام هذه المهمة الفادحة بعد أن بدأت أعلام النصر تخفق فوق العاصمة الألمانية ، سوى القليل ، وذلك مهما طال أمد المقاومة الألمانية المبعثرة فيما يسمونه بجيوب المقاومة فى بعض أنحاء بافاريا والنيرول وغيرها .
على أنه إذا كان العملاق الألمانى قد أثخن اليوم جراحا
وأصبح مصرع الريخ الثالثة حقيقة واقعة ، فإن المعضلة الألمانية الأدبية سوف تغدو مع ذلك أعظم المشكلات التى يواجهها الحلفاء عقب النصر .
ومن المحقق أن الحلفاء سوف يتخذون فى هذه المرة لنزع سلاح ألمانيا وتدمير قواها العسكرية ومواردها الاقتصادية أشد وأقسى الاجراءات التى يمكن تصورها ، فسوف بقضى علي (( الريخسفر )) قضاء ميرما ، ويسحق أركان الحرب الألمانى ، ويقضى على الصناعات الحربية الألمانية وتنسف مواقعها وتصادر آلاتها ، وسوف يحتل الحلفاء ألمانيا احتلالا طويل الأمد ، ويسيطرون على سائر مواردها وتصرفاتها . هذا فضلا عما يصيبها من الناحية الجغرافية من التمزيق والبتر . ولكن هل يكفى ذلك كله لتغيير العقلية الألمانية وإقناعها بأنها خسرت معركة السيادة العالمية بصورة نهائية ، وبأنها يجب أن تترك فلسفة القوة والإنتقام نهائيا ، وأنه خير لألمانيا أن تندمج فى جماعة الأمم المسالمة وأن تعمل معها لخير الإنسانية والمدنية ؟
إن الفكرة الأمبراطورية الألمانية عريقة مؤثلة ، وهى لا ترجع فقط إلى عصر بسمارك ، ولكنها ترجع إلى أكثر من مائتى عام . فمنذ عصر فردريك الأكبر ، وبروسيا تتطلع إلى تحقيق حلمها الأمبراطورى الضخم ، وقد تحقق هذا الحلم على يد بسمارك . وكان مما يحفز الفكرة الأمبراطورية الألمانية ويذكيها دائما أن تجد ألمانيا نفسها متأخرة عن بقية الدول العظمى فى ميادين الاستعمار والسيادة . ولم تكن الحرب الكبرى سوى محاولة المانيا الأمبراطورية أن تشق طريقها إلى مغانم الاستعمار والتفوق الاقتصادى ولم تكن ألمانيا الهتلرية سوى الأمبراطوية الألمانية الثالثة ( الريخ الثالثة ) تحدوها نفس المثل والغايات ، وتطبعها روح ومثل أشد عتفا وثوتبا ، ولم تكن هذه الحرب العالمية الثانية سوى محاولة ألمانية جديدة لتحقيق أغراض السيادة العالمية واجتناء المغانم الاستعمارية والاقتصادية ، أضفت
عليها التعاليم النازية أخطر ما فى فلسفة القوة الألمانية من مثل العنف والاعتداء .
وقد أثبتت التجربة أن الهزيمة العسكرية وحدها لا تكفى لا تنزاع فلسفة القوة من عقلية الشعب الألمانى ، بل قد تغدو الهزيمة ذاتها عاملا فى إذكاء هذه الروح العنيفة ، كما حدث عقب الحرب الكبرى ، حيث أصبحت الهزيمة مبعثا لغوارة جديدة من القوة وشهوة الانتقام والسيادة . وأثبتت التجربة فى نفس الوت أن الشعب الألمانى ليس مشغوفا بالنظم الحرة ولا حريصا على استيقائها ، فقد منح الحرية الشاملة سنة ١٩١٩ فى ظل جمهورية فيمار لأول مرة فى تاريخه ، ولكنه لم يتذوقها ولم يهش لها ، ولم يطربه اسم الجمهورية ، كما كان يطربه اسم الامبراطورية . ولذلك لم يأسف على فقد هذه الحرية حينما انضوى مختارا متحمسا تحت لواء الطغيان الهتلرى .
والآن تجود الريخ الثالثة بأنفاسها الأخيرة . وقد انتهى بانهيار ألمانيا النازية أعظم خطر ظهر فى الوجود على حريات العالم وأمنه وسلامه . ولكن يبقى على الامم المتحدة غداة النصر أن تواجه المعضلة الألمانية الحقيقية فى أدق صورها ، ويبقى عليها أن تعمل لعلاج هذه المعضلة النفسية بكل ما أوتيت من ضروب الحكمة ، لكى يتاح لها أن تظفر بأن تحقق للعالم سلما مستقرا وطيد الدعائم .

