الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 331الرجوع إلى "الثقافة"

نهاية ألمانيا النازية، والمعضلة الألمانية الحقيقية

Share

لم تبق اليوم ذرة من الريب أن ألمانيا النازية قد خسرت الحرب العالمية الثانية كما خسرت ألمانيا الامبراطورية الحرب العالمية الأولى ، وأن صروح النازية قد انهارت وسحقت بالرغم من استمرار المقاومة الألمانية فى بعض الساحات المتفرقة فيما كان حتى الأمس القريب يسمى (( بالربخ الثالثة )) . وقد لا تمضى أيام قلائل حتى بمعد الحلفاء الظافرون عقب إتمام استيلائهم على العاصمة الألمانية التى احتل الروس معظمها حين كتابة هذه السطور ، إلى اعلان النصر الحاسم وانتهاء الحرب الأوربية بظفر الأمم المتحدة . وقد تستمر المقاومة الألمانية بعد ذلك أسابيع أو أشهرا فى بافاريا ، وهي المنطقة الأخيرة التى يلوح أن فلول القوى النازية تجتمع بها الآن نخوض المعارك الأخيرة ، ولكن هذه المقاومة البائسة التى طال

أمدها أكثر مما قدر فى البداية لن تغنى بالطبع شيئا ، ولن تنجى ألمانيا النازية من قدرها المحتوم ، وكل ما هناك أنها تزيد فى تدمير الوطن الألمانى وفى جراحه الدامية ، وتزيد فى محن الشعب الألمانى وآلامه .

والحقيقة أن ألمانيا النازية خسرت الحرب منذ ارتدات جيوشها الغازية مدحورة من مواطن نصرها الخلب فى الشرق والغرب إلى حدود الوطن الألمانى . ولكنها لم تستطع من جراء تفرقها فى مختلف الميادين ، وحرصها على البقاء فى بعض المراكز الإستراتيجية ، ان تجتمع فى الوقت المناسب فى كتلة ضخمة متماسكة حول الوطن الألمانى لتكرس جهودها للدفاع عنه . وقد كانت خطة القيادة الألمانية ترمى دانا على غرار ما حدث فى الحرب الكبرى إلى خوض المعارك مع العدو خارج ألمانيا لتنجو أراضى

الوطن من الدمار والويل . وقد نجحت هذه الخطة فى البداية نجاحا باهرا ، فلبثت رحى الحرب تدور خارج ألمانيا إلى ما قبل أشهر قلائل ، وخربت معظم ساحات أوربا الشرقية والوسطى وغربى أوربا قبل أن ترتد الجيوش الألمانية إلى حدودها . ولكن هذه الخطة انتهت بعزل عدة جيوش المانية كبيرة فى ساحات لم تبق لها اليوم أية  صلة بالدفاع عن ألمانيا . وهكذا مزقت قوى (( الريخسفر )) من جراء زحف الحلفاء السريع فى الشرق والغرب ، وألقت المانيا النارية فى الساعة الحاسمة نفسها محرومة من عون مئات الألوف من أبنائها الذين أعدتهم لمثل هذا اليوم العصيب .

وقد كان زحف الجيوش المتحالفة فى الأشهر الثلاثة الأخيرة إلى قلب ألمانيا سريعا مدهشا ، فانتثر عقد المقاومة الألمانية فى كل مكان ، وسقطت معظم مدن الريخ الشهيرة ومناطقها الصناعية فى أيدى الحلفاء والظافرين ، ودكت صروح الوطن الألماني ومعالمه ، ومزقت أشلاؤه بصورة لم تشهدها ألمانيا فى تاريخها الحربى الطويل ، ولم تخطر على بال أشد المتشائمين من زعمائها الذين زجوا بها فى هذا الصراع المروع .

ومن الغريب المحير أن تستمر فلول (( الريخسفر )) بعد ذلك كله على المقاومة فى كل مكان كأنه يوجد ثمة ما تؤمله ألمانيا  النارية من وراء هذه المقارمة المقيمة . وقد فسر ذلك أحيانا بأنه ما دامت الأمم المتحدة قد فرضت على المانيا المغلوبة مذلة التسليم بلا قيد ولا شرط ، ولم تفسح لها أى مجال المفاوضة ، فإن ألمانيا لن تلقى السلاح مختارة ، ولن تجثو على ركبتيها كما قال هتلر فى يناير الماضى ، وسوف تقاوم حتى النفس الأخير ، وحتى تسقط صرعى بأيدى أعدائها فى ميدان الشرف .

ولكن هذا التفسير لا يكفى لتصوير حقيقة العقلية

الألمانية فى هذه الساعة العصيبة . بل يرى كثير من الباحثين أن هذه ظاهرة خطيرة تدعو إلى كثير من التأمل ، وأنها ترتبط أشد الارتباط بما يسمونه المعضلة الألمانية النفسية .

فليس يكفى أن تهزم ألمانيا عسكريا وسياسيا فى هذه الحرب لكى يظفر العالم بسلام مستقر موطد الدعائم ؛ فقد سبق أن هزمت ألمانيا فى الحرب الكبرى . ولكنها استطاعت فى أقل من عشرين عاما أن تنهض من كبوتها وأن تهدد سلامة الأمم المتحدة وسلام العالم بصورة أشد وأروع . وقد اتخذ الحلفاء الظافرون فى معاهدة فرساى أشد وأقسى الضمانات المادية الممكنة لتجريد ألمانيا من قوتها ، ولكنهم غفلوا عن معالجة المعضلة الحقيقية ، وهى المعضلة الأدبية ، أو معضلة العقلية الألمانية التى صيرتها عبادة القوة وتمجيد الحرب والشغف بالغلبة والسيادة مصدر الشر والعدوان الدائم . وتلك العقلية هى التى أبت أن تعترف بنتائج الهزيمة الألمانية فى الحرب الكبرى ، وهى التى بعثت النازية من أعماق المحنة واليأس ، وأبدتها لتسترد قوى ألمانيا المحطمة ، ولتحقق سياسة الانتقام والغلبة مرة أخرى .

وقد اعتبرت الأمم المتحدة فى هذه الحرب بعبر الحرب الكبرى ، فأبت أن تسمح لألمانيا بوقف القتال أو عقد الهدنة حتى تسحق قواها سحقا تاما وتحتل الجيوش المتحالفة سائر أراضى الوطن الألمانى ، وتخفق أعلام التصرف فوق عاصمة الريخ وجميع مدنها ، وحتى يؤمن الشعب الألمانى بأسره بالهزيمة ويشعر شعورا تاما بأنه خسر الحرب وحلت به الكارثة التى لانهوض بعدها . ولم يبق اليوم أمام الجيوش المتحالفة على إتمام هذه المهمة الفادحة بعد أن بدأت أعلام النصر تخفق فوق العاصمة الألمانية ، سوى القليل ، وذلك مهما طال أمد المقاومة الألمانية المبعثرة فيما يسمونه بجيوب المقاومة فى بعض أنحاء بافاريا والنيرول وغيرها .

على أنه إذا كان العملاق الألمانى قد أثخن اليوم جراحا

وأصبح مصرع الريخ الثالثة حقيقة واقعة ، فإن المعضلة الألمانية الأدبية سوف تغدو مع ذلك أعظم المشكلات التى يواجهها الحلفاء عقب النصر .

ومن المحقق أن الحلفاء سوف يتخذون فى هذه المرة لنزع سلاح ألمانيا وتدمير قواها العسكرية ومواردها الاقتصادية أشد وأقسى الاجراءات التى يمكن تصورها ، فسوف بقضى علي (( الريخسفر )) قضاء ميرما ، ويسحق أركان الحرب الألمانى ، ويقضى على الصناعات الحربية الألمانية وتنسف مواقعها وتصادر آلاتها ، وسوف يحتل الحلفاء ألمانيا احتلالا طويل الأمد ، ويسيطرون على سائر مواردها وتصرفاتها . هذا فضلا عما يصيبها من الناحية الجغرافية من التمزيق والبتر . ولكن هل يكفى ذلك كله لتغيير العقلية الألمانية وإقناعها بأنها خسرت معركة السيادة العالمية بصورة نهائية ، وبأنها يجب أن تترك فلسفة القوة والإنتقام نهائيا ، وأنه خير لألمانيا أن تندمج فى جماعة الأمم المسالمة وأن تعمل معها لخير الإنسانية والمدنية ؟

إن الفكرة الأمبراطورية الألمانية عريقة مؤثلة ، وهى لا ترجع فقط إلى عصر بسمارك ، ولكنها ترجع إلى أكثر من مائتى عام . فمنذ عصر فردريك الأكبر ، وبروسيا تتطلع إلى تحقيق حلمها الأمبراطورى الضخم ، وقد تحقق هذا الحلم على يد بسمارك . وكان مما يحفز الفكرة الأمبراطورية الألمانية ويذكيها دائما أن تجد ألمانيا نفسها متأخرة عن بقية الدول العظمى فى ميادين الاستعمار والسيادة . ولم تكن الحرب الكبرى سوى محاولة المانيا الأمبراطورية أن تشق طريقها إلى مغانم الاستعمار والتفوق الاقتصادى ولم تكن ألمانيا الهتلرية سوى الأمبراطوية الألمانية الثالثة ( الريخ الثالثة ) تحدوها نفس المثل والغايات ، وتطبعها روح ومثل أشد عتفا وثوتبا ، ولم تكن هذه الحرب العالمية الثانية سوى محاولة ألمانية جديدة لتحقيق أغراض السيادة العالمية واجتناء المغانم الاستعمارية والاقتصادية ، أضفت

عليها التعاليم النازية أخطر ما فى فلسفة القوة الألمانية من مثل العنف والاعتداء .

وقد أثبتت التجربة أن الهزيمة العسكرية وحدها لا تكفى لا تنزاع فلسفة القوة من عقلية الشعب الألمانى ، بل قد تغدو الهزيمة ذاتها عاملا فى إذكاء هذه الروح العنيفة ، كما حدث عقب الحرب الكبرى ، حيث أصبحت الهزيمة مبعثا لغوارة جديدة من القوة وشهوة الانتقام والسيادة . وأثبتت التجربة فى نفس الوت أن الشعب الألمانى ليس مشغوفا بالنظم الحرة ولا حريصا على استيقائها ، فقد منح الحرية الشاملة سنة ١٩١٩ فى ظل جمهورية فيمار لأول مرة فى تاريخه ، ولكنه لم يتذوقها ولم يهش لها ، ولم يطربه اسم الجمهورية ، كما كان يطربه اسم الامبراطورية . ولذلك لم يأسف على فقد هذه الحرية حينما انضوى مختارا متحمسا تحت لواء الطغيان الهتلرى .

والآن تجود الريخ الثالثة بأنفاسها الأخيرة . وقد انتهى بانهيار ألمانيا النازية أعظم خطر ظهر فى الوجود على حريات العالم وأمنه وسلامه . ولكن يبقى على الامم المتحدة غداة النصر أن تواجه المعضلة الألمانية الحقيقية فى أدق صورها ، ويبقى عليها أن تعمل لعلاج هذه المعضلة النفسية بكل ما أوتيت من ضروب الحكمة ، لكى يتاح لها أن تظفر بأن تحقق للعالم سلما مستقرا وطيد الدعائم .

اشترك في نشرتنا البريدية