الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 857 الرجوع إلى "الرسالة"

نهاية شاعر

Share

سل الشاطئ الوسنان والطير والزهرا ...

                  أحقاً فقدتِ اللحن والعطر والخمرا؟

أحقاً ثوى في نشوة الحلم شاعر ... على النيل كم غنى وكم رتل شعرا؟

أحقاً هوى من ذروة الأيك صادح ... وكانت به الأفنان حالمة سكرى؟

سل الشاطئ الوسنان والموج ضاحك ...

             تداعبه الأنسام ناعمة المسرى

وليلَ الندامى والكؤوس وكرمة ... معرّشة الأطراف والواحة الخضرا

وعُرساً جلته الفاتنات وزوَّقت ... مواكبه الدنيا فتاهت به كبرا

وشهباً أطلت تسكب النور فوقه ... وتنثر من أكمامها الماس والدرا

وطيراً كأحلام العذارى تلاغطت ... وما اتخذت إلا برفرفة وكرا

وغيداً ثقال الخطو زهواً وفتنة ... ودنيا من الآمال تستقبل البشرى:

أحقاً تثور العاصفات فتنطفي ... شموع ولم تبلغ طلائعها الفجرا؟

فيا لك عرساً مرّ كالطيف مسرعاً ... وغاب عن الآفاق إلا رُؤى الذكرى

طوته أعاصير الخطوب وأصحرت ... به وهو لمّا يمسح الطل والعطرا

سل الشاطئ الوسنان أولاً فخله ... وأحلامه والذكريات وما مرّا

فقد يرجع الملاح نشوان باسماً ... وقد ودع الأمواج والتيه والبحرا

مُنًى. . . يا لها نكباء جنَّ جنونها ... فهبت على النوتي محمومة كدْرا

وأهوت على القلع المهوّم فأنطوي ... من الأفق والمجداف قد شارف العبر

ولم تدر أن الزورق السمح مثقل ... بآمال قلب جازت العدّ والحصرا!

عروس القوافي غام ليلك وامّحت ... مساحب أذيال وريع الهوى ذعرا

وقد أصبح الريحان حولك ذاوياً ... ينوح أخاه الآس والزنبق النضرا

وغاب   (عليٌّ)  والنشيد وشعلة ... من الفكر في ظلماء قد سميت قبرا

وعاد الخيال العبقري قصيدة ... من الصمت تستوحي المجاهل والقفرا

كأن لم يكن بالأمس ترجيع مطرب ... ونغمة عود يسحر اللب والفكرا

عليٌّ. ودنيا الشعر بعدك راعها ...

            من الهول أن تستنطق الشوك والصخرا

دعتك لليل الحائرين ويأسهم ... وللأمل المكلوم والمقلة الحسرى

وللعاشق اللهفان والشوق عارم ... وللقلب يصلي من تباريحه جمرا

وللأرغن النشوان يستشرف الربى ... ويسكب في أفيائها اللحن والسحرا

وللشرق تدعوه لكل جديدة ... وللغرب توليه المجنَّحة الغُرّا

شدوت على النيل الخصيب محلقاً ...

                  ولحت على باريس تصطحب   (النسرا)

وطوَّفت في الغرب البعيد فلم تدع ... هنالك سهلاً يستجيب ولا وعرا

ورافقت عيد   (الكرنفال)  مهموماً ...

                   مع الليل و   (الجندول)  قد واكب النهرا

وسامرت   (لوجانو)  تداعب غيدها ...

                       وغنيت   (فينسيا)  وشُطآنها الخضرا

وناجيت   (كومو)  والعرائس تلتقي ...

                        عليها تذيع الحب والوصل والهجرا

وودعتها صديان إلا تعلة ... تسرِّي بها نفسك الألم المرا

ترانيم توحي الذكريات نشيدها ... وتمرح كالأنسام عابقة نشرا

فقالوا: أديب هام بالغرب واجتوى ... ربوعاً غذته الروح والدم والنجرا

وأغرته آفاق وغيد ونهزة ... من العمر لم يبرح بها واجداً مغرى!

وما علموا أن الخيال متى سما ... طوى بجناحيه العوالم والدهرا

عليُّ. وهذا الشعر نجوى تبثها ... نفاثات قلب عز أن يجد الصبرا

وجدتك حيناً تبعث اللحن راضياً ... فينساب عن ثغر تبسم وافترَّا

وآونة تزجيه حسران غاضباً ... وتنفث من أحشائك القطع الحمرا

فهل كنت في الأولى من الدهر بالغاً ... مسارب عيش سمحة النبع والمجرى؟

وهل كنت في الأخرى على شرّ مورد

                     ... فأوسعت هذا العالم النظر الشزرا؟

عذرتك إذ تشكو الحياة ضنينة ... وتعرض عنها حين تعرض مزورا

وتنسى من التاريخ أحلام شاعر ... وتدفن في الأوهام عيشك والعمرا

وتستقبل الأيام لا بَرِماً بها ... فإن ضقت تلقاها بما يلهب الصدرا

فما أنت إلا الشاعر الحر قد أبى ... من الدهر ما لا يقنع الشاعر الحرا

علي وما أنسى من العمر ليلة ... صحبتك فيها باسماً كالندى ثغرا

وسامرت فيك الأريحي خلائفاً ... وصافيتني الطبع المهذب والبشرا

وودعت إذ ودعتك القلب لم يجد ...

            على أحد أو يعرف اللؤم والغدرا

فيا لضريح ضم منك عوالما ... ودنيا وآمالاً وما جل أن يُطرى

فقدناك لولا الخالدات ولم تكن ...

               سوى روحك الخفاق يسترجع الذكرى

إليك رياض النيل والنيل مخصب ... يفيض على الشرق اللآلئ والتبرا

عزاَء القوافي الثاكلات وأنها ...

           دموع الفرات قد شاطرت مصرا

القاهرة

اشترك في نشرتنا البريدية