الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 332 الرجوع إلى "الثقافة"

نهر الحياة، قصة مصرية

Share

جمعت كل عاطفتها فى عينيها وهي تنظر إليه ثم مالت عليه تقبله وسمعته يقول :

- يا لسعادتى بقربك ؛ أنت الشمس التى تشرق على حياتى فتحيلنى إنسانا آخر . . أنت دنياى بمفردك ، لقد اعتزلت العالم كله فى هذه الضاحية النائية ، وفى هذه (الفيلا) الصغيرة الرابضة على صدر الصحراء ، وإنى لسعيد ما دمت هنا بعيدا عن الناس وهذرهم وسخافاتهم ، بعيدا عن ضجة الحياة وضوضاء المدنية الزائفة . . وسأحب هذه الحياة دائما ما دمت أنت التاج الذى يزينها ، والنور الذى يملأ جوانبها . . ويكفيني ألا يشغلنى سواك وفنى . .

وصمت هنيهة ثم قام وهو يقول :

- أنت لم تسمعى قطعتى الجديدة ، لقد أتممتها بعد أن تركتنى فى المرة الأخيرة ، كنت أضعها وخيالك أمامى ، وقلبى مفعم بحبك ، وعيناك تغمراننى بالسعادة والحنان . وأسرع إلى (الكمان)، ورفعه إلى يديه وأمسك بالقوس وبدأ يعزف . .

كانت قطعة موسيقية هادئة ، تتحدث عن الطبيعة ، عن القمر ، عن الصحراء ، عن الضاحية البعيدة ، عن قصة حبهما السامية ، وعاطفتهما القوية ، وخفقات قلبيهما الفتيين .

وكانت هى مسبلة عينيها تحلم بتلك الأيام والأمسيات اللطيفة التي قضياها معا . . بحبهما السامى الطاهر الذى يصل روحيهما ، بعالمه العلوى الذى يعيش فيه ويرفعها إليه دائما . إنه يكره ذلك العالم المادى ، ويتغلب عليه بموسيقاه ، و كلما همت نفسه بأن تنزل إلى الدرك الذى كتب

على البشرية جمعاء قام إلى كمانه فأوسعه همسا ولمسا ، وأجرى قوسه على أوتاره ، فانبعثت تلك الألحان السماوية ، وارتفعت روحه إلى دنيا أخرى ، دنيا ملائكية ، فيها نعيم وفيها سعادة وفيها سخرية واحتقار لكل ما هو مادى ، كان يعيش بروحه ولروحه فقط .

واهتدى إليها فى يوم من الأيام ، قابلها فى منزل أقاربه بعد أن اضطر إلى زيارتهم اضطرارا ، وكان الموعد وك اللقاء وكان الحب ، وتلا عليها آراءه فى الحياة ، كانت فى سن تسمح لها أن تتأثر بتلك الآراء فى سرعة فائقة فأحبته واقتنعت بكل ما قال ، وقادها إليه فى محرابه البعيد ، وكانت أصعب لحظات حياتها حين تفارقه عائدة إلى منزلها فى قلب المدينة ، تحس كأنها فى دنيا أخرى ، وكأنها تفيق من حلم بديع ، وسرعان ما تشتاق للعودة إليه لتنعم بالحب ، ذلك الحب الذى يوافق سنها الصغيرة ، ويؤكد النظريات الآفلاطونية التى تملأ رأسها ، ولتهنأ بجانب بطل قصص الخيال والأوهام التي كانت تغذى خيالها ، قصص الحب الطاهر الذى طعامه السعادة وشرانه النعيم ، حب القلوب الفتية التى لم تكابد مرارة الحياة وقسوتها بعد .

وكان هو فنانا بطبيعته ، أذنه شديدة الحساسية ، وسرعان ما التقطت أنغام الموسيقى فى تفهم ووعى ، وهواها وبرع فيها فألف وكتب وعرف ونال حظا وافرا من الشهرة فى سن مبكرة . ولكنه كان فنانا . . والفنان يبحث عن الحب الذى يرفعه . ولما كان منغمرا فى المدنية والضوضاء لم يجد ضالته ، بل وجد الرذيلة والغدر والخيانة ، فربأ بنفسه وشعر بها فوق تلك الإحساسات القذرة وخاف أن يتبلد ذهنه فاعتزل يناجى الطبيعة ويصفها ، ويشكو إليها ويهواها حتى ساقته الم الفتاة (الخام) فالتقطها فى سرعة فائقة ،

روحه ومن فنه فاذا بها تصبح مهبط وحيه  الدائمين .

كان يقول إنه يكفيه أن يصل روحه بروحها عن طريق ألحانه وأنغمامه . . أما كل ما تبقى فهو مادة زائلة . إنها روحه التى تسعى نحوها وليس جسده . إنه فنه الذى يستوحيها وليس مادته الحيوية الفانية . إنها روحها التى تلهمه وليس جسدها الفتان الذى سيذوى يوما ما . .

أما روحها فستبقى وستلهم دائما . وانتهى من مقطوعته ومس ذراعها فى رفق فأفاقت وكانت الدموع تلمع فى عينيها ، وجذبها نحوه ، ثم قاما إلى النافذة . كانت الشمس تغرب فى مو كب حافل من لهب المجد الذى أضاء جوانب السماء بنور أحمر بديع . ولما اختفت . . ظهر القمر ليتربع على عرشه فى السماء التى تحلت بالنجوم وكان الليل رصعها بتلك الجواهر اللامعة لينافس بها عظمة النهار المنتهى . .

وكان النسيم يهب رقيقا ناعما فيلامس وجهيهما فى رفق وكانه أطياف تقبلهما . . ولم يشعرا إلا وهما يتركان المنزل ويضربان فى الصحراء . . ثم جلسا على الرمال يمتعان النظر بتلك الفتنة التى تحوطهما . كانت النجوم كبيرة لا معة حتى كان يخيل إليه أنها قريبة من الأرض يكاد يمد يده ليأخذها ويقدمها هدية فريدة إلى محبوبته ، والنخيل على مرمى البصر تسبح فى ضوء القمر الفضى . . مزيج متناسق من الفضة والسواد جعل الدم يسرى حارا فى عروقهما مسحورين بهذا الغموض الجذاب . .

وبقيا على حالهما تلك مدة من الزمان لم يشعرا عداها ، لأن الطبيعة الساحرة قد أنستهما كل شئ حتى الزمن نفسه . . ولكنها وهى ترفع يدها إلى رأسها لتعيد خصلة من شعرها قد تدلت على عينيها إذا بها تلحظ الساعة فى معصمها ، وإذا بها تعود فجاة إلى وعيها فتقول فى رنة أسف ، لقد حان وقت عودتى . .

وقاما فى هدوء . . وعادا ادراجهما وأوصلها هو حتى نقطة ابتداء مواصلات عودتها . وعاد وحيدا إلى منزله . كان يشعر وكأنه طائر خفيف ، ورفع بصره وأداره فى كل

ما حوله . . ثم ابتسم ابتسامة الرضاء التام وأرسل زفرة حارة اخرج معها من صدره كل ذكرياته عن عالمه الذى خلفه وراءه . . واستقبل فى شهيق نسيم دنياه الجديدة ، السعيدة الهانئة .

. . .وهكذا أمضيا تلك الفترة من حياة حبهما . وفى هذا الجو ظهرت مؤلفاته الموسيقية المتتابعة المفعمة بالعاطفة القوية ، حتى أعجب بها الجميع ، لأنها كانت خارجة من قلبه ، متحدثة عن حبه ، معبرة عن كل ما يحتمل فى كيانه وروحه من إحساسات وشعور . لم يكن مقلدا . . ولم يكن دجالا ، ولم يكن باحثا عن قوت او رزق ، بل كان فنانا مطبوعا ، يهوى الطبيعة ، ويهوى الجمال ويربط روحه بروح نقية صافية ، فإذا بموسيقاه طبيعية ، جميلة ، نقية ، صافية مثلها ، وكان سعيدا بحبه ، سعيدا بفنه ، راضيا ، قانعا ، مغتبطا . .

إلى أن . .

. . . لعله كان هائما بالطبيعة ، سابحا فى خيالاته العلوية ، حتى إنه لم يلاحظ بعض التغير عليها ، وبعض الفتور الذى طرا على عاطفتها نحوه ، وكان إذا تساءل عن تغيبها بين كل زيارة وأخرى ادعت الأعذار العائلية القاهرة . ولكن جاء اليوم ، الذى لم يحضر إليه فيه وكان ينتظرها . وقف فى النافذة ينظر إلى الطريق الذى تسلكه فى حضورها إليه . وظل واقفا ، ومرت فترة طويلة وهو مازل واقفا . زائع البصر ، واجف القلب ، مشتت الفكر ، مبلبل الخاطر ، حتى هبطت ستارة الظلام ، فاستدار . . وإذا به يبكى . .

وجعل ينتظرها ، وينتظرها فى الأيام التالية ، ولكنها لم تحضر ، وكلما حاول اليأس أن يدب فى قلبه ، أبعده فى شجاعة ، ولكن خانته تلك الشجاعة أخيرا ، وقبض اليأس على قلبه بيد حديدية ، وأصبح دائما حزينا شاكيا ،

ولم تسحره الطبيعة كما كانت تسحره من قبل ، فلا الرمال ولا النخيل ، ولا النجوم ولا القمر عوضته بديلا عنها ، وضاق بوحدته وعزلته ! !

ويوما : عقد العزم على أن ينزل إلى المدينة ليبحث عنها ويعيدها إليه ، وفى ذلك اليوم ذاته وصله خطابها ، فضه بأصابع مرتعشة ، وبدأ يقرأ فى لهفة ، وكانت تقول فيه : " يا عزيزى الفنان " :

لا أدرى كيف أبدأ خطابى لك . لعلك الآن واقف فى نافذتك تشهد غروب الشمس وتنتظر ظهور القمر والنسيم يداعبك ، ورمال الصحراء المترامية الأطراف هى كل ما يقابل بنظرك . وأنت سعيد بذلك ، وكنت أنا أيضا أسعد بمثل هذه الأشياء ، إنك أنت الذى غرست فى روحي تلك العاطفة نحوها ، وارتفعت روحى معك إلى دنياك العلوية الخالدة . . وكنت أحب ذلك ، وكان فى امكانى أن أبقى على حالى تلك مثلك لو كنت أعيش معك منعزلة ، بعيدة عن المدنية وعجيجها ، بعيدة عن الواقع الملموس وحقيقته . . ولكن كنت أختلف عنك . . وهذا هو خطأنا معا . كنت أتركك فى جوك ونعيمك الذى تنام عليه وتستيقظ عليه ، لا يشغل دنياك غيره ، وأعود أنا فأجد دنيا أخرى مختلفة ، علي أن أعيش فيها ، وعلى أن أتلون بلونها ، وعلى أن أحياها كأى واحدة من زميلاتى وصديقاتى اللائى حولى . . الناصحات لى بأن انزل من عالم الوهم إلى عالم الحقيقة . . ولكني كنت مسوقة نحوك كما اسلفت . .

والآن ماذا أقول ياصديقى ؟ . لقد انتصر الواقع . إنى أتألم لذلك ، لقد انتصرت المدنية . لقد انتصر الضجيج والصخب ونزلت إلى عالمنا نجن جميعا ، وتركت عالمك أنت بمفردك . لا أدرى كيف كان ذلك ، ولكنه كان شيئا مفاجئا ولما اكن أحسب له حسابا . إنه ابن الجيران هنا . كنت أقابله فى لطف ، لأن عاطفتى كانت نسخة من

عاطفة فنان طيب القلب كلها عطف وحب للانسانية جمعاء ، واستغل هو ذلك اللطف وتلك العاطفة ، فجعل يطاردنى دون أن أشعر ، وحاك الشباك ورماها فى طريقى ، وأفلت منه مرارا . . ولكنى وقعت أسيرته أخيرا . . ولا أدرى كيف كان ذلك . . إنها عاطفة جديدة التي أحسها وأشعر بها . . عاطفة قوية تهزنى وتنزلزل كيانى . يختلف عن العاطفة الأولى التي كنت تنفنها فى روحي وفى فؤادي ، عاطفتك الرقيقة الهادئة . ولكن هذه عاطفة جامحة نارية مدعمرة تأكل شىء وتأتى على كل شىء وتحتاج إلى وقود دائم . ما أغرب اقتراب تلك العاطفة من الانسان ! إنها تتقدم فى سكون حتى لا نشعر بها إلا وهى مطبقة علينا ، فهي أشبه بوحش ضخم يخطو فى هدوء على مخالب من مخمل وسرعان ما يفتك بفريسته .

أرجو أن تعذرنى إذا انقطعت عنك . أنا لا أملك إرادة حيال تلك العاطفة . لقد تكشفت دنيا اخرى جديدة أمام ناظرى ، دنيا لم أكن أعرفها معك ، ولا أدرى أيهما أفضل . ولكنى أشعر أن روحى قد  ملت دنياك الباهتة وأنها تميل إلى الانغمار فى ذلك النهر الذى ينساب فى قوة وبنطوى على تيارات خفية ، نهر الحياة ، التى يحياها البشر . إن الهدوء والطبيعة لا يوافقان ما تجيش به عاطفتى الحالية ولا ينسجمان مع دمى الذى يندفع الآن فى عروقى حارا قويا . لا يمكننى الآن وعلى تلك الحال أن أقتات من الطبيعة والسكون . بل غذاء روحى الجامحة هى المدنية المادية التى تحتقرها أنت .

أترى . لقد اختلفت آراؤنا ، فلا لوم على إذا انا انقطعت عن زياراتك .

مع أعز تمنياتى إليك . ولعل الطبيعة تعوضك عنى خير بديل .

قرأ تلك الكلمات . ورمى الوريقات جانبا ثم قام إلى النافذة ، وكان المساء ، وكان القمر مطلا عليه . " ذلك

الاله الصامت المتربع على عرشه " وآلمه أن يذكر تلك لجملة بالذات لأنها كانت جملتها التى تهمس بها اليه دائما . فأدار ظهره وانكفأ يبكى فى مرارة .

لم تظهر له مؤلفات موسيقية خلال تلك الفترة التى قضاها مشتت الفكر ، شارد الخاطر ، ينتظر عودة صديقته اليه .

ولكن مرت الأيام . فاذا بقطعته الجديدة تملأ أنغامها كل مكان ، كانت قطعة أخرى تنبض بالحياة . تختلف عن سابقاتها ، صورة أخرى مرسومة بألوان غير الألوان السابقة . ولكن يبدو لأول وهلة أنها ألوان واقعية قريبة من الاحساس والشعور العاديين ، تنفذ فى سرعة فائقة إلى فؤادك . ولا غرو . فقد أسماها ( نهر الحياة ) . وقد ألفها د أن ترك محرابه فى الصحراء . وعاد ليقى بنفسه فى ذلك النهر البعيد الفور ، ويجاهد ليتغلب على تياره الجارف !

اشترك في نشرتنا البريدية