جمعت كل عاطفتها فى عينيها وهي تنظر إليه ثم مالت عليه تقبله وسمعته يقول :
- يا لسعادتى بقربك ؛ أنت الشمس التى تشرق على حياتى فتحيلنى إنسانا آخر . . أنت دنياى بمفردك ، لقد اعتزلت العالم كله فى هذه الضاحية النائية ، وفى هذه (الفيلا) الصغيرة الرابضة على صدر الصحراء ، وإنى لسعيد ما دمت هنا بعيدا عن الناس وهذرهم وسخافاتهم ، بعيدا عن ضجة الحياة وضوضاء المدنية الزائفة . . وسأحب هذه الحياة دائما ما دمت أنت التاج الذى يزينها ، والنور الذى يملأ جوانبها . . ويكفيني ألا يشغلنى سواك وفنى . .
وصمت هنيهة ثم قام وهو يقول :
- أنت لم تسمعى قطعتى الجديدة ، لقد أتممتها بعد أن تركتنى فى المرة الأخيرة ، كنت أضعها وخيالك أمامى ، وقلبى مفعم بحبك ، وعيناك تغمراننى بالسعادة والحنان . وأسرع إلى (الكمان)، ورفعه إلى يديه وأمسك بالقوس وبدأ يعزف . .
كانت قطعة موسيقية هادئة ، تتحدث عن الطبيعة ، عن القمر ، عن الصحراء ، عن الضاحية البعيدة ، عن قصة حبهما السامية ، وعاطفتهما القوية ، وخفقات قلبيهما الفتيين .
وكانت هى مسبلة عينيها تحلم بتلك الأيام والأمسيات اللطيفة التي قضياها معا . . بحبهما السامى الطاهر الذى يصل روحيهما ، بعالمه العلوى الذى يعيش فيه ويرفعها إليه دائما . إنه يكره ذلك العالم المادى ، ويتغلب عليه بموسيقاه ، و كلما همت نفسه بأن تنزل إلى الدرك الذى كتب
على البشرية جمعاء قام إلى كمانه فأوسعه همسا ولمسا ، وأجرى قوسه على أوتاره ، فانبعثت تلك الألحان السماوية ، وارتفعت روحه إلى دنيا أخرى ، دنيا ملائكية ، فيها نعيم وفيها سعادة وفيها سخرية واحتقار لكل ما هو مادى ، كان يعيش بروحه ولروحه فقط .
واهتدى إليها فى يوم من الأيام ، قابلها فى منزل أقاربه بعد أن اضطر إلى زيارتهم اضطرارا ، وكان الموعد وك اللقاء وكان الحب ، وتلا عليها آراءه فى الحياة ، كانت فى سن تسمح لها أن تتأثر بتلك الآراء فى سرعة فائقة فأحبته واقتنعت بكل ما قال ، وقادها إليه فى محرابه البعيد ، وكانت أصعب لحظات حياتها حين تفارقه عائدة إلى منزلها فى قلب المدينة ، تحس كأنها فى دنيا أخرى ، وكأنها تفيق من حلم بديع ، وسرعان ما تشتاق للعودة إليه لتنعم بالحب ، ذلك الحب الذى يوافق سنها الصغيرة ، ويؤكد النظريات الآفلاطونية التى تملأ رأسها ، ولتهنأ بجانب بطل قصص الخيال والأوهام التي كانت تغذى خيالها ، قصص الحب الطاهر الذى طعامه السعادة وشرانه النعيم ، حب القلوب الفتية التى لم تكابد مرارة الحياة وقسوتها بعد .
وكان هو فنانا بطبيعته ، أذنه شديدة الحساسية ، وسرعان ما التقطت أنغام الموسيقى فى تفهم ووعى ، وهواها وبرع فيها فألف وكتب وعرف ونال حظا وافرا من الشهرة فى سن مبكرة . ولكنه كان فنانا . . والفنان يبحث عن الحب الذى يرفعه . ولما كان منغمرا فى المدنية والضوضاء لم يجد ضالته ، بل وجد الرذيلة والغدر والخيانة ، فربأ بنفسه وشعر بها فوق تلك الإحساسات القذرة وخاف أن يتبلد ذهنه فاعتزل يناجى الطبيعة ويصفها ، ويشكو إليها ويهواها حتى ساقته الم الفتاة (الخام) فالتقطها فى سرعة فائقة ،
روحه ومن فنه فاذا بها تصبح مهبط وحيه الدائمين .
كان يقول إنه يكفيه أن يصل روحه بروحها عن طريق ألحانه وأنغمامه . . أما كل ما تبقى فهو مادة زائلة . إنها روحه التى تسعى نحوها وليس جسده . إنه فنه الذى يستوحيها وليس مادته الحيوية الفانية . إنها روحها التى تلهمه وليس جسدها الفتان الذى سيذوى يوما ما . .
أما روحها فستبقى وستلهم دائما . وانتهى من مقطوعته ومس ذراعها فى رفق فأفاقت وكانت الدموع تلمع فى عينيها ، وجذبها نحوه ، ثم قاما إلى النافذة . كانت الشمس تغرب فى مو كب حافل من لهب المجد الذى أضاء جوانب السماء بنور أحمر بديع . ولما اختفت . . ظهر القمر ليتربع على عرشه فى السماء التى تحلت بالنجوم وكان الليل رصعها بتلك الجواهر اللامعة لينافس بها عظمة النهار المنتهى . .
وكان النسيم يهب رقيقا ناعما فيلامس وجهيهما فى رفق وكانه أطياف تقبلهما . . ولم يشعرا إلا وهما يتركان المنزل ويضربان فى الصحراء . . ثم جلسا على الرمال يمتعان النظر بتلك الفتنة التى تحوطهما . كانت النجوم كبيرة لا معة حتى كان يخيل إليه أنها قريبة من الأرض يكاد يمد يده ليأخذها ويقدمها هدية فريدة إلى محبوبته ، والنخيل على مرمى البصر تسبح فى ضوء القمر الفضى . . مزيج متناسق من الفضة والسواد جعل الدم يسرى حارا فى عروقهما مسحورين بهذا الغموض الجذاب . .
وبقيا على حالهما تلك مدة من الزمان لم يشعرا عداها ، لأن الطبيعة الساحرة قد أنستهما كل شئ حتى الزمن نفسه . . ولكنها وهى ترفع يدها إلى رأسها لتعيد خصلة من شعرها قد تدلت على عينيها إذا بها تلحظ الساعة فى معصمها ، وإذا بها تعود فجاة إلى وعيها فتقول فى رنة أسف ، لقد حان وقت عودتى . .
وقاما فى هدوء . . وعادا ادراجهما وأوصلها هو حتى نقطة ابتداء مواصلات عودتها . وعاد وحيدا إلى منزله . كان يشعر وكأنه طائر خفيف ، ورفع بصره وأداره فى كل
ما حوله . . ثم ابتسم ابتسامة الرضاء التام وأرسل زفرة حارة اخرج معها من صدره كل ذكرياته عن عالمه الذى خلفه وراءه . . واستقبل فى شهيق نسيم دنياه الجديدة ، السعيدة الهانئة .
. . .وهكذا أمضيا تلك الفترة من حياة حبهما . وفى هذا الجو ظهرت مؤلفاته الموسيقية المتتابعة المفعمة بالعاطفة القوية ، حتى أعجب بها الجميع ، لأنها كانت خارجة من قلبه ، متحدثة عن حبه ، معبرة عن كل ما يحتمل فى كيانه وروحه من إحساسات وشعور . لم يكن مقلدا . . ولم يكن دجالا ، ولم يكن باحثا عن قوت او رزق ، بل كان فنانا مطبوعا ، يهوى الطبيعة ، ويهوى الجمال ويربط روحه بروح نقية صافية ، فإذا بموسيقاه طبيعية ، جميلة ، نقية ، صافية مثلها ، وكان سعيدا بحبه ، سعيدا بفنه ، راضيا ، قانعا ، مغتبطا . .
إلى أن . .
. . . لعله كان هائما بالطبيعة ، سابحا فى خيالاته العلوية ، حتى إنه لم يلاحظ بعض التغير عليها ، وبعض الفتور الذى طرا على عاطفتها نحوه ، وكان إذا تساءل عن تغيبها بين كل زيارة وأخرى ادعت الأعذار العائلية القاهرة . ولكن جاء اليوم ، الذى لم يحضر إليه فيه وكان ينتظرها . وقف فى النافذة ينظر إلى الطريق الذى تسلكه فى حضورها إليه . وظل واقفا ، ومرت فترة طويلة وهو مازل واقفا . زائع البصر ، واجف القلب ، مشتت الفكر ، مبلبل الخاطر ، حتى هبطت ستارة الظلام ، فاستدار . . وإذا به يبكى . .
وجعل ينتظرها ، وينتظرها فى الأيام التالية ، ولكنها لم تحضر ، وكلما حاول اليأس أن يدب فى قلبه ، أبعده فى شجاعة ، ولكن خانته تلك الشجاعة أخيرا ، وقبض اليأس على قلبه بيد حديدية ، وأصبح دائما حزينا شاكيا ،
ولم تسحره الطبيعة كما كانت تسحره من قبل ، فلا الرمال ولا النخيل ، ولا النجوم ولا القمر عوضته بديلا عنها ، وضاق بوحدته وعزلته ! !
ويوما : عقد العزم على أن ينزل إلى المدينة ليبحث عنها ويعيدها إليه ، وفى ذلك اليوم ذاته وصله خطابها ، فضه بأصابع مرتعشة ، وبدأ يقرأ فى لهفة ، وكانت تقول فيه : " يا عزيزى الفنان " :
لا أدرى كيف أبدأ خطابى لك . لعلك الآن واقف فى نافذتك تشهد غروب الشمس وتنتظر ظهور القمر والنسيم يداعبك ، ورمال الصحراء المترامية الأطراف هى كل ما يقابل بنظرك . وأنت سعيد بذلك ، وكنت أنا أيضا أسعد بمثل هذه الأشياء ، إنك أنت الذى غرست فى روحي تلك العاطفة نحوها ، وارتفعت روحى معك إلى دنياك العلوية الخالدة . . وكنت أحب ذلك ، وكان فى امكانى أن أبقى على حالى تلك مثلك لو كنت أعيش معك منعزلة ، بعيدة عن المدنية وعجيجها ، بعيدة عن الواقع الملموس وحقيقته . . ولكن كنت أختلف عنك . . وهذا هو خطأنا معا . كنت أتركك فى جوك ونعيمك الذى تنام عليه وتستيقظ عليه ، لا يشغل دنياك غيره ، وأعود أنا فأجد دنيا أخرى مختلفة ، علي أن أعيش فيها ، وعلى أن أتلون بلونها ، وعلى أن أحياها كأى واحدة من زميلاتى وصديقاتى اللائى حولى . . الناصحات لى بأن انزل من عالم الوهم إلى عالم الحقيقة . . ولكني كنت مسوقة نحوك كما اسلفت . .
والآن ماذا أقول ياصديقى ؟ . لقد انتصر الواقع . إنى أتألم لذلك ، لقد انتصرت المدنية . لقد انتصر الضجيج والصخب ونزلت إلى عالمنا نجن جميعا ، وتركت عالمك أنت بمفردك . لا أدرى كيف كان ذلك ، ولكنه كان شيئا مفاجئا ولما اكن أحسب له حسابا . إنه ابن الجيران هنا . كنت أقابله فى لطف ، لأن عاطفتى كانت نسخة من
عاطفة فنان طيب القلب كلها عطف وحب للانسانية جمعاء ، واستغل هو ذلك اللطف وتلك العاطفة ، فجعل يطاردنى دون أن أشعر ، وحاك الشباك ورماها فى طريقى ، وأفلت منه مرارا . . ولكنى وقعت أسيرته أخيرا . . ولا أدرى كيف كان ذلك . . إنها عاطفة جديدة التي أحسها وأشعر بها . . عاطفة قوية تهزنى وتنزلزل كيانى . يختلف عن العاطفة الأولى التي كنت تنفنها فى روحي وفى فؤادي ، عاطفتك الرقيقة الهادئة . ولكن هذه عاطفة جامحة نارية مدعمرة تأكل شىء وتأتى على كل شىء وتحتاج إلى وقود دائم . ما أغرب اقتراب تلك العاطفة من الانسان ! إنها تتقدم فى سكون حتى لا نشعر بها إلا وهى مطبقة علينا ، فهي أشبه بوحش ضخم يخطو فى هدوء على مخالب من مخمل وسرعان ما يفتك بفريسته .
أرجو أن تعذرنى إذا انقطعت عنك . أنا لا أملك إرادة حيال تلك العاطفة . لقد تكشفت دنيا اخرى جديدة أمام ناظرى ، دنيا لم أكن أعرفها معك ، ولا أدرى أيهما أفضل . ولكنى أشعر أن روحى قد ملت دنياك الباهتة وأنها تميل إلى الانغمار فى ذلك النهر الذى ينساب فى قوة وبنطوى على تيارات خفية ، نهر الحياة ، التى يحياها البشر . إن الهدوء والطبيعة لا يوافقان ما تجيش به عاطفتى الحالية ولا ينسجمان مع دمى الذى يندفع الآن فى عروقى حارا قويا . لا يمكننى الآن وعلى تلك الحال أن أقتات من الطبيعة والسكون . بل غذاء روحى الجامحة هى المدنية المادية التى تحتقرها أنت .
أترى . لقد اختلفت آراؤنا ، فلا لوم على إذا انا انقطعت عن زياراتك .
مع أعز تمنياتى إليك . ولعل الطبيعة تعوضك عنى خير بديل .
قرأ تلك الكلمات . ورمى الوريقات جانبا ثم قام إلى النافذة ، وكان المساء ، وكان القمر مطلا عليه . " ذلك
الاله الصامت المتربع على عرشه " وآلمه أن يذكر تلك لجملة بالذات لأنها كانت جملتها التى تهمس بها اليه دائما . فأدار ظهره وانكفأ يبكى فى مرارة .
لم تظهر له مؤلفات موسيقية خلال تلك الفترة التى قضاها مشتت الفكر ، شارد الخاطر ، ينتظر عودة صديقته اليه .
ولكن مرت الأيام . فاذا بقطعته الجديدة تملأ أنغامها كل مكان ، كانت قطعة أخرى تنبض بالحياة . تختلف عن سابقاتها ، صورة أخرى مرسومة بألوان غير الألوان السابقة . ولكن يبدو لأول وهلة أنها ألوان واقعية قريبة من الاحساس والشعور العاديين ، تنفذ فى سرعة فائقة إلى فؤادك . ولا غرو . فقد أسماها ( نهر الحياة ) . وقد ألفها د أن ترك محرابه فى الصحراء . وعاد ليقى بنفسه فى ذلك النهر البعيد الفور ، ويجاهد ليتغلب على تياره الجارف !
