شاهدت بالأمس صورتين ملأتا قلبي أسي وغما : الأولى تمثل مدينة الهافر قبل الحرب . والثانية تصورها بعد أن جلا عنها الألمان . ولم أكن في حاجة إلي صورة ( الهافر ) قبل الحرب لكي أعرفها . وعهدي بها مدينة باسمة رزينة ، هادئة الجنان على الرغم من كثرة الحركة والنشاط التجاري ، أهلها الترمنديون من اقوى العناصر الفرنسية وأشدها مراسا ، وأكثرها نجاحا في ميادين التجارة والمال . كانت المدينة تمتاز فوق ذلك بشوارعها القديمة ، وعماراتها التي تجمع بين جلال القدم والمتانة والجمال . لقد كنت أتوقع أن تكون الهافر قد أصبت في هذه الحرب إصابات فادحة ، وأنها قد نال منها التخريب والتدمير . وكان الخيال يصور لي بعض شوارعها ، وقد امتلأت بالأنقاض وبعض عماراتها وقد تهدمت منها أجزاء وبقيت أجزاء . ولكن الخيال كان مقصرا عن
الحقيقة غاية التقصير ، فإن الشطر الأكبر من مدينة الهافر ، قد استحال إلى اطلال وخرائب ، وأكداس مختلطة من الحجارة والأخشاب . ويوشك ألا يكون هناك جدار قائم أو تمثال أخطأه الدمار إلا في النادر .
لقد كانت كارثة فرنسا في هذه الحرب من الكوارث الكبرى ، لأنها ذاقت ويلات الحرب ، وفتكات الغزو مرتين : في صيف ١٩٤٠ وصيف ١٩٤٤ ، وفيما بين ذلك كانت مدنها تتعرض لعدوان الأصدقاء والأعداء على السواء . فكان البريطانيون يقذفون المؤسسات الهامة بالقنابل والألماني المحتل يتحكم في السكان ويذيقهم ألوانا من العذاب والحرمان . لاشك أننا كلنا نعطف أشد العطف على فرنسا في أيام محنتها تلك . ولئن كانت الويلات التي نزلت بها يرجع بعضها إلى تقصير حكوماتها قبل الحرب ، وإلى ضلال - ولا نريد أن نقول خيانة - بعض
أبنائها الذين تعاونوا مع الألمان ، فان هذا كله لا يقلل من عطفنا على هذه الأمة المجيدة ، التي طالما أسدت إلى الإنسانية أجل الخدمات ،
إن كثيرا من الناس في مصر وفي غير مصر من الأقطار قد هالهم أن رأوا فرنسا تكبو تلك الكبوة الهائلة في أول هذه الحرب ، وطالعوا ما كشف عنه الكتاب والباحثون من الفساد الشائع في أداة الحكم وقيادة الدولة المدنية والعسكرية . وراعهم أن رأوا فرنسا مخرج من الحرب وتسلم للعدو اللدود . وكان في وسع حكومتها أن تنتقل إلى شمال إفريقية وتشن الحرب من هناك على العدو المشترك . ولكنها فضلت أن تتخلى عن حليفتها وأن تتعاون مع الألمان . حتى بلغ بها الأمر أن أرسلت قوة - لا شك أنها كانت صغيرة - للاشتراك معهم في حرب الروسيا !
إن الذين شاهدوا هذا كله ، وهالهم مارأوه ، تعجلوا فحكموا بأن فرنسا أمة منحلة ، ونادى أحد اقطاب السياسة بأن فرنسا قد أصبحت دولة من الدرجة الثانية . ولكن هذا القول قد كذبته الحوادث ، وقد نهض الفرنسيون أنفسهم لتكذيبه . وعقلاء الباحثين يعلمون أن الأمة الحية تستمد من الهزيمة قوة ، ومن الضربات القتالة بعثا جديدا .
وقد بدأت فرنسا تنهض من كبوتها منذ اللحظة التي سلمت فيها حكومة فيشى ، ففي تلك اللحظة هاجر جماعة من الفرنسيين إلى الأرض البريطانية ، لكي يشنوا الحرب من هناك على الألمان . وقد كان على رأس هذه الجماعة فارس بطل يدعى شارل ديجول ، لم تمض على ترقيته إلى رتبة قائد لواء إلا برهة وجيزة . ولكنه على الرغم من ذلك من أبرع الفرسان في حرب الدبابات الحديثة ، حتى ليزعم بعض أنصاره أن الألمان قد أخذوا عنه قواعد حرب الدبابات من كتاب له لم تعبأ به القيادة الفرنسية ،
أما القيادة الألمانية فقد حفظته عن ظهر قلب .
ومهما يكن من شيء فان الجنرال ديجول رئيس الفرنسيين الأحرار ، الذين أبوا أن يذهبوا للسير النازي ، رجل قوي الشكيمة صعب المراس ، يمتاز خلقه بالصلابة والعناد ، والوطنية الهائلة التي تشرف على التعصب ، والجرأة الهائلة التي لا تعرف التردد . أي انه حائر لجميع الصفات اللازمة للواجب الشاق الوعر الذي كتب له ان يضطلع به ، وهو إنهاض فرنسا من كبوتها كانت العصبة الملتفة من حوله جماعة صغيرة العدد أول الأمر ، ولكنها لم تلبث أن أخذت تكبر وتنمو بسرعة عظيمة ؛ وكان تضخمها هذا مستمدا من ثلاثة مصادر : أولها الفرنسيون الهاربون من فرنسا ، وقد كان سيلهم هذا لا ينقطع الي آخر لحظة من الاحتلال الألماني . وقد انتفع الخلفاء في غزوهم بهذا الاتصال المستمر بين فرنسا وبريطانيا .
المصدر الثاني : الفرنسيون في بعض البلاد ( المحايدة ) مثل مصر ، فقد أخذ الكثير من الفرنسيين وأنصارهم في سوريا ولبنان يتدفقون إلى وادي النيل ، حيث تألف منهم على مضي الزمن جيش صغير العدد كبير الخطر ، ساهم مساهمة جدية في فتح سوريا ولبنان سنة ١٩٤١ ، وفي شن الحرب على الألمان والطليان في شمال إفريقية في العام التالي .
والمصدر الثالث الذي ساعد حركة الفرنسيين الأحرار هو رحال بعض المستعمرات الفرنسية . ولقد رأينا رجالا مثل الجنرال دي لارمينا والجنرال كاترو - على الرغم من أقدميتهم - ينضوون عن طيب خاطر تحت لواء الجنرال ديجول ، ولا شك في أن عملهم هذا من الأعمال الوطنية الجليلة التي لا يفيها الثناء حقها . ولكن المستعمرات التي انضمت كلها إلى الجنرال ديجول كانت قليلة جدا . وهذا هو الأمر الذي يبعث على الدهشة ، فإذا استثنينا بلاد الكنجو الفرنسية ، وبعض جهات غرب إفريقية
والسودان الفرنسي ، نرى أن الكثرة العظمى من الممتلكات والحمايات الفرنسية ظلت مخلصة لحكومة فيشى ، موالية للمحور ، تتقبل البعثات المحورية عسكرية كانت او تجارية ، وتقدم موانئها ومطاراتها لسفن المحور وطائراته . وقد احتلت اليابان بلاد الهند الصينية الفرنسية ، فلم تحرك فيشي ساكنا ، ولم تعلن الحرب على اليابان أو تقطع علاقاتها بها .
وعبثا حاول ديجول نفسه أن يستميل الجنرال ويجان - وهو الحاكم الأعلى في شمال إفريقية - إلى الحركة الفرنسية الحرة ، وعبثا أعلن ديجول أنه مستعد لأن يضع نفسه كجندي مطيع تحت لواء ويجان إذا أراد هذا أن يتولى قيادة تلك الحركة لم يجد هذا كله نفعا . فإن ويجان - على الرغم من وطنيته التي لا يشك فيها أحد - لم يستطع أن يخرج على حكومة فيشي . إن حكام المستعمرات الفرنسية والضباط المقيمين بها قد سلكوا مسلكا عجيبا نحو حركة الفرنسيين الأحرار . فهل كان هذا السلوك راجعا إلى شدة الولاء لفيشي ، أو لشدة نفورهم من الأضواء تحت قائد صغير مثل ديجول ، أو لنفورهم من شخص ديجول نفسه ؟ إن الروح الوطنية القوية أمر مغروس في نفس كل فرنسي ، ولذلك لا بد أن لدى هؤلاء القوم أسبابا حملتهم على الامتناع عن المساهمة في هذا المجهود الوطني الخطير ، والتاريخ وحده كفيل بأن يكشف عن هذه الأسباب .
وهكذا ظل ديجول فترة طويلة هو القائد الوحيد في ميدان المقاومة للعدو الغاصب ، ولهذا السبب وحده اكتسب انصارا كثيرين ، وعلى الأخص في فرنسا نفسها . فلما ظهر بعد ذلك قادة آخرون مثل دارلان - الذي انقلب فجأة من التعاون مع الألمان إلى معاداتهم أو مثل جيرو الذي هرب من الاعتقال في المانيا ، ثم انتقل إلي إفريقية الشمالية ، كلاهما لم يلبث أن خرج من
الميدان ، الأول بالقتل ، والثاني بالإقالة أو الاستقالة ، وفي الميدان خاليا ، ليس فيه لفرنسا فائد آخر سوى الجنرال ديجول ، الذي ظل هو الزعيم الوحيد لفرنسا المحاربة في وقت الغزو ، وبقي هو الزعيم الوحيد لفرنسا المحررة .
وهناك من يهمس بأن أكثر الفرنسيين ليس حريصا على الاحتفاظ بزعامة الجنرال ديجول . وآخرون يزعمون أن له نزعات دكتاتورية ، وأنه أقرب شبها بزعماء ألمانيا النازية ، ولذلك لا يصلح لزعامة فرنسا ، ولئن كانت صفاته تؤهله لقيادة حركة ثورية ، فإن تلك الصفات بالذات لا تؤهله للتمهيد للسلم ولحياة السلم . ولئن صح هذا القول أو ذاك فإن الأحداث وحدها سترينا إن كان الشعب الفرنسي سيتمسك بزعامة ديجول أو يتخلي عنه . ولقد رأينا ديجول في فترات مختلفة يبدي شيئا من المرونة السياسية في مناسبات عديدة ، ولكنا كذلك قد رأيناه يرتكب أخطاء دفعته إليها الغطرسة والغرور ، وهي تتنافي تماما مع مصلحة فرنسا الحقيقية ، وآخر هذه الأمور امتناعه عن مقابلة الرئيس روزفلت في الجزائر . وروزفلت شيخ وقور قد ألح عليه السقم وهو يمثل في شخصه الولايات المتحدة كلها ، التي بذلت مالها ودماء بنيها في تحرير فرنسا . لقد كان هذا المسلك خطأ كبيرا ، وأمرا لم تمله على ديجول مصلحة فرنسا ولاحب فرنسا ، ولا بعد نظر الرجل السياسي . ولكن هذه الغلطات لا يمكن أن تغني علي الخدمات الهائلة التي أسداها ديجول إلى فرنسا ، ولا يمكن أن تنسينا موقفه القوي الجرئ في عام ١٩٤٠ حين كانت دعاية الهزيمة أقوي الدعايات ، واليأس قد تسرب إلى كثير من النفوس .
إن فرنسا لم تسترد بعد مركزها تماما كدولة من الدرجة الأولى . ولكن أحدا لا يشك في أنها ستبلغ هذا المركز بعد زمن غير بعيد . وستبلغه بفضل جهود أبنائها ،
ومساعدة حلفائها . فان استرداد فرنسا مركزها الأول امر لا يفرضه حبنا لفرنسا فقط ، بل هو امر مطلوب لسببين : الأول إزالة آثار الطغيان حتى يرتد كيد الطغاة إلى نحورهم ، وتعود فرنسا إلي سابق مجدها ، على رغم الكابوس الذي اتاحه الطغيان عليها . الثاني : ان الحالة الدولية نفسها تتطلب أن تكون فرنسا دولة من الطراز الأول ، حتى تتكافأ الموازين ، ولا يستبد بشئون العالم فريق محدود من الدول الكبرى . .
ولكننا نريد من فرنسا الجديدة القوية العظيمة أن تجري على سنن العدل ، وأن ترفع بيدها علم الحرية . لقد كانت فرنسا دائما وطن الحرية وحاملة لوائها . وليس يليق بفرنسا ان تحمل علما آخر . فتفقد مكانتها وقيمتها بين الأمم . إن المرء يستطيع ان يدرك ان فرنسا التي تكافح اليوم لاسترداد مكانتها الأولى قد تتوهم ان الحرية التي تطلبها سوريا ولبنان امر يؤذي عظمة فرنسا او ينقص من جلالها ، ولكن مثل هذا الوهم لا يمكن ان يتسرب إلا إلى عدد قليل من ذوي النفوس الصغيرة والأفق الضيق ، الذين يظنون ان إرهاق الشعوب واضطهادهم من مظاهري العظمة والسلطان . وينسون ان المرء لا يستطيع ان ينقم على الظلم في أوربا ويرتضيه في آسيا ، أو أن يطالب بالحرية لوطنه ، وينقم على المطالبين بها في بلاد تربطها به رابطة الصداقة والمعاونة
ولسنا نريد هنا أن نكرر ما وعدت به فرنسا مرارا من الاعتراف بحرية سوريا ولبنان ، أو المعاهدة التي ابرمت في عام ١٩٣٦ بين فرنسا وسوريا ، ولم يوافق عليها مع الاسف البرلمان الفرنسي ، أو الوعود الصريحة التى صدرت من ديجول نفسه ، في صيف ١٩٤١ ، قبيل غزو سوريا ولبنان ، عندما اعلن ممثلو الحكومة البريطانية والفرنسية معا اعترافهم بأن سوريا ولبنان كلاهما بلد حر مستقل . ولكننا إذا لم نرد ترديد هذه الوعود اليوم على أنها تمثل
حقوقا مكتسبة لسوريا ولبنان ، فاننا مع ذلك لابد لنا ان نرددها ، لكي ننبه إلى ان الحنث بها عمل لن يقتصر أذاه على علاقة فرنسا بسوريا ولبنان ، بل سيتجاوزها إلى العالم أجمع ، لأن إخلاف الوعد يصم المخلفين بالحنث في كل مكان وزمان ، ويفسد الخلق الدولي كله ، ويملؤه بالسموم . فليس يعقل أن يكون المرء صادقا في أوربا وكاذبا في آسيا ، حافظا للعهود مع زيد من الناس ، وخائنا للعهد مع عمرو .
إن الدرس الأول الذي علمتنا إياه هذه الحرب ، في جميع ظروفها وملابساتها ، هو ان اكبر ما يشكوه العالم من العلل والأمراض ، هو مرض الأخلاق الدولية ، وقيامها على الأثرة والأنانية الخاطئة .
وأقول الأنانية الخاطئة عن عمد ، لأن الأنانية الحكيمة ، أي المنفعة الذاتية الحقيقية لكل دولة من الدول هي ان يسود جميع العلاقات الدولية روح العدل والإنصاف ، كما ان رخاء لن يتم إلا إذا عم الرخاء جميع دوله وشعوبه ، فاذا طالبنا فرنسا اليوم ان تسلك مع الدول العربية في الشرق الأوسط وفي بلاد المغرب مسلكا كريما قوما ، فاننا لا يدفعنا لهذا الطلب حبنا للدول العربية فحسب ، بل حبنا لأن نري فرنسا كما عهدناها مصيرة الحرية والعدل في كل قطر ووطن

