يري بعض المعنيين بنهضتنا الفكرية أن آدابنا قطعت في مضمار التقدم شوطا لم يقطعه سواها من سائر فروع المعرفة ، وأنها لذلك لم تعد في حاجة إلى رعاية ومؤازرة . . هؤلاء ينعمون بأحلام ذهبية بعيدة عن الواقع ، بل مناقضة له . فالأدب عندنا مازال في ذيل نهضتنا الحديثة ، وليس في ذلك خروج عن المألوف ، لأن رقي الفكر يترتب على رقى الحياة المادية وفق نظام التفاعل الذي سيأتي شرحه بعد . والأدب وليد السمو الفكري ، وتجويده يتطلب مواهب لا تنضح النضح المنشود إلا بعد خبرة أجيال وأجيال يؤثر الأدب والفكر كل منهما في الآخر خلالها تأثيرا متبادلا متواليا . أما تحصيل ألوان العلوم والمعارف الأخرى فلا يشق على طلابها مثلما يشقي الأدب البعيد الأغوار ، المنوع الألوان ، المترابي الأطراف .
ويري آخرون أن الأمور تجري عندنا في مجراها الطبيعي ، فنهضة مصر الأدبية ملائمة لها ، جديرة بها . والذي يطلب من الأدب أن يسمو إلى مكانة لم تسم حالة البلاد إلى مثلها يطلب شططا . . لأنه يطلب امرا غير طبيعي . ونحن نحسب أن أصحاب هذا الرأي أدركوا الصواب من ناحية ، وأخطأوه من ناحية أخرى . فمما لاشك فيه أن أدبنا وليد ظروفنا وملابساتنا ، وانه لم يرق إلا بالقدر الذي سمحت به هذه الظروف والملابسات . أما القول بأن الذي يطلب تغيير هذا الوضع بطلب شططا ، فيرد عليه أصحاب المذهب الثالث . . .
هؤلاء يرون أن على الناس أن يحاولوا السيطرة على الظروف والملابسات المحيطة بهم ، ويعملوا على تحويرها تحويرا يلائمهم ويساعدهم على سرعة التقدم والارتقاء . وتحسب أن الإشارة إلى بعض المذاهب الفلسفية المتصلة بهذا البحث قبل الاسترسال فيه قد تنير بعض جوانبه الغامضة .
رأي ديكارت ومن تلاه من طلائع فلاسفة العصر الحديث أن الناس خاضعون كل الخضوع لأحكام الحياة المحيطة بهم . فالوجود قائم على أصول ثابتة ، سائر وفق نظم ونواميس لا تتبدل . والإنسان عاجز عن أن يغير قتيلا من تلك الأصول والنظم والنواميس ، ولذلك نراه يتكيف وفق أحكامها ، ويبذل جهده ليلائم بين حوائجه ومقتضياتها . وقد عرف مذهب هؤلاء الفلاسفة بالمذهب الآلي . أو " الميكانيكى " لأنه يقول بأن الوجود يجري كما تجري الآلة على وتيرة واحدة .
ثم جاء بعد ذلك الفلاسفة الفرديون ، أو المثاليون كما يسميهم الشراح ، وقالوا بأن الوجود لا يسير إلا بإرادة العباقرة من الرجال ، فهؤلاء هم الذين يغيرون التاريخ وفق رغائبهم ، وهم الذين يرفعون الأمم ويخفضونها وفق أهوائهم ؟ وليس التاريخ العام إلا مجموعة سير أولئك العظماء ، وليست الحضارات إلا من خلق عبقرياتهم ، وقد تمكن الناس بفضلهم من التحكم في الطبيعة ، والسيطرة على عناصرها الجامحة ، وتسخيرها في سبيل منافعهم ومصالحهم . . .
وقد أذن هذان المذهبان الفلسفيان بظهور المذهب الصحيح الحديث الذي استخلص من سابقيه ما تضمنا من صواب ، وصقله وصفاء مما علق به من زيف ؛ وخلاصة ما قال به هذا المذهب أن الناس من ناحية وما يحيط بهم من مقومات حياتهم المادية والاجتماعية من ناحية اخرى ، يتفاعل كل منهما مع الآخر تفاعلا متبادلا ؛ فالناس يشيدون منازلهم ، ويصنعون ما يحتاجون إليه من متاع ، وينشئون مؤسساتهم الأدبية والفنية والعلمية ، فإذا كل هذا ينشئ بدوره حالة جديدة لأولئك الناس ويخلق لهم عقلية جديدة ، وينبت فيهم آراء مستحدثة ، ويكشف عن آفاق فكرية غير مطروقة ، وإذا هم ينتقلون إلى طور جديد ، ويصبحون
أقدر على تحسين ما ينتجون وينشئون ، ثم يتأثرون بما أخذوا ينتجون وينشئون ، وهكذا تدور الحياة ويحدث التقدم .
وتحسب أن هذا الذهب يزداد وضوحا إذا ما توسعنا في تطبيقه العملي ؛ ولعل المقارنة بين قطان المدن وقطان الريف ، أو بين الشعوب المتحضرة قبل اختراع الآلة الميكانيكية وبعد اختراعها يسرت علينا مهمة الشرح أي تيسير .
مختلف سكان المدن عن سكان الريف الدين لا عهد لهم بالدن في آرائهم ومعتقداتهم وأذواقهم ، ولا نحسب أحدا يري أن هذا الاختلاف محل خلاف ؛ ولم تتكون عقلية سكان المدن هذا التكون الخالص إلا بتأثير المشاهد المادية والظواهر الاجتماعية المحيطة بأصحابها ؛ ومن أهم تلك المشاهد والظواهر الدور وما اشتملت عليه من رباش ، والمحافل والمسارح والمعارض والمنتديات والمتنزهات والطرق المرصوفة ومركبات النقل ووسائل الراحة والمتعة . بل والملابس والمآكل والمشارب ، ولم يتم تشييد المدن الكبيرة التى تراها اليوم ، لأن جماعة من أهل الفكر خطر لهم قبل عصر ازدهار المدن أن يشيدوها فوضعوا تصميمها على النحو الذى نراه الآن ، ولكن مقومات المدن الحديثة لم تتوافر وتكتمل إلا بعد تطور طويل الأمد وقع فيه التأثير المتبادل بينها وبين قطانها على النحو الذي ذكرناه .
أما الذي كان له أخطر الأثر في تشييد المدن الحديثة وتسديد الخطي في الاتجاهات الفكرية العصرية فهو اختراع الآلة الميكانيكية . فهذه الآلة مكنت من إنتاج البضائع بالجملة . وأسفر ذلك عن ظهور الطبقة المتوسطة التى استطاعت أن تنزع النفوذ والسلطان من الأشراف بعد أن تمت لها السيطرة على الإنتاج . ولم يلبث إنتاجها المطرد النماء ، وطرق توزيعه ، وما ترتب على ذلك من تغيير في الأوضاع الاقتصادية أن مهد السبيل لظهور معتقدات ومثل فكرية جديدة ملائمة لهذه الطبقة ، وأخذت المعتقدات والمثل التى كانت سائدة في عهد الأشراف تتقلص وتقيدد . وعلى ذلك تكون الآلة الميكانيكية التي أبدعها الناس هي التي أبدعت لهم اتجاهاتهم الفكرية الحديثة ، ووجهات نظرهم الجديدة .
ولكن هل حدث الانقلاب الآلي ، وازدهار الإنتاج ونماء المدن على نحوها نري دفعة واحدة بغير تمهيد وبغير تطور ؟ هل طلع على السكون أيام عصور الإقطاع عباقرة تكشف لهم
الغيب ، وهبط عليهم الوحي ، فرأوا كما سبق القول أن حضارة المدن ستدفع بالإنسانية قدما في سبيل الرقي ، فعملوا على تشييد هذه المدن الحديثة وأتموا ذلك بين يوم وليلة!.. أو أنهم عملوا على تشييد المصانع ، وقلب النظام الاقتصادي الإقطاعي بين عشية وضحاها ؟ ! . إن شيئا من هذا لم يحدث ، ولكن الذي حدث هو تطور سار الهوينا ابتداء من العصر الحجري حين اهتدى الإنسان إلى صنع ما احتاج إليه آنذاك من أدوات بدائية ، ثم تأثر بما صنع ونما فكره قليلا ، واكتسب شيئا من الخبرة ، وازداد قوة ملاحظة وفطنة ، وصار أقدر على تحسين مصنوعاته ، وإذا قيل إن المران سبيل التجويد والإتقان ، فسبب ذلك أن الإنسان يتأثر بما ينتج ويزداد به خبرة وفطنة ، فيجئ إنتاجه الجديد خيرا من سابقه . ثم يتدرج في صناعته مستفيدا من تجويده متدرجا في سبيل الإتقان تدرجا لاغني عنه ، لأنه لا يستطيع أن يصل إلى الإجادة طفرة واحدة ، وهكذا ظل الناس منذ العصر الحجري يخترعون من أنواع الإنتاج ما هم في حاجة إليه ، ويتأثرون به ثم يؤثرون فيه ، ويستفيدون منه ويفيدونه حتى وصلت حضارتهم إلى ما وصلت إليه اليوم .
هذه هي وسيلة التطور العام الذي يسمو بإنتاج الناس وعقليتهم على التوالى . وفي ركابه تتطور علوم الناس وآدابهم وفنونهم ومثلهم ومعتقداتهم وقوانينهم وقواعد أخلاقهم ، وأوجه نشاطهم الفكري كافة . وكل فرع من فروع هذه المعارف لا يتفاعل مع ما يحيط به من ظروف وملابسات فحسب ، ولكنه يتفاعل كذلك مع باقي تلك الفروع ، ثم يتأثر معها باتجاه التطور العام . وإذا كان الكاتب يتأثر بقرائه ويؤثر فيهم ، فإنه وقراءه يتاثرون بمجتمعهم ويؤثرون فيه ، وهؤلاء جميعا يتأثرون بالتطور العام ويؤثرون فيه . كبر هذا التأثير أو صغر ، وطال ، الزمن أو قصر . فكل فرع يدور في فلكه ، والأفرع كافة تدور في محيط الفلك العام متأثرة به ومؤثرة فيه .
وإذا حاولنا أن ندرس نهضتنا الحديثة على ضوء ما قدمنا ، فلا بد من أن نعود إلى الوراء ، وتمحص حالتنا قبل انبثاق بشائر تلك النهضة . لقد عاشت مصر على الزراعة منقطعة الصلة بأوربا ونهضتها الحديثة حتى فتحها الفرنسيون . وقد
تحدثنا عن الصناعة وأثرها في تقدم الأمم ، أما الزراعة فليس لها تأثير من هذا القبيل ، لأنها تجري عاما بعد عام على وثيرة واحدة ، فلا تفيد المشتغلين بها خبرة ترفع من مستواهم الفكري . والزرع ينمو ببطء فيصيب القائمين عليه بالجمود . ثم إن الزراعة لا تتطلب إنشاء المدن الكبيرة التي يتكاتف فيها عدد السكان فيهيئ تكاتفهم سبيل إنشاء المؤسسات التي تحدثنا عنها ، ويحدث التفاعل الذي ذكرناه بين أولئك السكان وما يحيط بهم من مقومات حياتهم المادية والمعنوية . . وعلى هذا ظلت مصر تعاني الركود الذي ثبته وأيده وقوعها في أيدي الغزاة الشرقيين الذين اتخذوا منها مخزنا يمدهم بالغلة والمال ، وظلت حالها هكذا حتى دخلها الفرنسيون ، فأيقظت مدافع نابليون شعب مصر من سباته ، وحملته على التطلع إلى الغرب وحضارته التي أكسبته هذه القوة . . وجاء محمد على باشا فوجد الجو مهيأ للنهوض بالبلاد اقتصاديا وفكريا ، فدرج كما درج من ولوا حكم البلاد من بعده على اقتباس علوم أوربا وأساليب العيش فيها كما هو معلوم . وأخذت النهضة تدب في أوصال البلاد .
أنشئت المصانع لأغراض مدنية وعسكرية ، وشيدت الدور ، ورصفت الشوارع ، وأقيمت المدارس العالية على غرار ما هو قائم في أوربا ، وأخذ الناس يغيرون أساليب عيشهم ، وقد تناول التغيير حتى الزي العسكري والمدني ثم طفق يسرع في خطاه ابتداء من عهد إسماعيل باشا ، ولكن ذلك التغيير المادي والمعنوي لم يؤثر في العقلية المصرية وبنهض بها نهضة أدبية إلا قبيل الثورة العرابية ، وكانت الثمرة الأولى لليقظة الفكرية إدراك الشعب لحقوقه وتمسكه بها ، واستفاضة شعوره بالكرامة الشخصية والعزة القومية ؛ وحين أراد حملة الأقلام من شعراء وكتاب أن يعبروا عن مشاعرهم الجديدة لم يجدوا مجالا للمران على التعبير إلا في محيط الأدب العربي الإسلامي ، وسرعان ما اتصلت نهضتنا الأدبية بنهضات العرب الأدبية في العصور السالفة ، وسار التطور في طريق طبيعي مهد ، لأن نهضة مصر المادية لم تكن قد أثرت حينذاك في العقلية المصرية تأثيرا كيفيا عميقا يقطع صلتها التاريخية بالعقلية العربية .
ولكن دخول الانجليز مصر ، وما أعقب ذلك من
توسع في الأخذ بمقومات المدنية الغربية والأطلاع على العلوم والفنون والآداب الأجنبية ، ثم وقوع الحربين العالميتين ، وانتعاش اقتصاد البلاد بسببهما ، دفع حركة التطور دفعة قوية إلى الأمام ، وزاد من تطلع المصريين إلى الغرب ، أملا في الخلاص من ريقة القديم واللحاق بالركب الحضاري العام .
والذي يستخلص مما تقدم أننا بدأنا نأخذ منذ مستهل القرن الماضي بأسباب الحضارة الأوربية ، واستعنا أول الأمر بالأجانب لتشييد صرح نهضتنا ، ثم طفقنا نتعلم علومهم وتستفيد من خبرتهم حتى استطعنا أن تقطع بعض شوطهم ولكن مظاهر نهضتنا أسبق في التقدم على حقيقة مقدرتنا التي لم تتضح ، لأن نضجها يتطلب طول عهد التفاعل الذي كررنا الحديث عنه ، هذا إلى أن صناعتنا لم تبلغ من الاتساع والشمول بعض القدر الضروري لازدهار النهضات الكبرى .
ولعل القارئ يذكر ما قلنا عن الفرق بين تأثير الصناعة وتأثير الزراعة في تقدم الأمم . أما نهضتنا الحديثة قظمرة ثم تسر في طريق التدرج والتطور الطبيعي وليس معنى هذا اننا أخطانا في النهج الذي نهجناه ، وأنه كان أولى بنا أن نتمهل في تقدمنا وتتريث ، ولكن مقصدنا مما نقول أن تبين أسباب عدم نضجنا إلى الآن .
وما دامت عقليتنا لم تستطع أن تجاري نهضتنا المادية في سرعة رقيها ، فمن الطبيعي أن تظل نهضتنا الثقافية في مستوي عقليتنا . ومن شواهد تخلف النشاط العلمي والفني والأدبى عندنا ، أننا إذا ما استثنينا أفذاذنا الذين لا يقاس عليهم ، نجد أن تقدمنا المهني سابق على تقدمنا الفكري والفني . ففي محيط الطب نجد الإقبال على التطبيب دون البحوث العلمية . وفي القانون نجد الإقبال على المحاماة والقضاء دون البحوث والشروح . والإقبال في الهندسة على فن البناء دون التوسع والتمكن من فنون التصميم والزخرفة . . وهكذا نجد حال سائر فروع المعرفة . . ولعلنا نري أصل ذلك في إقبال تلاميذ المدارس على تحصيل دروس البرامج دون الكتب الثقافية المقررة . . إننا نعمل ولكننا لم نحصل بعد فوائد تجاربنا ، لأن ذلك يحتاج إلى مندوحة من الوقت حتى يسفر التفاعل عن الانصهار المرجو
وليس معنى هذا أن ننفض يدنا مما يقع لنا . ونلقي بحبل
( البقية على الصفحة التالية )
تقدمنا على كاهل الزمن . بل على ذوي السلطان منا أن يبذلوا ما وسعهم من جهد لتنشيط حركة التطور . عليهم أن يؤيدوا الصناعة ويعمموها حتى تتحول مصر إلى بلد صناعي وأن يشجعوا أوجه نشاطنا العلمي والأدبي والفني ، ويضموا لذلك المشاريع ويباشروا تنفيذها حتى يتم التفاعل بين التقدمين الصناعي والفكري ، فتزداد سرعة تقدم كل منهما . وأن يغرسوا في النشء حب الإطلاع ، ويفتحوا لهم أبواب المتاحف والمعارض والمسارح والمكتبات العامة ، حتى تنتعش الكتابة ، ويقع التفاعل بين الكتاب وقرائهم . . كل ذلك يجب أن يتم ، بل يجب أن نبدأ فنبحث كيف يتم على وجه علمى منظم .
