الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 639 الرجوع إلى "الثقافة"

نهضتنا الثقافية، وعلاقتها بنهضتنا العامة

Share

يري بعض المعنيين بنهضتنا الفكرية أن آدابنا قطعت في مضمار التقدم شوطا لم يقطعه سواها من سائر فروع المعرفة ، وأنها لذلك لم تعد في حاجة إلى رعاية ومؤازرة . . هؤلاء ينعمون بأحلام ذهبية بعيدة عن الواقع ، بل مناقضة له . فالأدب عندنا مازال في ذيل نهضتنا الحديثة ، وليس في ذلك خروج عن المألوف ، لأن رقي الفكر يترتب على رقى الحياة المادية وفق نظام التفاعل الذي سيأتي شرحه بعد . والأدب وليد السمو الفكري ، وتجويده يتطلب مواهب لا تنضح النضح المنشود إلا بعد خبرة أجيال وأجيال يؤثر الأدب والفكر كل منهما في الآخر خلالها تأثيرا متبادلا متواليا . أما تحصيل ألوان العلوم والمعارف الأخرى فلا يشق على طلابها مثلما يشقي الأدب البعيد الأغوار ، المنوع الألوان ، المترابي الأطراف .

ويري آخرون أن الأمور تجري عندنا في مجراها الطبيعي ، فنهضة مصر الأدبية ملائمة لها ، جديرة بها . والذي يطلب من الأدب أن يسمو إلى مكانة لم تسم حالة البلاد إلى مثلها يطلب شططا . . لأنه يطلب امرا غير طبيعي . ونحن نحسب أن أصحاب هذا الرأي أدركوا الصواب من ناحية ، وأخطأوه من ناحية أخرى . فمما لاشك فيه أن أدبنا وليد ظروفنا وملابساتنا ، وانه لم يرق إلا بالقدر الذي سمحت به هذه الظروف والملابسات . أما القول بأن الذي يطلب تغيير هذا الوضع بطلب شططا ، فيرد عليه أصحاب المذهب الثالث . . .

هؤلاء يرون أن على الناس أن يحاولوا السيطرة على الظروف والملابسات المحيطة بهم ، ويعملوا على تحويرها تحويرا يلائمهم ويساعدهم على سرعة التقدم والارتقاء . وتحسب أن الإشارة إلى بعض المذاهب الفلسفية المتصلة بهذا البحث قبل الاسترسال فيه قد تنير بعض جوانبه الغامضة .

رأي ديكارت ومن تلاه من طلائع فلاسفة العصر الحديث أن الناس خاضعون كل الخضوع لأحكام الحياة المحيطة بهم . فالوجود قائم على أصول ثابتة ، سائر وفق نظم ونواميس لا تتبدل . والإنسان عاجز عن أن يغير قتيلا من تلك الأصول والنظم والنواميس ، ولذلك نراه يتكيف وفق أحكامها ، ويبذل جهده ليلائم بين حوائجه ومقتضياتها . وقد عرف مذهب هؤلاء الفلاسفة بالمذهب الآلي . أو " الميكانيكى " لأنه يقول بأن الوجود يجري كما تجري الآلة على وتيرة واحدة .

ثم جاء بعد ذلك الفلاسفة الفرديون ، أو المثاليون كما يسميهم الشراح ، وقالوا بأن الوجود لا يسير إلا بإرادة العباقرة من الرجال ، فهؤلاء هم الذين يغيرون التاريخ وفق رغائبهم ، وهم الذين يرفعون الأمم ويخفضونها وفق أهوائهم ؟ وليس التاريخ العام إلا مجموعة سير أولئك العظماء ، وليست الحضارات إلا من خلق عبقرياتهم ، وقد تمكن الناس بفضلهم من التحكم في الطبيعة ، والسيطرة على عناصرها الجامحة ، وتسخيرها في سبيل منافعهم ومصالحهم . . .

وقد أذن هذان المذهبان الفلسفيان بظهور المذهب الصحيح الحديث الذي استخلص من سابقيه ما تضمنا من صواب ، وصقله وصفاء مما علق به من زيف ؛ وخلاصة ما قال به هذا المذهب أن الناس من ناحية وما يحيط بهم من مقومات حياتهم المادية والاجتماعية من ناحية اخرى ، يتفاعل كل منهما مع الآخر تفاعلا متبادلا ؛ فالناس يشيدون منازلهم ، ويصنعون ما يحتاجون إليه من متاع ، وينشئون مؤسساتهم الأدبية والفنية والعلمية ، فإذا كل هذا ينشئ بدوره حالة جديدة لأولئك الناس ويخلق لهم عقلية جديدة ، وينبت فيهم آراء مستحدثة ، ويكشف عن آفاق فكرية غير مطروقة ، وإذا هم ينتقلون إلى طور جديد ، ويصبحون

أقدر على تحسين ما ينتجون وينشئون ، ثم يتأثرون بما أخذوا ينتجون وينشئون ، وهكذا تدور الحياة ويحدث التقدم .

وتحسب أن هذا الذهب يزداد وضوحا إذا ما توسعنا في تطبيقه العملي ؛ ولعل المقارنة بين قطان المدن وقطان الريف ، أو بين الشعوب المتحضرة قبل اختراع الآلة الميكانيكية وبعد اختراعها يسرت علينا مهمة الشرح أي تيسير .

مختلف سكان المدن عن سكان الريف الدين لا عهد لهم بالدن في آرائهم ومعتقداتهم وأذواقهم ، ولا نحسب أحدا يري أن هذا الاختلاف محل خلاف ؛ ولم تتكون عقلية سكان المدن هذا التكون الخالص إلا بتأثير المشاهد المادية والظواهر الاجتماعية المحيطة بأصحابها ؛ ومن أهم تلك المشاهد والظواهر الدور وما اشتملت عليه من رباش ، والمحافل والمسارح والمعارض والمنتديات والمتنزهات والطرق المرصوفة ومركبات النقل ووسائل الراحة والمتعة . بل والملابس والمآكل والمشارب ، ولم يتم تشييد المدن الكبيرة التى تراها اليوم ، لأن جماعة من أهل الفكر خطر لهم قبل عصر ازدهار المدن أن يشيدوها فوضعوا تصميمها على النحو الذى نراه الآن ، ولكن مقومات المدن الحديثة لم تتوافر وتكتمل إلا بعد تطور طويل الأمد وقع فيه التأثير المتبادل بينها وبين قطانها على النحو الذي ذكرناه .

أما الذي كان له أخطر الأثر في تشييد المدن الحديثة وتسديد الخطي في الاتجاهات الفكرية العصرية فهو اختراع الآلة الميكانيكية . فهذه الآلة مكنت من إنتاج البضائع بالجملة . وأسفر ذلك عن ظهور الطبقة المتوسطة التى استطاعت أن تنزع النفوذ والسلطان من الأشراف بعد أن تمت لها السيطرة على الإنتاج . ولم يلبث إنتاجها المطرد النماء ، وطرق توزيعه ، وما ترتب على ذلك من تغيير في الأوضاع الاقتصادية أن مهد السبيل لظهور معتقدات ومثل فكرية جديدة ملائمة لهذه الطبقة ، وأخذت المعتقدات والمثل التى كانت سائدة في عهد الأشراف تتقلص وتقيدد . وعلى ذلك تكون الآلة الميكانيكية التي أبدعها الناس هي التي أبدعت لهم اتجاهاتهم الفكرية الحديثة ، ووجهات نظرهم الجديدة .

ولكن هل حدث الانقلاب الآلي ، وازدهار الإنتاج ونماء المدن على نحوها نري دفعة واحدة بغير تمهيد وبغير تطور ؟ هل طلع على السكون أيام عصور الإقطاع عباقرة تكشف لهم

الغيب ، وهبط عليهم الوحي ، فرأوا كما سبق القول أن حضارة المدن ستدفع بالإنسانية قدما في سبيل الرقي ، فعملوا على تشييد هذه المدن الحديثة وأتموا ذلك بين يوم وليلة!.. أو أنهم عملوا على تشييد المصانع ، وقلب النظام الاقتصادي الإقطاعي بين عشية وضحاها ؟ ! . إن شيئا من هذا لم يحدث ، ولكن الذي حدث هو تطور سار الهوينا ابتداء من العصر الحجري حين اهتدى الإنسان إلى صنع ما احتاج إليه آنذاك من أدوات بدائية ، ثم تأثر بما صنع ونما فكره قليلا ، واكتسب شيئا من الخبرة ، وازداد قوة ملاحظة وفطنة ، وصار أقدر على تحسين مصنوعاته ، وإذا قيل إن المران سبيل التجويد والإتقان ، فسبب ذلك أن الإنسان يتأثر بما ينتج ويزداد به خبرة وفطنة ، فيجئ إنتاجه الجديد خيرا من سابقه . ثم يتدرج في صناعته مستفيدا من تجويده متدرجا في سبيل الإتقان تدرجا لاغني عنه ، لأنه لا يستطيع أن يصل إلى الإجادة طفرة واحدة ، وهكذا ظل الناس منذ العصر الحجري يخترعون من أنواع الإنتاج ما هم في حاجة إليه ، ويتأثرون به ثم يؤثرون فيه ، ويستفيدون منه ويفيدونه حتى وصلت حضارتهم إلى ما وصلت إليه اليوم .

هذه هي وسيلة التطور العام الذي يسمو بإنتاج الناس وعقليتهم على التوالى . وفي ركابه تتطور علوم الناس وآدابهم وفنونهم ومثلهم ومعتقداتهم وقوانينهم وقواعد أخلاقهم ، وأوجه نشاطهم الفكري كافة . وكل فرع من فروع هذه المعارف لا يتفاعل مع ما يحيط به من ظروف وملابسات فحسب ، ولكنه يتفاعل كذلك مع باقي تلك الفروع ، ثم يتأثر معها باتجاه التطور العام . وإذا كان الكاتب يتأثر بقرائه ويؤثر فيهم ، فإنه وقراءه يتاثرون بمجتمعهم ويؤثرون فيه ، وهؤلاء جميعا يتأثرون بالتطور العام ويؤثرون فيه . كبر هذا التأثير أو صغر ، وطال ، الزمن أو قصر . فكل فرع يدور في فلكه ، والأفرع كافة تدور في محيط الفلك العام متأثرة به ومؤثرة فيه .

وإذا حاولنا أن ندرس نهضتنا الحديثة على ضوء ما قدمنا ، فلا بد من أن نعود إلى الوراء ، وتمحص حالتنا قبل انبثاق بشائر تلك النهضة . لقد عاشت مصر على الزراعة منقطعة الصلة بأوربا ونهضتها الحديثة حتى فتحها الفرنسيون . وقد

تحدثنا عن الصناعة وأثرها في تقدم الأمم ، أما الزراعة فليس لها تأثير من هذا القبيل ، لأنها تجري عاما بعد عام على وثيرة واحدة ، فلا تفيد المشتغلين بها خبرة ترفع من مستواهم الفكري . والزرع ينمو ببطء فيصيب القائمين عليه بالجمود . ثم إن الزراعة لا تتطلب إنشاء المدن الكبيرة التي يتكاتف فيها عدد السكان فيهيئ تكاتفهم سبيل إنشاء المؤسسات التي تحدثنا عنها ، ويحدث التفاعل الذي ذكرناه بين أولئك السكان وما يحيط بهم من مقومات حياتهم المادية والمعنوية . . وعلى هذا ظلت مصر تعاني الركود الذي ثبته وأيده وقوعها في أيدي الغزاة الشرقيين الذين اتخذوا منها مخزنا يمدهم بالغلة والمال ، وظلت حالها هكذا حتى دخلها الفرنسيون ، فأيقظت مدافع نابليون شعب مصر من سباته ، وحملته على التطلع إلى الغرب وحضارته التي أكسبته هذه القوة . . وجاء محمد على باشا فوجد الجو مهيأ للنهوض بالبلاد اقتصاديا وفكريا ، فدرج كما درج من ولوا حكم البلاد من بعده على اقتباس علوم أوربا وأساليب العيش فيها كما هو معلوم . وأخذت النهضة تدب في أوصال البلاد .

أنشئت المصانع لأغراض مدنية وعسكرية ، وشيدت الدور ، ورصفت الشوارع ، وأقيمت المدارس العالية على غرار ما هو قائم في أوربا ، وأخذ الناس يغيرون أساليب عيشهم ، وقد تناول التغيير حتى الزي العسكري والمدني ثم طفق يسرع في خطاه ابتداء من عهد إسماعيل باشا ، ولكن ذلك التغيير المادي والمعنوي لم يؤثر في العقلية المصرية وبنهض بها نهضة أدبية إلا قبيل الثورة العرابية ، وكانت الثمرة الأولى لليقظة الفكرية إدراك الشعب لحقوقه وتمسكه بها ، واستفاضة شعوره بالكرامة الشخصية والعزة القومية ؛ وحين أراد حملة الأقلام من شعراء وكتاب أن يعبروا عن مشاعرهم الجديدة لم يجدوا مجالا للمران على التعبير إلا في محيط الأدب العربي الإسلامي ، وسرعان ما اتصلت نهضتنا الأدبية بنهضات العرب الأدبية في العصور السالفة ، وسار التطور في طريق طبيعي مهد ، لأن نهضة مصر المادية لم تكن قد أثرت حينذاك في العقلية المصرية تأثيرا كيفيا عميقا يقطع صلتها التاريخية بالعقلية العربية .

ولكن دخول الانجليز مصر ، وما أعقب ذلك من

توسع في الأخذ بمقومات المدنية الغربية والأطلاع على العلوم والفنون والآداب الأجنبية ، ثم وقوع الحربين العالميتين ، وانتعاش اقتصاد البلاد بسببهما ، دفع حركة التطور دفعة قوية إلى الأمام ، وزاد من تطلع المصريين إلى الغرب ، أملا في الخلاص من ريقة القديم واللحاق بالركب الحضاري العام .

والذي يستخلص مما تقدم أننا بدأنا نأخذ منذ مستهل القرن الماضي بأسباب الحضارة الأوربية ، واستعنا أول الأمر بالأجانب لتشييد صرح نهضتنا ، ثم طفقنا نتعلم علومهم وتستفيد من خبرتهم حتى استطعنا أن تقطع بعض شوطهم ولكن مظاهر نهضتنا أسبق في التقدم على حقيقة مقدرتنا التي لم تتضح ، لأن نضجها يتطلب طول عهد التفاعل الذي كررنا الحديث عنه ، هذا إلى أن صناعتنا لم تبلغ من الاتساع والشمول بعض القدر الضروري لازدهار النهضات الكبرى .

ولعل القارئ يذكر ما قلنا عن الفرق بين تأثير الصناعة وتأثير الزراعة في تقدم الأمم . أما نهضتنا الحديثة قظمرة ثم تسر في طريق التدرج والتطور الطبيعي وليس معنى هذا اننا أخطانا في النهج الذي نهجناه ، وأنه كان أولى بنا أن نتمهل في تقدمنا وتتريث ، ولكن مقصدنا مما نقول أن تبين أسباب عدم نضجنا إلى الآن .

وما دامت عقليتنا لم تستطع أن تجاري نهضتنا المادية في سرعة رقيها ، فمن الطبيعي أن تظل نهضتنا الثقافية في مستوي عقليتنا . ومن شواهد تخلف النشاط العلمي والفني والأدبى عندنا ، أننا إذا ما استثنينا أفذاذنا الذين لا يقاس عليهم ، نجد أن تقدمنا المهني سابق على تقدمنا الفكري والفني . ففي محيط الطب نجد الإقبال على التطبيب دون البحوث العلمية . وفي القانون نجد الإقبال على المحاماة والقضاء دون البحوث والشروح . والإقبال في الهندسة على فن البناء دون التوسع والتمكن من فنون التصميم والزخرفة . . وهكذا نجد حال سائر فروع المعرفة . . ولعلنا نري أصل ذلك في إقبال تلاميذ المدارس على تحصيل دروس البرامج دون الكتب الثقافية المقررة . . إننا نعمل ولكننا لم نحصل بعد فوائد تجاربنا ، لأن ذلك يحتاج إلى مندوحة من الوقت حتى يسفر التفاعل عن الانصهار المرجو

وليس معنى هذا أن ننفض يدنا مما يقع لنا . ونلقي بحبل

( البقية على الصفحة التالية )

تقدمنا على كاهل الزمن . بل على ذوي السلطان منا أن يبذلوا ما وسعهم من جهد لتنشيط حركة التطور . عليهم أن يؤيدوا الصناعة ويعمموها حتى تتحول مصر إلى بلد صناعي وأن يشجعوا أوجه نشاطنا العلمي والأدبي والفني ، ويضموا لذلك المشاريع ويباشروا تنفيذها حتى يتم التفاعل بين التقدمين الصناعي والفكري ، فتزداد سرعة تقدم كل منهما . وأن يغرسوا في النشء حب الإطلاع ، ويفتحوا لهم أبواب المتاحف والمعارض والمسارح والمكتبات العامة ، حتى تنتعش الكتابة ، ويقع التفاعل بين الكتاب وقرائهم . . كل ذلك يجب أن يتم ، بل يجب أن نبدأ فنبحث كيف يتم على وجه علمى منظم .

اشترك في نشرتنا البريدية