سبق أن قدمنا إلى قراء الثقافة الأستاذ عبد السلام هارون وما يضطلع به من جهد في نشر مكتبة الجاحظ ، وغيرها من ذخائر الكتب العربية النفيسة ، وقد أتم أخيرا الجزء الرابع من كتاب البيان والتبيين ، وألحقه بفهارس مختلفة تذلل الفائدة منه أمام الباحثين .
ولا تتحدث اليوم عن ذلك ، إنما نتحدث عن سلسلة جديدة من عمله رأي أن يزود بها المكتبة العربية الحديثة ، وهي سلسلة لا تقوم على نشر الكتب والمجلدات الضخمة ، وإنما تقوم على نشر الرسائل الصغيرة الطريقة التى تعبر عن فكرة جديدة أو بحت محدود .
وهذه خطوة موفقة ، فإن كثيرا من الرسائل المخطوطة التي لما تنشر قد تحوي من الفائدة العلمية ما لا تحويه دفتا كتاب ضخم ، إذ الرسالة الصغيرة في العادة هي التي تظهر بالآراء الجديدة للمؤلف ، فإن لم تظفر بآراء جديدة ظفرت بموضوع معين يحيط المؤلف بحدوده وأقطاره .
وقد عبر الأستاذ عبد السلام هارون عن ذلك في مقدمته لهذه النوادر ، إذ قال مصورا لقيمتها ومبينا لمنهحة فيها : " رأيت أن عمة الناشرين المحققين تتجه في أغلب ما تتجه إلي المخطوطات ذات الشهرة الظاهرة ، وإلى ما جل مقداره من كتب السلف ، مغفلين في أكثر الأمر هذه الرسائل الصغيرة ، وقديما كان الناس كذلك ، إنما يروقهم ما يملأ ابصارهم ، وما يروعهم بجسامته ويعظمه ، ورب أسد مزير في أنواب رجل نحيف ، فصح مني العزم على أن أكشف عن طائفة من هذه الكتب الصغيرة غطاءها ، وأقدم منها إلى جمهرة الباحثين مادة نادرة ، وأن أجعل هذا في مجموعات متتالية متسلسلة الأرقام والصفحات ، وسيتكون من كل أربع مجموعات مجلد يقع في نحو خمسمائة صفحة ، تنتهي بفهرس عام لما فيها من هذه الرسائل .
وهذه المجموعة الأولى تحوي أربع رسائل مهمة ، هي : الرسالة المصرية لأبي الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي المتوفي سنة ٥٢٨ ه . وكتاب المردفات من قريش لأبي الحسن على بن محمد المدائني المتوفي سنة ٢٢٥ ه . وكتاب من نسب إلى أمه من الشعراء صنعة محمد بن حبيب المتوفي سنة ٢٤٥ م . وتحفة الآبية فيمن نسب إلى غير أبيه لمجد الدين محمد بن يعقوب بن محمد الفيروزابادى المتوفي سنة ٨١٧ ه .
وكل رسالة من هذه الرسائل لها طرافتها ، فالرسالة الأولى كتبت في أوائل القرن السادس للهجرة ، كتبها أبو الصلت عقب زيارته لمصر ، ويقول ابن سعيد في المغرب إنه كان قد خرج من اشبيلية فصحب بالمهدية ملوكها الصنهاجيين وتوجه في رسالة إلى مصر فسجن بالقاهرة في خزانة البنود ، وكان فيها خزائن من أصناف الكتب ، فأقام بها نحو عشرين سنة ، فخرج منها ، وقد برع في علوم كثيرة من حديثة وقديمة ، وصنف كتاب الحديثة على منزع كتاب اليتيمة في فضلاء عصره ، وصنف الرسالة المصرية ، وإنما حبسه المصريون لأن صاحبه الذي أرسله وهو يحيي ابن تميم بن المعز بن باديس كان قد قطع هو وأبوه اسم الخليفة الفاطمي من الخطبة واستقلا عن مصر ، فلم يكرم المصريون رسوله بل حبسوه إهانة له وإزراء عليه .
والرسالة في مقدمتها تشهد بأن أبا الصلت ألفها ليحيى ابن تميم بعد رجوعه إلى حضرته من مصر ، وقد وصف له فيها الديار المصرية وموقها في المعمورة ومجري النيل فيها ، ثم أردف ذلك بنبذ صور فيها جمال ربوعها ومغانيها ، وأحوال أهلها وأجناسهم وأخلافهم وسيرهم وعاداتهم وما يتصل بهم أو ببلدتهم من الآثار العجيبة كالهرمين ، ومن ألوان المعرفة كالطب والتنجيم ؛ وعجب من جهل بعض
الاطباء في مصر كما عجب من ولوع بعض المصريين بأحكام النجوم وكثرة استخدامهم لها ، وقص في ذلك طرفا من النوادر ، ثم تحدث عمن لقبه من الظرفاء والشعراء .
وأظن في ذلك ما يوضح أهمية هذه الرسالة ، فإن بها أخبارا طريفة عن الأحوال الاجتماعية والعلمية والأدبية بمصر أوائل القرن السادس للهجرة ، وقد أشاد بها السابقون واستقوا منها كثيرا في مؤلفاتهم على نحو ما صنع ياقوت في معجم الأدباء والعماد الأصبهاني في الحريدة وابن مماني في قوانين الدواوين والقفطي في أخبار العلماء وابن أبي أصبيعة في عيون الأنباء وابن سعيد في الغرب والمقريزي في الخطط والأدقوي في الطالع السعيد والسيوطي في حسن المحاضرة والمقري في نفح الطيب .
وعلق الأستاذ عبد السلام هارون على هذه الرسالة بتعليقات بديعة كشف فيها عن مواضع الغموض وقابل بين نصوصها ونصوص الكتب التي نقلت عنها ، وأصلحها في غير موضع ؛ ومن الحق أن نقول إن النسخة التيمورية التى نشر عنها هذه الرسالة مشوهة غاية التشويه حرف فيها كثير من الكلم والجمل ، وقد استطاع أن يصلحها جميعا ويعيدها صورتها الأولى إلا ثلاثة مواطن استعصى فيها النص على الإصلاح بسبب أنه غير كامل أو أنه حرف تحريفا تاما ، وتصادف أني كنت أرجع ، إلى الخريدة في قسمها الخاص بصقلية ، وإذا أول هذا القسم ينقله العماد عن الرسالة المصرية لأبي الصلت فيتعرض لموطنين من هذه المواطن الثلاثة ، فأتم ما فيهما من نقص وأصلح ما بهما من تحريف .
ففي ص ٢٢ من المجموعة نجد الرسالة تجري هكذا : " وقد تعاور الشعراء . . الشعاع على صبح . . ووضعت النقط لتدل على أن الكلام في الأصل ناقص ، والعبارة في الخريدة : " وقد تعاور الشعراء وصف وقوع الشعاع علي صفحات الماء " ونلتقى في أعلى ص ٢٣ بيتين محرفين تحريفا تاما ، وأشار إلى ذلك الأستاذ عبد السلام هارون وأنشدهما العماد في الخريدة على هذا النحو :
بشاطئ نهر كأن الزجاج
وصفو اللجين به ذوبا
إذا جمشته الصبا بالضحي
توهمته زردا مذهبا
وبذلك يستقيم موطنان من المواطن الثلاثة ، ويظل موطن ورد في ص ١٩ حيث نجد بيتين غير مكملين ، وأكبر الظن أنهما للصنوبري ، وديوانه غير موجود تحت أيدينا ، ولا أشك في أنهما سينكشفان لحضرة الأستاذ الناشر أثناء بحثه وتنقيره الدائبين في الكتب والدواوين ، وقد جاء في هذه الصفحة نفسها أي ص ١٩ بيت لتميم بن العز في وصف النيل وهو قوله :
فكأنما أمواجه غرف
وكأنما داراته سرر
وأنا أحفظ له رواية ثانية لعلها هي الأصح والأضبط ، إذ تجري على هذه الصورة :
فكأنما أمواجه عكن
وكأنما داراته سرر
والعكن : الطيات حول السرة ، وجاء في آخر هذه الرسالة اسم شاعري مصري هكذا : أبو إسحق إبراهيم بن الأشعث ، وفي الخريدة : إبراهيم بن شعيب ، وكذلك أيضا في حسن المحاضرة ومالك الأبصار .
وإني لأثني على ما بذله الأستاذ عبد السلام هارون في تحقيق هذه الرسالة وأقامه ما فيها من عوج وأمت ، ولولا خبرته النادرة في تحقيق النصوص ما استطاع أن يخرجها في الصورة التي انتهت إليها ؛ وكما بذل جهودا مشكورة في هذه الرسالة بذل كذلك جهودا تشكر له في الرسائل الثلاث الأخرى ، فقد حقق رسالة المردفات من قريش المحداثنى تحقيقا بديعا ، والمردفات هن اللائي خلف عليهن أزواج مختلفون ، وفي كتاب المحبر لابن حبيب فصل في هذا الموضوع ، ولكنه أعم ، إذ يتعرض للمردفات من قريش وغيرهن . وفيه أيضا زيادات خاصة بالقرشيات ، وفيه أيضا بعض مغايرات في الحديث عن المردفات اللائي اشترك فيهن مع المدائني ، تارة في أسماء الأزواج وتارة في تعيين بعض أسمائهن ، غير أن ابن حبيب يكتفى بذكر اسم السيدة ومن تزوجها ، ولا يأتي بشيء من أخبارها وأشعارها إلا قليلا ، أما رسالة المدائنى التى نشرها الأستاذ عبد السلام هارون
فتعطينا في أحوال كثيرة صورة واضحة عن السيدة التي يتحدث عنها ، ومن هنا تأتي اهميتها وتأتي امتيازها على الفصل الذي عقده ابن حبيب في كتابه .
وتتبع هذه الرسالة رسالة من نسب إلى أمه من الشعراء لابن حبيب ، ورسالة تحفة الأبيه فيمن نسب إلى غير أبيه للفيروزابادي ، وهما رسالتان مهمتان جدا لمن يبحث في الشعر القديم والأدب العربي على وجه العموم ، إذ تشرحان حقيقة كثير من الأسماء مثل اسم ابن الزبعري ، وقيس بن الحدادية وابن الدمينة وابن الطترية وعمرو
ابن الإطنابة ممن نسب إلى أمه ؟ ومثل إسحق بن راهويه . وأحمد بن تيمية وسويد بن كراع وعبدالله بن أبي بن سلول ومحمد بن شرف القيرواني محمد بن القوطية ومحمد بن ماجه والمقداد بن الأسود ويونس بن حبيب ممن نسب إلى غير أبيه .
وإننا لنرحب بهذه المجموعة النادرة ونثنى على ما أدى فيها حضرة الناشر من تعب وعناء تعودناهما من قبل في كل ما يحاول من نشر وتحقيق .

