الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 656 الرجوع إلى "الثقافة"

نوادر المخطوطات, المجموعة الثانية، نشر وتحقيق الأستاذ الثبت عبد السلام محمد هارون

Share

هذه هي الحلقة الثانية من تلك السلسلة الطريفة التي يضطلع يبعثها وإحيائها صديقنا العالم الجليل عبد السلام محمد هارون . وليس من شك في أنه وفق إلى أوسع الحدود في التوفيق حين اختار القيام على نشر الرسائل الصغيرة النادرة في عالم المخطوطات العربية بجانب ما يقوم به من نشر بعض الأمهات .

فكل من يتصل بالمخطوطات العربية يعرف أن الرسالة الصغيرة لا تقل أهمية في تاريخ فكرنا العربي عن الكتاب الكبير ، بل ربما كانت الرسالة الصغيرة أشد أهمية ، في العادة يحملها المؤلف إما فكرة جديدة ، أو نصوصا جديدة . ونحن في الكتب الكبيرة إنما نبحث عن هذه الرسائل الصغيرة وما يشبهها ، حتى تقف على الحركات الجديدة في حياتنا العقلية السابقة ، وحتى نطلع على بعض خصائص هذه الحياة .

وقد يكون من تكرار القول أن نشير إلى أننا لا نزال في حاجة إلى نشر التراث العربي وإلى التوسع في ذلك ، وإلى

طائفة من شبابنا الذين ثقفوا مهنة النشر أو يثقفونها ، لبعث كل ما يمكن من الأعمال والمؤلفات التى كتبها الأسلاف والأجداد ، والتي لا تزال مطوية على رفوف المكاتب تنتظر من يتناولها بالإخراج والإحياء .

وقد قدمت الأستاذ الجليل عبد السلام محمد هارون غير مرة وأشدت بمجهوده . وما يبذله فيما ينتشره من عنت وعناء فهو من جهة قد احسن مهنة النشر إلى اقصي حد ممكن ، وهو من جهة امين على ما ينشره . ولست أقصد بالأمانة هنا المحافظة على النص ، ولكني أقصد المحافظة على كل ما يمكن لبعث النص على خير الوجوه من حيث التذييل عليه والتعليق ، في غير تكثر ولا ادعاء . وفي الوقت نفسه في تثبت وثقة بما يقول ويكتب .

وإني أشبه الناشرين من الشباب بمجتهدين . فكل يجتهد حسب ذوقه ، وحسب مايضع لنفسه من مناهج ، وما أحرانا بأن تقبل من كل ذوقه ومنهجه . وما يوفر لعمله من جهود . وحتى إن اختلفنا مع بعض الناشرين . أو لم يجر

ذوقهم مع أذواقنا ولا منهجهم مع منهجنا ، فإني أري أن تقبل منهم عملهم في غير تحفظ .

وفي رأي أنه ينبغي أن تنتظر حتي تكثر الأمثلة والنماذج ، وخاصة عند بعض من لقنوا النشر على أصوله من امثال الأستاذ عبد السلام محمد هارون . وحينئذ يمكن النقد ويمكن التوجيه ، وفي رأي أيضا أن النشر الجيد خير من النقد الجيد في حد ذاته لأن الأول يعطي المثال ، بينما الثاني يشير إليه ، وقد يخرج من الإشارة إلى السخط والإزراء .

وما أحري جماعة الناشرين أن يقوم بينهم التعاون والتآزر ، وان يتعمق ذلك نفوسهم ، فيشعروا بشئ من الإخاء . وحبذا لو أحدثوا نقابة أو جمعية يكون من شأنها لم شتاتهم من جهة ، وتعارفهم من جهة ثانية ، بحيث يمكن أن يتعاونوا في عملهم تعاونا يفيد نشرهم منه .

وإني أرنو إلي هذا اليوم الذي أري فيه كل ناشر قريبا من زميله ، بحيث يعرض عليه ما في النص الذي ينشره من صعاب لعله يجد له منها مخرجا .

وتصحيح النصوص القديمة هو في رأي دائما مسألة احتمالات ، وقد يوفق الناشر في تصحيح يصحح به النص ، وقد لا يوفق ، وهذا لا يضيره بحال ، فالمجتهد إن وفق أجران . وله أيضا إن أخطأ أجر واحد ، ولكنه أجر على كل حال .

ومع أني اتصلت في أوقات متقطعة وعلي أزمان متباعدة ينشر بعض النصوص العربية ، فإني اعترف بأن ما صنعته في هذا الجانب لم يكن في كل مرة إلا صورا من الاحتمالات ، قد أعود أنا ، إن نظرت من جديد في النص ، فأصلحها ، ومن أجل ذلك كنت أقدر كل عمل يتصل بنشر المخطوطات القديمة ، وأعرف مدى ما يلقاه الناشر من صعوبات في عمله ؛ فليس يعلم إلا الله مدى ما يوفر الناشر الحصيف من أمثال الأستاذ الجليل عبد السلام هارون لعمله من جهود مضنية .

وإني لأشعر دائما كلما قرأت له عملا جديدا أنه يبذل كل الإمكانيات ليخرج عمله إخراجا حسنا ، ومع ذلك فانت لا تشعر منه أثناء ذلك بصلب ولا بدالة يدل بها عليك ، بل هو يقدم عمله للباحثين ، ويطلب إليهم أن ينبهوه إلى ما قد يفوته ، أو يند عنه . وذلك خلق العلماء العاملين .

وهذه المجموعة الثانية من نوادر المخطوطات تحتوي

خمسة آثار طريفة ، أولها خطبة واصل بن عطاء التي اشتهرت في العصرين الأموي والعباسي لا لما حذقه فيها من فصاحة وبلاغة ، بل أيضا لأنه استطاع أن يتجنب فيها الراء ، وكانت له لثغة فيها ، وكان ذلك يعد عيبا يقع فيه خطيب ذو بيان ومنطق . وقد نشرت هذه الخطبة من قبل ولكنه أعاد نشرها لعثوره على أصل جديد قرأه كاتبه محمد بن يوسف المخمي علي الإمام أبي ذر الحشي ، وأيضا فإنه عثر على أصل ثان في كتاب مسالك الأبصار لابن فضل الله العمري ، فأناح له بذلك أن يعيد نشره ، وقدم لهذا النشر بمقدمة طريفة عن واصل ولثغته ، وحديث الجاحظ عنه وعن أنواع اللثغة بصفة عامة .

وبجانب هذه الخطبة البديعة نجد ( كتاب أبيات الاستشهاد لأحمد بن فارس المتوفي سنة ٣٩٥ هـ ) وهو كتاب قصد به صاحبه إلى أن يضع بين أيدى الأدباء مجموعة من الأشعار التى يمكن أن يتمثل بها في المناسات المختلفة من عتاب أو اعتذار أو جزع أو حزن أو معونة لإحسان أو إساءة من صديق ونحو ذلك ويعقب هذه الرسالة رسالة ثانية في أعجاز أبيات للمبرد المتوفي سنة ٣٨٥ هـ، وهي أيضا شطور أبيات يتمثل بها المتمثل في المناسبات المختلفة.

وتستمر فنجد كتاب العصا لأسامة بن منفذ بطل شيزر وأحد قواد الحروب الصلبية ، فهو فارس ، وهو إلى ذلك شاعر ، ومؤلف . وكتابه العصا يمكن أن يعد ذا صلة واضحة بكتاب العصا للجاحظ في البيان والتبيين ، غير أن أسامة يضيف أشعارا جديدة كثيرة مما نظمه الشعراء بعد عصر الجاحظ ، ومما نظمه هو نفسه ، وأيضا فإنه - على عادته في مؤلفاته - يقص كثيرا عن مشاهداته وعصره . وهذا يجعل لتلك الرسالة - على قصرها - طرافة خاصة .

ونصل أخيرا إلى رسالة التلميذ لعبد القادر البغدادي المتوفي سنة ١٠٩٣ هـ . وهي رسالة تبحث في كلمة التلميذ ووجودها في العربية - وقد أثيرت في الأيام الأخيرة أبحاث حولها ، وهل هي عربية أو غير عربية .

وتلك هي المجموعة الثانية من نوادر المخطوطات ، ولا شك في أنها ثروة جديدة تضاف إلى ترائنا المنشور .

اشترك في نشرتنا البريدية