والدنيا في جزع من الحرب ، والدول تتسابق في التسلح للدفاع عن كيانها إذا شبت النار التي يكفى لإشعالها شرارة ضئيلة ، تطلع علينا جريدة الصندامي اكسبريس بلندن بمقال عن كشف علمى لو تحقق لكان خطرا على الإنسانية ونذيرا بالفناء ، والمقال بقلم ك.ا. ليون بإنجلترا ، وهذا مضمونه :
مقدمة : كشف جبار أظهر للعالم قوة كامنة في استطاعتها أن تجرف به إلى ما فوق احلام البشر . هذا الذي يبحثه الفيزيائيون في معامل الفيزياء بانجلترا وغيرها من الدول العظيمة . ولعل هذا أول ما ينشر من اخبار عن هذه القوة المدمرة . وتجري التجارب في الوقت الحاضر بالوصول إلي طريقة تحضير مقادير من الطاقة لا يمكن للعقل البشري ان يتصورها . . وذلك بتحطيم ذرة احد المعادن النادرة ألا وهو اليورانيوم Uranium
فإذا نجحت هذه التجارب أصبح في الامكان الحصول من رطل واحد من اليورانيوم على كمية من الطاقة تعادل ما نحصل عليه في الوقت الحاضر من الفحم بإحراق ٢٠ مليونا من الأطنان . . وقد ذكر لي أحد المشتركين في هذا البحث ان هذه القوة الكامنة قد تبلغ من العظم ما يخشى منه علي الانسانية . . وقد تظهر الأبحاث الأخرى التى كشفت حتى الآن شيئا مهملا وتصبح في خبر كان . . وفي بريطانيا وحدها يجري هذا البحث في ثلاث جامعات ليفربول ، وبرمنجهام ، وكمبردج
وفي امريكا يعتبرونه كشفا عظيما في صالح الإنسانية ، ولكن علماءهم الذين يدرسون خبايا هذا المعدن النادر يرجون غيرهم الا يفشوا تفاصيل العمل خوفا من ان يساء
استعماله في التشجيع على حرب لا يعلم غير الله ماذا تكون نهايتها
وقد تفضل احد الباحثين الانجليز فشرح لي شيئا عما يجري في الوقت الحاضر . . وقد يظهر هذا الشرح للقاري أنه من قلم روائي خيالي . . ولكي أعود فأنبهه إلي أن هذا هو الصدق والواقع .
" تنتج هذه القوة الجديدة من إطلاق الطاقة الكامنة في باطن الذرة . وقد ظلت هذه الطاقة معروفة من زمن طويل كما انه كان من المعروف ايضا وجودها بكميات هائلة ، إلا انه لم يكن من المستطاع حتى هذا العام إطلاقها إلا بكميات تافهة كبدت المعامل نفقات طائلة . . حتى جاء هذا العام مبشرا بطريقة جديدة
الطاقة المطلقة :
" والوسيلة التي كانت تستخدم قبلا لاطلاق هذا الجزء التافه من عمل العلامة رترفورد في سنة ١٩١٩ ، وقد كان نجاحها الجزئي مؤسسا على ما نعلمه الآن عن تركيب نواة الذرة التي تتألف من بروتونات موجبة التكهرب ونيترونات (١) عديمة الشحنة . . وقد تمكن اللورد ترفورد من إطلاق هذه الطاقة بتحطيم الذرة تحطيما جزئيا ، وذلك
بالاستعانة بجسيمات الفا Alpha التي كانت jصوب على النواة بعدد وافر . والتي تتركب كما تعلم من بروتونين ونيترونين ، فاذا اصاب أحد هذه الجسيمات نواة إحدي الذرات قسمها إلي شطرين كل منهما يكون ذرة جديدة . ذرة لمادة تختلف عن المادة الأولى تمام الاختلاف . . وليس هذا كل ما يحدث . . ولكن ما هو ادهي من ذلك أن نشاهد إطلاق كمية من الطاقة لم تكن في الحسبان ولا في مقدور العقل أن يتصورها . . إلا أنه كان لا بد للحصول عليها من بذل كميات اخري من الطاقة تزيد عليها بآلاف المرات
أحلام الكيميائي :
وقد كان السبب في ذلك أن هذه الجسيمات لم يكن في استطاعتها أن تصيب سوي جزء يسير جدا من الذرات التي تصوب عليها ، مما أدى إلي استحالة هذه النتيجة بمجال واسع . ومع ذلك فقد ظلت الفكرة محتفظة بشغف العلماء بها من بعد الحرب العظمي حتى وقتنا هذا . . حتى تحققت بها أحلام الكيميائيين في الحصول علي الذهب من بعض المعادن الآخري . . ولو أن الطريقة تكلف أضعاف ثمن الذهب الناتج . . وها قد أصبح من المستطاع في الوقت الحاضر تحضير راديوم صناعي بفضل الراديوم الطبيعي إلا أن في ذلك أيضا لم يكن من الممكن استغلال الطاقة الذرية في مجال واسع . حتى جاء آخر العام الماضي فطلع علينا الباحث الالماني " هان " Hahn بكشفه العظيم الذي أعلن فيه أن معدنا من المعادن إذا صوب عليه تيار من النيترونات فإنه يتحطم بطريقة تختلف عما اعتدنا أن تعرفه عن غيره من المعادن . هذا هو اليورانيوم . معدن نادر . أثقل المعادن . في مظهره كالحديد ، وفي وزنه أثقل من الرصاص
" فالمعروف عن جميع المواد الآخرى أنها إذا أصابتها
النيترونات تنجزا إلي مادتين مختلفتين إحداهما ثقيلة الوزن والأخري خفيفته ، ولكن " هان " وجد ان هذا اليورانيوم يتجزأ إلي مادتين كل منهما ثقيلة الوزن ؛ وما اعلن هذا الكشف حتى اهتم به الباحثون في مختلف الدول ، وما لبث ان وجد علماء كوبنهاجن ونيويورك وانجلترا في وقت واحد ان تحطيم ذرة اليورانيوم ينتج مقدارا من الطاقة يفوق ما ينتجه تحطيم ذرات غيره من المعادن اربعين مرة . إلا أن هذا لم يساعد كثيرا علي التقدم في استغلال الطاقة الذرية بطريقة ناججة . إذ أنه كان لابد حتى هذا الوقت من بذل كميات كبري من الطاقة لإطلاق هذا المقدار
ما وراء هذا
" ولكن جاء بعد هذا ما هز الوسط العلمي في جميع انحاء العالم . فقد وجد ان كلا من النصفين اللذين تتجزا إليها ذرة اليورانيوم هما بدورهما يطلقان نيترونات جديدة كل منها ايضا يهاجم بدوره ذرات اخري من اليورانيوم تتجزا إذا اصابتها هذه النيترونات إلي نصفين ، ثم تتكرر هذه المأساة وتنقسم قطعة اليورانيوم على نفسها بهذه الطريقة الشنيعة ، وفي كل خطوة من الخطوات ينتج تحطيم الذرة الواحدة مقدارا من الطاقة هو ما سبقت الإشارة إليه
" ولكن حتي الآن لم نستطع أن نري كل هذا يحصل بنفس السهولة التي سبق وصفها ، بسبب وجود مواد غريبة في اليورانيوم لا تلبث أن توقف العملية بعد أن تبدأ بوقت قصير . أما إذا استمرت العملية في طريقها المستقيم - وليس هناك ما يمنعها من ذلك - فإن الطاقة المتدفقة تفوق بمراحل كل ما يمكن العقل البشري أن يتصوره
كم يساوي ذلك
وهذا هو الموقف الحاضر الذي يقف فيه العلماء علي أبواب مخزن هائل لطاقة لو أطلقت لا تنقل العالم
إلي حالة جديدة لا نعلم نحن كنهها . . وقد زرت اليوم أحد المعامل التي يقوم فيها بعض الباحثين بهذه التجارب ، فشاهدتهم يستعدون لتحطيم رطل من اليورانيوم ثمنه ٣٣ شلنا يرجى ان يطلق مقدارا من الطاقة يعادل ما يطلقه إحراق ٢٠ مليون طن من الفحم . . وسيعملون قبل البدء في العملية على تطهير هذا المقدار في افرانهم الكهربائية . . ثم يقومون بسحقه ومزجه بالهيدروجين السائل الذي لا يمكن ان يوجد إلا في درجة حرارة ٢٥٣ م تحت الصفر . . ثم يصوبون عليه بعد ذلك الطلقات النيترونية من مادة معينة . . وفي النهاية لا يعلم كائن ماذا ستكون النتيجة . . فقد تكون القوة الكامنة التي تساعد هذه التجربة على إطلاقها كافية لان تدمر انجلترا بأكملها
ولكن ليطمئن القارئ ، فمع أن في رطل اليورانيوم هذا المقدار الهائل من الطاقة ، فانه من المؤكد أنه لن يطلق بأكمله في وقت واحد مما يدعو إلي الاعتقاد بأن التجربة لا تستلزم الجزع .
ادارة الالات
إلا ان الطرق التي نأمل ان نستغل بها تلك الطاقة تدعو إلي الخوف . . فالعلم بمفرقعاته وكهربيته ولاسلكيه وتلفزته لا زال في ريعان شبابه ينمو مع الزمن فهل اقتربنا من الشيخوخة ؟ او اصبحنا قاب قوسين من النهاية ؟ . يحتمل ! فإذا نشبت الحرب أصبح في استطاعة دولة ان تفني دولة اخري ومحوها من عالم الوجود في ثانية واحدة . او قد تكون هي نفسها هدفا لجزء من طلقتها الجهنمية فتمحي هي الآخري .
والمقصود من التجربة على رطل واحد هو البحث في إمكان استغلال هذه الطاقة . . والمظنون أن أقصي
ما سوف نحصل عليه في الوقت الحاضر هو ان نعرف هل من المستطاع ان يطلق اليورانيوم من الطاقة ما يسمح بإدارة الآلات بواسطة كرة من اليورانيوم قطرها ثلاث أقدام . . كرة في هذا الحجم تزن طنا . . وهم يبحثون الآن هل من المستطاع من الوجهة المادية القيام بهذه التجربة . . فقد يكلف شراء الخام ٣٥٠٠ جنيه وتطهيره للحصول على اليورانيوم النقي الفا آخر من الجنيهات . . وتأمل الجامعة التي أكتب فيها هذا المقال أن تتمكن من تحقيق هذا الغرض . . وقد ذكر لي احد الآساتذة في هذه الجامعة . . بكل تؤدة ورزانة . انه إذا اخطات التجربة المزمع القيام بها على طن من اليورانيوم فقد يؤدي انفجاره إلي تدمير العالم بأكمله .
سرية البحث :
وقد ظل الباحثون في ليفربول وبرمنجهام وكمبردج وأمريكا وفرنسا كاتمين أسرار هذا الكشف حتى الآن ، وقد كان أول ما نشر عنه اشارة إليه في خطاب نشر اخيرا في مجلة علمية بريطانية باسم " كوري جوليوت " الذي يعمل مع ابنة مدام كوري ( كاشفة الراديوم ) في هذا البحث .
ومن الغريب أن يتصور القارئ أن هذه التجارب التي يقوم بها رجال علي غير اتصال بالعالم ومنزوين في معاملهم المنعزلة . . هذه التجارب قد تسبب تغييرات في هذا العالم اعظم بكثير مما تنتجه مفاوضات المؤتمرات والملوك والحروب .
وهنا أترك القارئ ليتنفس الصعداء بعد أن انتهي من قراءة أخبار العلم الذي يعمل - كما يزعمون - على تقدم العالم والسير به إلي الإمام . . وله بعد ذلك أن يحكم .

