الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 33الرجوع إلى "الثقافة"

هافلوك أليس، Havelock Ellis

Share

نعت الجرائد والمجلات الانجليزية إلى قرائها المفكر النابه والعالم المتمكن هافلوك اليس صاحب البحوث الجمة الممتعة ، والتصانيف العديدة القيمة ، فى الأدب والنقد والاجتماع ، والأراء الموفقة فى العلاقة بين علم النفس والمسائل الجنسية ، وقد توفى فى ٨ يوليو الماضى ، بعد أن أشرف على الثمانين من عمره الحافل بجلائل الأعمال وشريف المواقف ؛ وقد قام هافلوك اليس برسالته خير قيام ، ولكن موته فى الظروف الراهنة يعد خسارة فادحة منيت بها الحياة الفكرية التربية ؛ فقد كان الرجل من سدنة حرية الرأى وحملة مشعل الفكر ، وكان رسول سلام يرى أن الميل إلي الحرب ستذهب حدته وتزول آثاره ، كما ضعف فى الانسان الميل إلى أكل لحوم البشر برغم تغلغل جذوره فى أعماق الطبيعة الانسانية . وكان يدعو إلى الاستبشار بالحياة وتملى محاسنها ؛ فهو مفكر إنسانى النزعة مثالى المقصد ، فى عصر طغت فيه الدعايات المذهبية المهمة ، وانتكست المبادئ الإنسانية التى قامت على أسسها الحضارة الأوربية ، وأصبحت فى حاجة ماسة إلى الترميم وإعادة النظر .

وقد وصفته زوجته فقالت عنه : " إنه ناسك ولكنه مع ذلك محطم اصنام ، ومحب للانسانية ، ولكنه مع ذلك عزوف عن المجتمعات ميال إلى الوحدة ، وهو شاعر بمزاجه وطبيعته وعالم بحكم تريبته ونشأته وقد كانت منطقة تفكيره رحبة الأفق واسعة المدى ، وكان فى مستهل جهادة الأدنى فى أواخر القرن الماضى كالرائد ، وكان فيه من الرواد الجرأة والتصميم ، وأسلوبه من الأساليب

الكاشفة القريبة من النفس والتى تجمع بين دقة العلم وروعة الأدب ، وهو يمتعك بصدق ملاحظاته وناضج تحربته سواء كتب عن الحب أو الشعر أو عن اليوجنية ومعضلات المسألة الجنسية .

وليس هافلوك اليس من المفكرين القلائل الذين يبدؤون صفحات جديدة فى عالم الفكر ، وتتركز حول حياتهم حركات فكرية مستحدثة ، فهو لم يأت بجديد ولم يبتكر شيئا ؛ ولكنه كان يحسن العرض ويجيد الشرح ويسير فى عالم الأفكار بخطوات ثابتة رشيقة ؟ وكان لطول ألفته لهذا العالم يستطيع أن يطبع الأفكار التى يتحدث عنها بطابع الحدة والابتكار ؛ وجرأته فى تناول المسائل الجنسية أعانت على تحرير الأفكار ، وكانت مثلا يحتذى فى التزام الصراحة فى دراسة تلك المسائل التى يزيدها الكتمان والسكوت خطورة وتعقيدا ، وكان عقله حافلا بالمعلومات المدخرة ، فلا تفوته وإردة ولا شاردة فيما يطرق من البحوث .

وكان صادق الفراسة فى تقدير العبقرية قبل أن تقبل عليها الشهرة وتعرف قيمها ، فقد ادرك قيمة  إيسن وقدر أدبه قبل أن يعترف بفضله ، وأشاد بقيمة طولسطوى ، وأطراء فى إبان الاعراض عنه والزراية به ؛ وبحثه المستفيض فى فلسفة نيتشه بعد أول تحية ذات قيمة وجهت إلى فلسفة نيتشه فى الجزائر البريطانية.

وقد أودع كتابه الموسوم " برقص الحياة " خلاصة فلسفته وزبدة افكاره ، وهو يرى الحياة رقصا منسجم التوقيع ، متزن النغمات ، ويؤيد رأيه بشواهد مستمدة من

العلم والأدب والتصوير والبناء والطبيعة ، وليست الحياة وحدها فى نظره رقصا ، بل السكون بأسر ، وهو يعتبر كل فروع النشاط الانسانى ضربا من الفن ؛ فهناك فن الرقص ، وفن التفكير ، وفن الدين ، وفن الآداب ، وكل هذا يؤدى إلى أن الحياة نفسها فن ، فخفق أقدام الطفل ، وأفكار الفيلسوف الكونية ، والنجوم فى  مسالكها ، والأمواج المتكسرة على الشواطئ ، كلها تندمج فى فكرته ، فهى تسمو وتهبط ، وترتفع وتنخفض تبعا لقانون واحد هو قانون الايقاع ، ومن ثم العلاقة بين اليوم الأضحيان والوجه الصبوح ، والفكر المشرق ، والقصيدة البارعة .

وهو يفيض فى هذا الكتاب فى اقتفاء أثر الرقص بين مختلف الأمم ودلالته على عاداتها وثقافتها ، وعلاقته بالدين والحب ؛ وأراؤه جديرة بالإمعان والتروية ، وليس من السهل إعطاء صورة موجزة عنها .

وكتاب الروح الجديدة " هو أول كتاب أصدره ، وهو دراسات مسهبة لطائفة من كبار مفكرى الغرب ، مثل ديدرو وطولسطوى وهينى وغيرهم ، وهو يمزج فيه المنهج العلمى القويم بالتقدير الفنى الصحيح . ومن أمتع كتبه كتاب " التأكيدات " وهو مجموعة من المقالات عن شخصيات تاريخية معروفة مثل نيتشه وكازانوفا والقديس فرانسيس ، وكتاب "تأثرات وتعليقات" وهو خواطر عن الحياة وأراء فى الطبيعة الانسانية حافلة بالشعر المنثور والملاحظات الصائبة ، وهو يقول فى مطلع هذا الكتاب : " لقد تعودت لمدة سنوات أن أسجل على أوراق عارضة الأشياء التى تسترعى نظرى فى الحياة والفكر ، وقد أعانى تسجيل آثار هذا التفاعل بين عالم النفس الداخلى والعالم الخارجى ، ولكن كلما تقدمت السن بالانسان قلت فرص الانتفاع بها والافادة منها ، ويتحقق الانسان فى خريف الحياة أن الأوراق ليس لها وظيفة حيوية لتقوم بها ، وليس

ثمة من داع أو حاجة لبقائها معلقة بالشجرة ، ولذا سأتركها لتذروها الرياح : " .

وهافلوك اليس من المفكرين الذين احتملوا الصدمات العنيفة فى سبيل إذاعة أفكارهم . وقد كان ما يكتف المسائل الجنسية من حرمة وما يحفها من قداسة يظهر فى صورة الخارج على الآداب ؛ على أن ذلك لم يفت فى عضده ، وكان يريده استمساكا بقوله : " إننا لا نستطيع احترام الحياة إلا إذا تفهمنا أسرار المسائل الجنسية" ، وثمرة الروح العلمية فى رأيه هى الاخلاص والصبر والتواضع وحب الطبيعة وحب الانسان .

وقد كان الأمريكان أسرع إلى تقدير مكانته والاعتراف بفضله من الانجليز ، قال عنه محرر محلة " مركرى الأمريكية " : " إذا قيست ثقافة الانسان بمقدار تحرر فكره من الصغائر وعواطف الطفولة التى تحرك الجماهير ، فان هافلوك اليس بلا نزاع هو أوفر الانجليز جميعا نصيبا من الثقافة " .

وبحوثه المستفيضة عن طبيعة المرأة والموازنة بينها وبين طبيعة الرجل من أمتع ما كتب وأوفاه . وكثير من المفكرين فى العصر الحاضر يعزون الاضطراب الاجتماعى الذى ساد فى السنوات الأخيرة إلى أن معرفتنا بالطبيعة الخارجية قد تقدمت كثيرا علي معرفتنا بالطبيعة الانسانية ، ولا نزاع فى أن جهلنا بالطبيعة الانسانية له دخل كبير فى تصدع التقاليد الاجتماعية تحت ضغط الأحداث الاقتصادية ؛ والملاءمة بين طبيعة الانسان وبين الموقف الجديد الذى أوجده التقدم العلمى ، تقتضى التوسع فى دراسة النفسيات وكثرة الإحاطة بعلم سلوك الانسان ؛ وهذا مما يبين لنا اهمية المنهج الذى نهجمه هافلوك اليس ؛ وأعانه علي السير فى دروبه وتذليل عقباته جمعه بين رهافة إحساس الشاعر ورؤية الصوفى وبصيرة العالم .

اشترك في نشرتنا البريدية