نعت الجرائد والمجلات الانجليزية إلى قرائها المفكر النابه والعالم المتمكن هافلوك اليس صاحب البحوث الجمة الممتعة ، والتصانيف العديدة القيمة ، فى الأدب والنقد والاجتماع ، والأراء الموفقة فى العلاقة بين علم النفس والمسائل الجنسية ، وقد توفى فى ٨ يوليو الماضى ، بعد أن أشرف على الثمانين من عمره الحافل بجلائل الأعمال وشريف المواقف ؛ وقد قام هافلوك اليس برسالته خير قيام ، ولكن موته فى الظروف الراهنة يعد خسارة فادحة منيت بها الحياة الفكرية التربية ؛ فقد كان الرجل من سدنة حرية الرأى وحملة مشعل الفكر ، وكان رسول سلام يرى أن الميل إلي الحرب ستذهب حدته وتزول آثاره ، كما ضعف فى الانسان الميل إلى أكل لحوم البشر برغم تغلغل جذوره فى أعماق الطبيعة الانسانية . وكان يدعو إلى الاستبشار بالحياة وتملى محاسنها ؛ فهو مفكر إنسانى النزعة مثالى المقصد ، فى عصر طغت فيه الدعايات المذهبية المهمة ، وانتكست المبادئ الإنسانية التى قامت على أسسها الحضارة الأوربية ، وأصبحت فى حاجة ماسة إلى الترميم وإعادة النظر .
وقد وصفته زوجته فقالت عنه : " إنه ناسك ولكنه مع ذلك محطم اصنام ، ومحب للانسانية ، ولكنه مع ذلك عزوف عن المجتمعات ميال إلى الوحدة ، وهو شاعر بمزاجه وطبيعته وعالم بحكم تريبته ونشأته وقد كانت منطقة تفكيره رحبة الأفق واسعة المدى ، وكان فى مستهل جهادة الأدنى فى أواخر القرن الماضى كالرائد ، وكان فيه من الرواد الجرأة والتصميم ، وأسلوبه من الأساليب
الكاشفة القريبة من النفس والتى تجمع بين دقة العلم وروعة الأدب ، وهو يمتعك بصدق ملاحظاته وناضج تحربته سواء كتب عن الحب أو الشعر أو عن اليوجنية ومعضلات المسألة الجنسية .
وليس هافلوك اليس من المفكرين القلائل الذين يبدؤون صفحات جديدة فى عالم الفكر ، وتتركز حول حياتهم حركات فكرية مستحدثة ، فهو لم يأت بجديد ولم يبتكر شيئا ؛ ولكنه كان يحسن العرض ويجيد الشرح ويسير فى عالم الأفكار بخطوات ثابتة رشيقة ؟ وكان لطول ألفته لهذا العالم يستطيع أن يطبع الأفكار التى يتحدث عنها بطابع الحدة والابتكار ؛ وجرأته فى تناول المسائل الجنسية أعانت على تحرير الأفكار ، وكانت مثلا يحتذى فى التزام الصراحة فى دراسة تلك المسائل التى يزيدها الكتمان والسكوت خطورة وتعقيدا ، وكان عقله حافلا بالمعلومات المدخرة ، فلا تفوته وإردة ولا شاردة فيما يطرق من البحوث .
وكان صادق الفراسة فى تقدير العبقرية قبل أن تقبل عليها الشهرة وتعرف قيمها ، فقد ادرك قيمة إيسن وقدر أدبه قبل أن يعترف بفضله ، وأشاد بقيمة طولسطوى ، وأطراء فى إبان الاعراض عنه والزراية به ؛ وبحثه المستفيض فى فلسفة نيتشه بعد أول تحية ذات قيمة وجهت إلى فلسفة نيتشه فى الجزائر البريطانية.
وقد أودع كتابه الموسوم " برقص الحياة " خلاصة فلسفته وزبدة افكاره ، وهو يرى الحياة رقصا منسجم التوقيع ، متزن النغمات ، ويؤيد رأيه بشواهد مستمدة من
العلم والأدب والتصوير والبناء والطبيعة ، وليست الحياة وحدها فى نظره رقصا ، بل السكون بأسر ، وهو يعتبر كل فروع النشاط الانسانى ضربا من الفن ؛ فهناك فن الرقص ، وفن التفكير ، وفن الدين ، وفن الآداب ، وكل هذا يؤدى إلى أن الحياة نفسها فن ، فخفق أقدام الطفل ، وأفكار الفيلسوف الكونية ، والنجوم فى مسالكها ، والأمواج المتكسرة على الشواطئ ، كلها تندمج فى فكرته ، فهى تسمو وتهبط ، وترتفع وتنخفض تبعا لقانون واحد هو قانون الايقاع ، ومن ثم العلاقة بين اليوم الأضحيان والوجه الصبوح ، والفكر المشرق ، والقصيدة البارعة .
وهو يفيض فى هذا الكتاب فى اقتفاء أثر الرقص بين مختلف الأمم ودلالته على عاداتها وثقافتها ، وعلاقته بالدين والحب ؛ وأراؤه جديرة بالإمعان والتروية ، وليس من السهل إعطاء صورة موجزة عنها .
وكتاب الروح الجديدة " هو أول كتاب أصدره ، وهو دراسات مسهبة لطائفة من كبار مفكرى الغرب ، مثل ديدرو وطولسطوى وهينى وغيرهم ، وهو يمزج فيه المنهج العلمى القويم بالتقدير الفنى الصحيح . ومن أمتع كتبه كتاب " التأكيدات " وهو مجموعة من المقالات عن شخصيات تاريخية معروفة مثل نيتشه وكازانوفا والقديس فرانسيس ، وكتاب "تأثرات وتعليقات" وهو خواطر عن الحياة وأراء فى الطبيعة الانسانية حافلة بالشعر المنثور والملاحظات الصائبة ، وهو يقول فى مطلع هذا الكتاب : " لقد تعودت لمدة سنوات أن أسجل على أوراق عارضة الأشياء التى تسترعى نظرى فى الحياة والفكر ، وقد أعانى تسجيل آثار هذا التفاعل بين عالم النفس الداخلى والعالم الخارجى ، ولكن كلما تقدمت السن بالانسان قلت فرص الانتفاع بها والافادة منها ، ويتحقق الانسان فى خريف الحياة أن الأوراق ليس لها وظيفة حيوية لتقوم بها ، وليس
ثمة من داع أو حاجة لبقائها معلقة بالشجرة ، ولذا سأتركها لتذروها الرياح : " .
وهافلوك اليس من المفكرين الذين احتملوا الصدمات العنيفة فى سبيل إذاعة أفكارهم . وقد كان ما يكتف المسائل الجنسية من حرمة وما يحفها من قداسة يظهر فى صورة الخارج على الآداب ؛ على أن ذلك لم يفت فى عضده ، وكان يريده استمساكا بقوله : " إننا لا نستطيع احترام الحياة إلا إذا تفهمنا أسرار المسائل الجنسية" ، وثمرة الروح العلمية فى رأيه هى الاخلاص والصبر والتواضع وحب الطبيعة وحب الانسان .
وقد كان الأمريكان أسرع إلى تقدير مكانته والاعتراف بفضله من الانجليز ، قال عنه محرر محلة " مركرى الأمريكية " : " إذا قيست ثقافة الانسان بمقدار تحرر فكره من الصغائر وعواطف الطفولة التى تحرك الجماهير ، فان هافلوك اليس بلا نزاع هو أوفر الانجليز جميعا نصيبا من الثقافة " .
وبحوثه المستفيضة عن طبيعة المرأة والموازنة بينها وبين طبيعة الرجل من أمتع ما كتب وأوفاه . وكثير من المفكرين فى العصر الحاضر يعزون الاضطراب الاجتماعى الذى ساد فى السنوات الأخيرة إلى أن معرفتنا بالطبيعة الخارجية قد تقدمت كثيرا علي معرفتنا بالطبيعة الانسانية ، ولا نزاع فى أن جهلنا بالطبيعة الانسانية له دخل كبير فى تصدع التقاليد الاجتماعية تحت ضغط الأحداث الاقتصادية ؛ والملاءمة بين طبيعة الانسان وبين الموقف الجديد الذى أوجده التقدم العلمى ، تقتضى التوسع فى دراسة النفسيات وكثرة الإحاطة بعلم سلوك الانسان ؛ وهذا مما يبين لنا اهمية المنهج الذى نهجمه هافلوك اليس ؛ وأعانه علي السير فى دروبه وتذليل عقباته جمعه بين رهافة إحساس الشاعر ورؤية الصوفى وبصيرة العالم .

