كاتب هذه الرسالة الكابتن سيره إدوارد هوس , وهو اسكتلندي ، خدم الجيش في الحرب الماضية سنة كاملة ، جرح خلالها مرتين . وقد حارب الألمان في أكثر من ميدان واحد ، وبرهن في نضاله على شجاعة فائقة ووطنية نادرة ، استحق عليهما رتبة عالية ومركزا ممتازا . وفي ميدان الشرف خر صريعا من رصاصة طائشة أصابت منه مقتلا ، ولم يتجاوز إذ ذاك الخامسة والعشرين من عمره . فذهب مبكياً عليه من جنوده ورؤسائه ، مأسوفا عليه من أمته . وكان ذلك في فجر اليوم الثاني عشر من شهر مارس عام ١٩١٥ وفيما يلى خطاب موجة منه إلى أمه يصف لها فيه عيد الميلاد في ساحة الوغى .
وقد نشرته أمه بعد وفاته لما فيه من غرائب . ولولا مركز كاتبه ورواية بعض الشهود لما صدق ما جاء به , ولاعتبرت حوادثه من نسج الخيال ( .
٢٨ من شهر ديسمبر سنة ١٩١٤ . أمي العزيزة
لقد رجعت توا إلي الخندق بعد أن قضيت يومين من أعجب ما مر بي في حياتى ؛ أراك قد انزعجت ، ولكن صبرا يا اماه . فقد كانا يومين هادئين انتزعا نزعا من بين أيام قاتمة مكفهرة ملؤها الصواعق المدمرة .
كان ذلك في صباح اليوم الخامس والعشرين من هذا الشهر ، كانت أصوات المدافع لا تزال تتجاوب من حين لآخر بيننا وبين العدو ، فتحدث قنابلها دويا بصم الآذان . وفجأة وفي جو معكر بالغبار والسحاب ظهر في الأفق البعيد من بين خنادق الأعداء أربعة من جنود الألمان مجردين من السلاح ، مشوحين بأيديهم في القضاء ميممين شطرتا . لقد ذهلت حقا يا أمى العزيزة ! إذ لم أك أعرف أن الألمان يستسلمون بهذه البساطة وعلى هذه الصورة ، لا سيما وأن مراكزهم كانت في ذاك الوقت سليمة متينة
اعطيت الأمر بوقف القتال في الحال وذهبت لمقابلتهم ، وما زلت ، بيني وبين نفسي ، في حيرة من أمرهم . كانوا
جنودا من جنود المراسلات الحربية ، وقد عرفتهم من زيهم الخاص . . وقفت حازما أمامهم مستعدا لسماع رسالة قائدهم ، بينما كنت أشعر بوقع النظرات الحائرة التي كانت ترسلها إلينا جنودنا من بين صفى خنادقهم .
" عيد سعيد يا سيدي الضابط . لقد جئنا لنتمني لك ولجنودك أسعد الأوقات ! " .
وعندما استفسرت منهم عن سبب مجيئهم قال احدهم : " أولا تدري يا سيدي ان اليوم يوم عيد ؟ ! يوم ميلاد المسيح ، يوم يجب فيه ان تتصافى القلوب وتتصافح الأيدي ! ثم أخبرني بربك ، ماذا يغير وجه التاريخ إذا تأخرت نتيجة الحرب او تقدمت يوما أو يومين عن نتيجتها المحتومة ؟ أعترف لك يا سيدي أننا - معشر الألمان - لانحمل في نفوسنا إزاءكم إلا كل محبة وإعجاب . إننا مسوقون في هذه الحرب الضروس رغم قلوبنا ورغم عاطفتنا . ولولا أوامر القيادة المقدسة لأطعنا نداء الضمير . .
حقا ! لقد انستنى الحرب ومشاغلها ان اليوم يوم مقدس ، له رهبته وواجباته ، له قدسيته وحقوقه . .
تحدثنا زهاء نصف الساعة ، ثم رافقتهم حتى خندقهم بعد أن وافقتهم مبدئيا على وقف القتال حتى آخذ الرأي النهائى من مقر القيادة العليا . وعندما قفلت راجعا إلي مركزى بالخندق وجدت في وجوه جنود فرقتي اعينا حيري تكاد تلتهمني بأسئلتها . ولولا احترامهم لي وخوفهم من إحراجي لأنهالت علي الأسئلة من كل صوب . .
ذهبت إلي مركز الإدارة . وعند أوبتى في الساعة العاشرة سمعت ، لشدة دهشتي ، ضوضاء وهتافات ارتفعت إلي عنان السماء .
يا لها من مفاجأة ! . تصوري يا أماه مئات من الجماعات قد انتشرت هنا وهناك يتضاحكون ويمزحون إنجليز وألمان واقفون جنبا إلي جنب يتبادلون الصور
والتذكارات العائلية ، ويتواعدون علي الزيارة بعد نهاية الحرب ! لقد شربوا في هذا اليوم السعيد نخبنا ، ولقد شربنا من نبيذهم المعتق نخبهم . واعجباه ! كان ميدان القتال الذي كنا نتنازعه من أسبوعين ملكا لنا جميعا نطؤه بأحذيتنا متكاتفين . . متحابين
إنه حلم ساعة . إنها سحابة صيف . سوف يتبعها صراع هائل وزلزال في الأرض ورجوم من السماء . .
كنا ننسي أو نتناسي أنه ليس ليومنا غد ولا ليلنا صباح . ورغم هذا كنا نشعر بالسعادة . وقد شاركتنا الطبيعة في سرورنا فأرسلت علينا اشعة دافئة من شمسها غمرت الأرض فألهبت قلوبنا وأشعلت عواطفنا . . كان كل شيء علي الأرض يبعث في النفس شيئا من البهجة والسرور والإنشراح . وفجأة ظهر علينا من طرف السماء طير كان السكون قد أذهله فجاء حذرا يستطلع الخبر . كان صوت القنابل قد افزعه ففر هنا ينشد الأمان في غير جوه . ولما استتب الأمر وسكتت المدافع عن مقذوفاتها ، جاءت تلك الطيور فرحة مستبشرة ترقص من حولنا ، فقذفناها بفتات الأطعمة . وكم ضحكنا من منظر غراب اسود اللون كان قد اختطف قطعة كبيرة من الخبز وطار بها ليأكلها وحده داخل فوهة مدفع من مدافعنا !
كان قد اقترح احد جنودنا ان ننتهز تلك الفرصة لحفر قبور لموتانا وموتاهم ، وان ندفنهم في منتصف الطريق بين الخنادق . وكان عملا شاقا تعاونا عليه وأتممناه قبل حلول المساء
وقد مر علينا الليل بسلام لم نعرفه منذ أن نشبت الحرب ، نعمنا فيه بكل لحظة من لحظاته .
ولما أطلت الشمس من خدرها مؤذنة باستئناف القتال وجدتنا لا نزال نائمين في العراء نهدأ بأحلام ممتعة . .
بالأمس كان الألمان قد وعدوني ألا يستأنفوا القتال حتى نبدرهم نحن بأول طلقة من جانبنا ؛ فكان ناقوس الإنذار في أيدينا نطرقه وقتما نشاء . والآن وقد انتهت مدة الهدنة وانقضي يوم الميلاد علي تلك الصورة التي رويتها ، كان علينا ان نتحفز لأول وثبة وننذرهم بعزمنا على ذلك . ولكن ! وقبل اللحظة الرهيبة ، رأيت الألمان قد خرجوا من خنادقهم مهللين فرحين ، وفي عزمهم مد أجل الهدنة ووصل اليوم بالأمس . كان الأمر محيراً مربكاً ، خشيت منه المسئولية وتبعة فعلتى . وعندما اجتمعنا بالألمان حددت لهم منتصف الليل ميعادا لمباشرة القتال واستئناف النضال
وبعد ، فهأنذا - يا أمى العزيزة - انتهز هذه الفرصة فأكتب إليك هذه الرسالة ، والوقت يمر علينا سريعا واليوم يقرب من نهايته . فإلى اللقاء في يوم يكون سلام دائم قد استتب علي الأرض ، وانتشرت في النفوس روح الوفاق والتراحم والسلام .

