فى يوم عبد الميلاد قررت ليلى إن تقدم إلى زوجها العزيز هدية ثمينة . واعتزم زوجها الشاب أن يتحفها تتحفة نادرة . وقرر القضاء العابث أن يهدى إليهما هدية تشتمل على دعاية من ذلك الطراز الغريب ، الذى لا يستطيع أن يضحك منه علىء فيه سوى الفضاء نفسه
هذه الهدايا الثمينة كانت نتيجة لمؤامرات ثلاث ، قام بها كل من أبطالنا الثلاثة منفردا دون أن يطلع الآخرين على ما اهتزم . وكلنا نعرف أن التكيم الشديد يزيد الهدية الثمينة جمالا ، ويضاعف الفرح فى صدر الواهب والموهوب .
وجلست ليلى تعد ما لديها من الدراهم لشراء هدينها ، فإذا المبلغ الذى اقتصده فى شهور طوال قضها فى التدبير والتقتير لم يزد على ريال أمريكى واحد ، وثلاثة أرباع الربال الأمريكى.
ولم يكن يد - بالطبع - من أن يكون الريال أمريكيا , أولا : لأن القصة جرت فى أمريكا , ثانيا : لأن الريال الأمريكى تستطيع أن تشترى به شيئا ذا قيمة فى أى بلد من الأرض إلا فى أمريكا نفسها , فانك لا تستطيع أن تشترى به هناك إلا التافه المبئذل من المتاع. ولم تكن ليلى التى تقبل أن تقدم لزوجها العزيز هدية تافهة فى هذا اليوم المقدس الجليل . ولهذا تراها وقد أخذت تنظر بحسرة إلى المبلغ الحقير الذى بين يديها ، وهو كل ما استطاعت أن تقتصده من نفقات البيت ، فلم يكن يد من أن تشرق الحفون بالدوع ، وأن تتصاعد الزفرات ، ويمثلى الصدر الرقيق بالكمد والأسى .
لقد اقتربت ساعة الغروب ، وسد قليل تقلق
الدكاكين , ولا يتسى لها شراء الهدية ... أليس لديها شئ - لعلها أن تكون قد نسيته - تستطيع أن تبيمه وتشترى بثمنه التحفة التى تبغى شراءها ؟ إن معاصمها عطل من الحلى , وجيدها الجميل لا تحيط به قلادة , فماذا مساها أن تقصل ؟ .. أخذت محدق فى النافذة طويلا ، ثم نهضت من مكانها ، ونظرت إلى وجهها الشاحب فى مرأة ضيقة مستطيلة ، وأطالت النظر فيها ، ثم رفعت يدها فجأة إلى رأسها ، وأطلقت شعرها من رباطه ، وأرسلته وراءها إرسالا ، فإذا هو بتدلى إلى ما تحت الركبتين ...
فى الزمن الذى ترجع إليه هذه القصة , كان للنساء - اللوائى رضيت عنهن الآلهة - شعر عزيز عميم , وكان أجمل شئ تمتلكه ليلى وزوجها إدوارد , شيئان اثنان قد بلغا من النفاسة والجلال قدرا عظيما , بينما كل شئ فى الدار متواضع هزيل إلى أقصى حدود التواضع والهزال ، وهذان الشبتان هما الساعة الذهبية الثمينة ، التى بحملها إدوارد ، والتى ورثها عن أبيه وجده ؛ والثانى شعر ليل المسجدى البديع ، الذى يكاد يسترها إذا أرسلته
وقد نظرت إليه طويلا , وكأنه شلال من الماء الذهبى المتدفق ؛ ثم عادت فرفعته كما كان من قبل ... ثم تحركت من مكانها فى شئ من التردد لم يطل ... وتناولت من الفدان معطفا رماديا ، وقيمة رمادية ، وانطلقت من دارها إلى الطريق . فجملت تمشى فيه مسرعة حتى وقفت أمام لوحة تبرز منها العبارة الآتية :
" مدام ريمونا . إخصائية فى جميع أصناف الشعر وملحقاته".
وبعد لحظة كانت ليلى واقفة أمام السيدة المذكورة لسألها : " هل لك فى شراء شعرى ؟ "
فأجابت العجوز : " إننى أشترى الشعر الجميل ، اخلعى قلنسونك ، وأرينى أى شعر تغطين به رأسك ! "
وفى لمحة الطرف كان الشعر المسجدى الجميل ، فى يدى العجوز تقلبه بكف الخبير العالم
- أدفع لك فى هذا الشعر عشرين ريالا ! - أسرعى بالدراهم :
وبعد دائق كانت ليلى تقطع الشوار سعيا ، باحثة منقبة عن الهدية الثمينة التى تنشدها
وأخيرا وجدت ضالها المنشودة هدية ما صنعت إلا لكى تهدى إلى إدوارد , سلسة من البلاتين النقى الخالى من كل زخرف , أغناها جمال معدتها عن كل تنعيق وتحلية. وهكذا فلتكن كل هدية قيمة . دفعت ليلى فى هذه السلسة واحدا وعشرين دولارا ، وعادت إلى المنزل وفى جيبها الدراهم الباقية ، وفى صدرها السرور والرضى والابتهاج . إن إدوارد أن يحمل ساعته بعد اليوم معلقة فى قطعة بالية من الجلد الحقير . فما ينبغى لهذه الساعة الأثرية النفيسة أن تملق إلا بسلسلة من المدن النفيس
اقتربت الساعة السابعة , وحان موعد عودة الزوج العزيز.. فأودعت ليلى هديتها ركنا من خزانتها , وقامت إلى المطبخ تعد القهوة , وتهئ الوعاء لطبخ الشواء لطعام العشاء ... ثم رأت من الحزم ان تبادر بانقاذها ما يمكن إنقاذه فأخذت فى إصلاح رأسها الجميل ، الذى حرم ذلك التاج الباهر من المسجد ، ولم يبق منه إلا بقية يسيرة ، أخذت فى تصفيقها وتنظيمها ، بحيث أسى رأسها كراس أحد الفتيال الذين أواموا بإرسال شعرهم ، وتصفيف طرتهم ، قصى إدوارد ألا بمقيها وهى فى مظهرها الجديد!
وسمعت خطاء على السلالم ، وكان من عادتها أن تبتهل
إلى الله بالدعوات الحارة فى كل أزمة تعرض لها . فلم تكد تسمع خطأه حتى ركعت ونادت : " الهم لا تتزع حى من قلبه ! اللهم اجعله يظن أنى ما زات مليحة رغم ذهاب شعرى! " .
وفتح إدوارد الباب يرفق ودخل ثم أغلقه ، وكان وجهه النحيل يبدو فيه الاهتمام الشديد . مسكين ذلك الفنى ؛ إنه لم يتجاوز الخامسة والعشرين ، وقد اضطلع فى هذه السن المبكرة بأعباء الأسرة ومسئوليها ؛ إنه فى حاجة إلى معطاف جديد .. وبداء لم يكن يسترهما قفاز !
لم يكد يدخل الغرفة حتى أخذ يحدق فى ليلى ويطيل التحديق ، وكان فى نظرانه معنى غريب لم تستطع ليلى أن تفهمه . لم ينظر إليها نظرة الدهشة ، أو الغضب ، أو السخط ، ولم تكن نظرته تم عن أى شعور أو إحساس من ذلك الطراز الذى كانت ليلى تتوقعه ... بل كانت نظرات ملؤها الوجوم والذهول !
وقد استولى عليها الرعب حين رأنه يحدق فيها على هذه الصورة , قدنت منه وقالت : " إدوارد ! لا تنظر إلى هذه النظرات لقد قصصمت شعرى ، وبعثه ، لانى لم أكن أستطيع أن أعيش هذا العيد ، دون أن أقدم إليك هدية ! كن وائقا أنه سيتمو مرة أخرى ، إن شعرى سريع النمو جدا ، فباته حيني تحية العيد . إنك لا تعلم أى بحفة ثمينة سأقدمها لك . إن جمالها يفوق كل وصف ! "
- إذا لقد جعلتهم يقصون شعرك !
كلمات قالها ببطء شديد كأنه بعد كل هذا الشرح والإيضاح لم يستطع أن يقهم.
- أجل لقد قصصته وبعثه ! ألست تحبنى رغم هذا ؟ إننى مازلت كما تعهدنى فى كل شئ ما عدا الشعر!
- أتقولين إن شعرك قد ذهب ! - لا تنظر إلى كأنك تبحث عنه ! إنه ضاع تماما !
لقد بعثه ! ألم أقل لك إننى بعثته ، نلشدتك الله أن تذكر أن القيلة ليلة العيد ، فكن رفقا فى ولا نسئ إلى إننى ما فعلت هذا إلا من أجلك ؛ إن هذا الشعر على غزارته قد يحصى وبعد : ولكن حى لك لن بعد ولن يحصى والآن هل تأذن لى فى أن أضع الشواء على النار ؟ .
أخذ إدوارد بقيق من غشيته شيئا فشيئا . ودنا من زوجته وأخذ بقبلها قبلات امتزج فيها ألف إحساس وشعور .. ثم أخرج من جيبه حزمة والتى بها على المائدة وهو يقول :
- لا تخطى فهم ما يجول بخاطرى .. فشعرك مقصوصا ، أو ممزقا ، أو محلوفا لن ينقص من حبى لك مقدار الذرة ! ولكن فكى رباط هذه الحزمة وافتحيها لكى تدركى ما ينفسى .
ولم تكد ليلى ترى ما اشتملت عليه تلك الأوراق حتى صاحت صيحة الفرح ، ولكنه فرح لم يلبث أن انقلب إلى نوع من الهستريا ، امتزجت فيها الدموع والصبحات المتنافرة : ذلك لأن الهدية الثمينة التى اشتراها زوجها العزير كانت ثلاثة أمتاط ليزدان بها شعرها المسجدى البديع...
كانت تلك الامشاط الثلاثة معروضة ف نافذة دكان فى ( برودواى ) : وهى مصنوعة من المجار الثمين , وأطرافها محلاة بالجوهر... ولقد طالما نظرت إليها ليلى وهى مارة أمام الدكان ، فكانت تلهف رغبة فى أن تكون لها تلك الأمشاط ، ولكن كان قصارى جهدها أن نتلهف عليها وتتحسر : فهى تحفة عينة غالية ، وأبى لها أن تحصل على مثلها ... والأن ها هى قد أصبحت ملكا لها ... ولكن الشعر الذى من أجله اشتهت تلك الأمشاط قد ذهب .
وتناولت الهدية الثمينة بيدسها ، وضمتها إلى صدرها ، وأخذ الهدوء بعود إليها ؛ واستطاعت أن تنظر إليه بعينين
قد أنحسر عنهما الدمع قليلا, وشفتين يكسوهما الابتسام, وقالت: " لا يحزنك هذا يا إدوارد : فإن شعرى لن يلبث أن ينمو ! لكنك لم تشاهد بعد هديتى التى اشتريتها من أجلك ". انظر إليها ما هى ألست فى أقصى مراتب الحسن ؟ لقد طفت بأرجاء المدينة , ولم أدع مكانا إلا دخلته باحشة منقبة ؟ وها هى ذى . انظر ما أبدعها ! إنك بعد الآن ستنظر فى الساعة مائة مرة فى كل يوم . وأن تستحى من إظهار ساعتك الجميلة الثمينة أمام الناس ! أين هى ؟ أخرجها من جيبك ودهنى أعلق فيها هذه السلسلة التى لم تصنع إلا لها ! "
ولكن إدوارد لم يجب زوجته إلى ما طلبته ، ولم يخرج ساعته من جيبه ، بل ألفى بنفسه على الأريكة ، ونظر إليها مبتسما . وقد جعل يديه من خلف رأسه :
- ما رأيك باليلى فى أن تحتفظ بهذه الهدايا مؤقتا فى مستورع أمين ؛ فإنها فى الحقيقة ) عمل من أن تنتفع بها الآن لقد بعث ساعتى أبنها العزيزة لكى أشترى لك النشط ... والآن أطن أن خير ما تفعليته أن تعدى لنا المشاء!.
وفى تلك اللحظة دوى فى الآفاق صوت قهقهة القضاء ... لأن القضاء يحلو له أن يضحك!..

