الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 402الرجوع إلى "الثقافة"

هذا الشعر بعد شوقى، -2-

Share

أما العبقرية - أو القدرة على الخلق الفنى - ففضل لابد لشوقي فيه ، وموهبة مطيعة مواتية في كل غرض قال فيه ، وهي ناحية قد يستطيع الاستغناء عنها إلى حد شاعر القريحة ، إذا أوتي فضلا من حذق الصناعة ، ولباقة الأداء ، ولكنه سرعان ما ينكشف ، ولا تسعفه هذه الصنعة - قريبة الشبه بالعبقرية - في كل مراحل القصيدة ويدعوها فلا تجيب ، لأن القريحة ليست طبعا - حتى ولو كانت فى أسمى مراتبها المتاخمة للعبقرية - ولكنها رياضة لها طاقة تقف عندها ولا تلبي النداء . ولا كذلك العبقرية ، لأنها شئ ركب في الطبع واتصل أوثق الاتصال بالفطرة الفنية .

ومع أن حافظا قد استجابت له السهولة - فى كل شعر قاله - تلك السهولة التى يبلغ من انقيادها له ، اختلاطها على القارئ غير الحاذق بالطبع الأصيل ، فإن هذه السهولة - مع أنها محببة إلى نفوس الجماهير - لم تستطع أن ننظم حافظا فى سلك شعراء الطبع .

وصحيح أن السهولة والطبع يكادان يكونان توأمين، ولكنه يتخلف عنها - أو تتخلف هي عنه - إذا طال الشوط على الشاعر وانشحبت عليه مذاهب القول ، وفنون المعاني .

وهنا قد لا تفارقه السهولة ، ولكن الصنعة تصبح من أدوائها إذا طال الشوط ، وظهرت عليها آثار الجهد ، فيفارقها الطبع ليحل محله فنون من الأداء تأخذها الرياضة من أقطارها . فإذا أخذ الطبع يتقلص عنها تعرضت بعده لألوان من التكلف هى تذير الفقر الفني الذي تمانيه كل صناعة لا تمت إلى الطبع بصلة .

تستطيع أن تسمع لشاعر القريحة سهولة فى شعره

ولكن هذه السهولة سيطالعك من خلالها ظنون من الجهد والتكلف ، يفطن لها الناقد الحاذق ، وسيحاول الشاعر - شاعر القريحة - أن يلهى القارىء بهذه السهولة ، ليدخل فى روعه ان العبقرية لم تفارقه . وأن الطبع الأصيل القادر على الخلق الفنى ، كان يجيب كلما ناداه

ولكن القارئ الفطن بشىء من الالتفات يستطيع أن يفرق بين شعر القريحة - حتى ولو كان مسمحا شبيها مما يصدر عن الطبع - وبين شعر العبقرية ، وأن يرد كل شية من شياتهما إلى لونها الأول .

ولا يمكن لناقد أن يفهم الطبع - حتى ولو فهما أوليا ساذجا - بأنه صنو العبقرية ؛ ولكن قد يقول إنه شديد القرب منها ، وهي في النهاية قدرة الأديب على الخلق والإبداع .

وليس من الصواب أن تربط بين السهولة والطبع ، فقد تسودها الرياضة العنيفة ، والشعر الجاهلى لم يعرف السهولة ، ولكنه مع هذا كان مطبوعا لا أثر فيه للتكلف ، وقصائد شوقى في آل عثمان تكاد تكون وعرة من الناحية اللغوية ، ولكن الطبع المجاوب للفطرة لم يفارقها .

ومع هذا فأنا لا أحاول أن أربط دائما بين الشعر المطبوع وبين العبقرية التى ترضي الفن إلا في حدود ضيقة وصور محدودة جدا وذلك حين تستجيب الجودة للطبع وتوانية ؛ فكثيرا ما تتخلف العبقرية مع وجود الطبع

الشعر المطبوع ترانيم نفسية ، صدرت عن قلب صادق في انفعاله ، بريء في دوافمه ، ولكن قل لى : أمن الحتم الضرورى - وبصفة دائمة - أن كل شعر صدر عن عاطفة صادقة يلزم الناس أن يضموه فى سلك النتاج العبقرى؟ أظن لا .

صدق العاطفة هو الصك الذى يثبت شرفها ، أقول شرفها فحسب ، وحسبها أن يخلع الناس عليها هذا اللقب الجميل .

أما العبقرية فشيء آخر قد يوانيها ، وقد يتخلف عنها ؛ فقد يبكي الشاعر في ذكريات حارة صادقة ، ولكنه مع ذلك قد لا يحسن البكاء من الناحية الفنية ، وقد لا تجاوبه العبقرية في خلق معان يصفى لها قلب السامع ، فهو رجل يفيض شعورا ، ولكنه لا يحسن القول .

لو أن العبقرية كانت مجرد شعور صادق لكان رجل الشارع عبقريا ، فكم فاضت نفسه بألوان من هذا الشعور.

صحيح أن صدق العاطفة من مقومات الشعر الجيد ، ولكن يجب أن نفهم أن الفن ليس شعورا فقط ، ولكنه شعور وأداء ممتاز .

عمار الشعر الممتاز طبع توانيه العبقرية أو على الأقل تسعفه القريحة القوية المحتالة التي يبلغ من حذقها التلبيس على القارىء ، فتقدم إليه شيئا مصنوعا وكأنه طيبعى .

ربما سمعنا لشاعر بعد شوقى معاني أو صورا تكسب شعره صفة الجودة أحيانا ، ولكنا لم نسمع لشاعر بعد شوقى معاني أو صورا يستحق بها لقب الأديب الخالق . وتستطيع إذا أصغيت لشعر عربى في هذه الفترة أن تضع يدك في سهولة على مصدره أو شبيهه في التراث العربي ، ولكن مع فارق جليل : وهو أن الصورة الجديدة شوهاء ممسوخة إذا قارنها بأصلها العربي ، أو معادة مملولة سرقت من غير تعديل .

سر هذا الجفاف في الشعر العربي الحاضر أنه فقد روعة الخلق والإنشاء ، لأنه فقد العاطفة الصادفة . وأظن أن من البلاهة أن يكذب الأديب فيما يقول ، وباقي على الناس شعورا مزورا لم يحقق له صدره ، ولم تجاوبه نفسه ثم يرجو هذا أن يوفق في شراء إعجاب الناس بهذه العملة الزائفة .

وعلى كل شاعر أن يسأل نفسه فى مطلع كل عام : كم من القصائد قلت فى العام الماضى هى بنات نفسى وأفلاذها؟ فلعله لن يظفر بشىء من هذا النوع ، أو يظفر باليسير ،

وعليه أن يعيد النظر في هذا اليسير ، فسيرى حتما أنه خير ما قال ، وأنه - بالقياس إلى ما قاله - يعتبر فيه ملهما موهوبا .

سر هذا الجفاف في الشعر الحاضر أن نظرته ودواعيه تجري في حدود ضيقة ، تدور كلها حول الشاعر ، أو بتعبير أوضح حول شخصه الناوي ومصالحه ، ولو أن الشعر عالج هذه الموضوعات ذوات المنازع العالية التي تتصل بالخير والجمال ، لكان أجدى عليه ، ولأجابته العبقرية التي هجرته بعد شوقى .

لم يدع شوقى مناسبة عالمية ؟ أو حادثا شرقيا له جلاله وخطره فى القومية العربية . دون أن تهتز له شاعريته ، ودون أن يجيب لدمائه فى رضى وارتياح عميق يشعر به الفنان الذي يؤمن برسالته .

والاستجابة لهواتف الخير والجمال كانت أساس الموضوعات التى تناولها شعر شوقى - حتى الإخوانيات - فإن لها نصيبا من هذه النزعة المالية .

ولا أستطيع أن أقول إن صلة الموضوع بهذه الناحية السامية كانت وحدها سبب الامتياز في شعر شوقى - ولكنها كانت على الأقل - دافعا شريفا بيشر بالتوفيق ، إذا انضم إليها عبقرية خالقة كعبقرية شوقي .

فهل ترى أن دوافع الشعر الحاضر ، ذوات منازع عالية يقويها سمو القصد ، ويشد أزرها قبل الغرض؟

لابد للشعر الممتاز من عناصر تحمل عوامل الرجاء والأمل في امتيازه . وأولها نبل الغرض ونزاهة الإيحاء ، وسيجد الشاعر في ذلك ما يساعده على الإجادة ، ولو بمعاونة الرياضة والصنعة ؛ ومع أن حياتنا الشرقية بوجه عام والمصرية بوجه خاص . قد صارت أكثر اضطرابا وتلوينا وعدم استقرار هما كانت عليه في عهد شوقي - فإن شاعرا لم يحاول أن يستلهم وحيا جميلا في هذه النواحى السامية ، التي تحمل معها أسباب النجاح والتوفيق للشاعر ،

وانصرف الشعر إلى فنون - مهما دافعنا عنها فإنها غير نفيسة ، وأقصى غايتها أن نلبي - عن طريق مباشر أو غير مباشر - رغبة من رغبات المدة .

حاولت أن أتصور أن شوقيا - لو كان حيا - لأهمل الحديث عن الذرة ، وخطر الشيوعية ، والوحدة العربية ، ومؤتمر باريس ، وصراع العرب والصهبونية وغيرها من الموضوعات التى تشغل العالم ؛ ولكني وجدتني عاجزا عن هذا التصور .

إن فنون الشعر التي تبعد فيها نظرة الشاعر ، ويمتد أفقها فتمس الحياة الإنسانية قبل أن تمس القومية ، وتتحدث عن الجيل قبل أن تتحدث عن الفرد ، هي ذخر من المعانى لا ينفد ونبع من الصور الحية لا ينضب .

ولا يهولن الشاعر أنها لوحة جديدة ، لن يجد لها رسما سابقا يجتذبه فيما قال الشعر القديم ، ولن يجد لها رنينا سابقا في أذنه ، أو هتافا ماضيا فى جوائحه - لايهولنه ذلك ، فإن اللوحات القديمة -- مع ما فيها من جمال باهر - هى سبب اضطراب الشعر الحديث ، بل وابتذاله أحيانا - إذا أصر الشاعر على استيحائها ، أو التأثر بخطوطها ، وستجى لوحته دون ما يقلده ؛ لأنه قيد نفسه مرتين ، حين أصبح تابعا مقلدا ، وحين منع قطرته عن الكشف والإفضاء بهذا الحديث البكر ، فسلبها ظلما هذه الثقة القوية ، دون تجربة سابقة تستحق عليها هذا الإجحاف .

ليس أبعث على إرضاء الفن ، وأكثر أملا فى الوصول إلى نتاج عبقرى باهر - من هذه الفنون التي يحاول الشاعر أن يتحدث عنها ، دون أن تكون لها نغمات متخلفة في أذنه ، أو صدى قديم بين جوائحه .

ومن الرغبات القاسية التى يصاب بها صدر الأديب فى عهوده الأولى - هذه الرغبة المهلكة في الوضوح والتي تخلف عنده المخط على الجمهور ، هذا الذى لا يعترف له

بالامتياز ولا يقطع من الرحلة إلا أقلها . وإن فريقا لتلج بصدره هذه المحنة ، متملأه غرورا محبويا يبعث على الإشفاق فيحاول أن يقطف الثمرة قبل نضجها أعني ثمرة السلطة الزمنية عن طريق الأدب .

( أشوقا ولا يمض لي غير ليلة؟ ) إنك أديب مترف تعيش فى خفض من العيش إذا قارنت نفسك بالمثال والرسام والموسيقار . ولا تمدن عينيك إلى الكاتب ، فقد اتصل الغرب بالشرق فخفف كثيرا من علواه هذه الروحانية الشرقية التي يعتمد عليها الشاعر في غزو الوجدان . واحتل الكاتب المقعد الأول لأن بضاعته حقيقة تمس الحياة الاجتماعية ويندر فيها الخيال .

وما أقول إن الأديب ناسك لا تطمح نفسه إلى الثناء ، وإلى المكافأه المادية أحيانا . فمن العدل الجميل أن يلتفت إليه ، وأن يكون الإعجاب عمليا في بعض الظروف ، فلا شىء أشد إيلاما لنفسه من أن يعمل دون أن يجد تقديرا لذلك ، ولو في التفاتة عابرة ، أو ثناء مقتضب .

ولكن على الأديب أن يوطن النفس ، على طول الرحلة ، ويمد الشقة ، والسفر المعني الذى لا يحلو من سراب ويأس ودموع . فإذا شارف النهاية ، وكانت شمس الحرمان المحرقة قد لوحت وجهه الصابر ، وظهرت على جسمه الكدود وعناء السفر ، ومرنت نفسه على هذا اليأس المترفع الجميل - هنالك يسرع الجمهور ليعاونه على أن يحط عن مناكبه وقر السنين الماضية ، ذلك الحمل الذي يتألف مما كتب وسطر في عهود الحرمان . وهناك سيرجوه أن يقدم إليه شيئا من السلطة الزمنية .

ولكن هذا الذى كان بالأمس مشفوقا بها ، حريصا عليها ، سيزهد فيها اليوم ويرفضها وسيتقبل مطمئنا سعيدا هذه الهدية التي تقدمها إليه يد التاريخ ، حين تضفر على جبينه المحروم غار الخلود .

اشترك في نشرتنا البريدية