الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 399الرجوع إلى "الثقافة"

هذا الشعر بعد شوقي

Share

أمل أقرب الموازين إلي الصواب في تقدير قيم الأشياء هذا الفراغ الذي تحسه عند فقدها

وقد تستطيع إلي حد أن تعالج أثر هذا الفقدان بما تلتمسه من وسائل آنية ، تحاول بها ان تسد هذا الفراغ ولكنك لا تستطيع بحال ان تشغله ، وكل محاولة تعلل بها النفس - أو بالأحري تضللها - هي في الحقيقة نداء صارخ بأن مكان المفقود لا يزال شاغرا .

كم من الأعوام مضي بعد وفاة شوقي ؟ ثلاثة عشر عاما أو تزيد . وكم مضي من احداث العالم بوجه عام ، والشرق العربي بوجه خاص ؟

أظنها تزيد على عدد السنين إيطاليا تغير علي الحبشة على مرأي من الدول الديمقراطية والحرب الأهلية الإسبانية تأكل أبناء البلاد كما تأكل النار الهشيم

والخلاف يبلغ أشده بين ماعلى الجزيرة العربية وتوشك الحرب ان يتطاير شررها ، لولا سعي مشكور في حقن الدماء

ومؤتمر المائدة المستديرة يعقد في لندن لحل مشكلة فلسطين - هذا البلد المعذب ويحضره الساسة من زعماء العرب

ويجلس الفاروق على عرش ابائه في صبح العممر ، تحفه قلوب أمة ، وتعقد حوله آمالها

ويلمع نجم النازية والفاشية في أوربا حينا من الزمن ثم يأفل بعد حرب هوان ، فإذا هتلر مقتول بيده والدوتشي معلق من قدمه ، ورأسه ملصق بالرغام والأقدام تركله حتى تتحطم أضلاعه ويمتقع وجهه

وتحاول فرنسا أن تحنث في عهدها للفطر الشقيق فتلقي بالزعماء في اعماق السجون ثم يكتب له النصر ولها الجلاء

وتنتهي الحرب العالمية الثانية فتهوي معها تيجان لبعض الممالك الغربية عن جباه ملوكها

وأخيرا دولة ( الذرة ) هذه التي أصبحت حديث العالم . كثير وكثير من الحوادث . وكم من الشعراء أرح لهذه الحوادث ؟ لا أحد والسؤال الذي يسبق إلي الذهن : لو كان شوقي حيا أكان يترك هذه الحوادث تمضي دون أن يؤرخ لها ، ودون أن يأسو جراح العرب في مآسيها ، ويهز جوانحها بالرفيع الخالد في بشائرها ؟

إن الجواب يعرفه كل عربي وسنفترق - أنا وانت منذ الآن - إذا قلت إن بعض هذه الحوادث قد أرخ لها الشعراء . فإنما أردت أيدك الله - هذا التأريخ الذي يكتب له الخلود ، فيشرف الحادث به ، ويعرف عن طريقه ، فيصبح تابعا له ، كانما تأخر الحادث عنه في الوجود .

لم يستطع الشعر أن يؤرخ لأمال الشرق وآلامه بعد شوقي . ولقد تضاءل الشعراء في ذلك واضمحلوا ، حتي أصبحوا أجدر بالرحمة والعطف منهم بالملوم على التقصير

وهل أبعث على الرحمة بهم من أن يلتمس الناس شعرا يسمعونه في دمشق حين رماها الفرنسيون أخيرا بقنابل طائراتهم فلا يجد الملتمسون غير قصيدة قالها شوقي حين رموها منذ أكثر من عشرين سنة

ومع ما في القصيدة من روعة فنية - حتى لتعتبر أثرا من آثار شوقي الخالدة - فإنها لا تصلح في هذا الظرف من ناحية الشكل السياسي أو الشعور القومي وإن صلحت موضوعا

وإذا كان الشاعر قد حشد لها الوانا زاهية من الفن الرفيع ، فإنه لم يتجاز في نفس الوقت ان يزجي اللوم رفيقا إلي الفرنسيين حتى ليوشك ان يكون عتابا ، وأن يبصرهم بسياسة الشعوب ، ويذكرهم بهذه الحرية التي بذلوا من أجلها الدماء في ثورتهم

وهذه معان - وإن منحها شوقي الفنان روعة في التصوير ، وعبقرية في الأداء - فإنها هادئة فاترة في الحادث الأخير ، ينقصها حماسة الوعيد ، وإذكاء الهمم لاستكمال الاستقلال ، والحث على دفع العدوان . وهذا ما يدعو إليه الوضع السياسي والشعور القومي في سورية بعد الحرب الثانية

لم يعد الجمهور العربي يرهف أذنه للشعر في حماسة بعد شوقي ؛ وليس مرد ذلك إلى انصرافه عن مطالعة هذا اللون من الفنون ، ولكنه فقد الثقة بالشعراء - أو على الأقل ضعفها - قد حمله على هذا الانصراف . ومن المؤكد أنه اصغى بعد شوقي لما عسي يقول الشعراء ، وكان هذا الإصغاء يقويه حسن النية ويحدوه الامل في العثور على شوقي جديد ، ولكنه عاد بشيء من اليأس إن لم يكن اليأس كله - في العثور على شوقيه المنشود

ومع هذا فاني أعرف لبعض الشعراء مخايل أو لمحات تبدو بين الحين والحين ، يشارفون فيها سمات الشعر الذي ننشده ، وتجمع ديباجتهم احيانا بإشراقة واضحة ، يقربون فيها من عمود الشعر العربي .

ومع أن هذه الديباجة المشرقة لم تخل من جهد الصناعة ، وعنت التكلف الذي يقطع الصلة بينها وبين الطبع الأصيل ، فان الجمهور العربي قد كان على استعداد للأغضاء عن ذلك لو انهم اظهروا تقدما في مناح اخرى تتصل بالقيم الفنية التي يتألف منها الشعر الممتاز ولكن معانيهم بقيت كما هي مألوفة ضحلة ، وعمد هذا

الفريق من الشعراء إلي عناصر من الصور وجدوها موضوعة في رفوف التاريخ ، فأخذوا يؤلفون كل خيال من مجموعته المعروفة على طريقة رتيبة مملة ، ولم يفكروا في الافتنان أو التغيير ، ولم يفكروا حي في محاولة تغيير المواضع التي تشغلها هذه العناصر في تأليف الصورة ، فجاء خيالهم مطبوعا بطابع الفتور ، موسوما بالكسل المعيب

الديباجة تفتر أحيانا عن إشراقة عربية تظهر حينا وتختفي احيانا ، والمعنى ضحل ساذج قريب ، والخيال رتيبب قديم محفوظ .

هذه هي سمات الشعر عند طائفة قليلة من الشعراء بعد شوقي ، وهي الطائفة التي كان يرجو العرب أن يحدوا شوقيا آخر من بينها . وقد مضي بعض الزمن - واظن أن الكثير منه سيمضي - دون أن تحقق هذه الأمنية

ولا أحب أن يفهم من حديث المعاني ( الضحلة ) أن الشعر الممتاز يجب ان تكون الفلسفة بعض أدواته ، فإن ذلك على التحقيق يفسده ، ويباعد بينه وبين الفن ، ذلك الذي يجب أن نفهمه بقلوبنا أكثر مما نفهمه بعقولنا . وإنما أريد هذه المعاني النظرية المتصلة بكل نفس بشرية دون ان يكون للصناعة اثر في تحويرها ، أو وضع عناصرها على ترتيب آخر يغاير صورتها الأصيلة - التي خلقت عليها في أعماق النفوس

وليس من الصواب أن نظن أن هذه المعاني الفطرية التي نشترك في حملها كل نفس - مثقفة كانت أو غير مثقفة - ستكون ساذجة قريبة التناول ، وبالتالي لا يكتب لها الإعجاب لأنها في متناول كل إنسان ، وتحت يد كل طالب .

والصواب أن فطرية هذه المعاني هي سبب روعتها وسر الإعجاب بها ، حتى ولو اشتركت في حملها كل النفوس ، ومن المحال أن تصف شيئا بالحسن إذا خالف فطرة أصيلة ركبت في نفسك ،

والصواب ايضا ان هذه المعاني علي فطرتها وسذاجتها واشتراك النفوس في حملها - ليست في متناول كل إنسان ، ولا تحت بد كل طالب . وهنا تظهر موهبة الفنان - تلك الموهبة التي لابد له فيها - في التماس هذه المعاني والتقاطها من هذا البحر الزاخر الذي تسبح فيه في حنايا النفس .

وهنا فقط سر الإعجاب بها والاهتزاز لها ، لأنها جمعت بين شيئين : وأعني بهما الألفة الحبيبة إلي النفوس ، تلك الألفة التي تجاوبها الفطرة ، وبين المهارة في انفراد الفنان وحده بالتنقيب عنها والعثور عليها

وقد كنت سمعت شعرا للأخطل الصغير في حفل حشد له شعراء الأقطار العربية لرثاء شوقي ، فسمعت شعرا رائعا جميلا

أما اللفظ فقد كان لا يعدله عندي غير وسوسة الحلى في أيدي المترقات من الحسان . وأناقة اللفظ وترفه - إن صح هذا التعبير - شئ بلغ الغاية منه شاعر لبنان

أما المعنى وتأليف الصور الفنية في بناء الخيال فإني لا اعرف في الشعر العربي على الإطلاق أروع ولا اجمل من ذلك ، ولا يطمع الفن العربي في اكثر من هذا

امتاز بشارة الخوري في هذه القصيدة بالخلق الفني الرائع من الفها إلي بائها ، ولم يحاول ان يقرضه الشعر العربي شيئا من معانيها أو أخيلتها فجاءت آية رائعة

وقد كنت لم أقرأ كثيرا لهذا الشاعر قبل هذه القصيدة ، فراجعت شيئا مما قال ، وأصغيت إلي شئ مما يقول ، فماذا رأيت ؟

رأيت أن الترف لم يفارق لفظه . أما المعنى وتأليف الخيال فغاية ما يدركه الشاعر فيهما مرتبة الجودة أحيانا ، والامتياز حينا - إذا قارنته بشعراء عصره - ولكنه بحال لا يشغل هذا المكان الذي تركه شوقي ، ولا ينهض لحمل اللواء كشاعري جيل

يبدو لي أن هذا المكان الذي تركه شوقي . وإن شئت فسمه إمارة الشعر - لا يخضع لظروف الجيل ، ولا يريد ان يؤمن بأن للشعراء طاقة فنية تقف عندها قدرتهم على الخلق والإبداع

إن هذا المكان الذي خلفه شوقي - ولم يشتغله شاعر بعده - أشبه ما يكون بقمة الجبل ؛ فمن استطاع من الرواد أن يبلغها فإنه سيشرف على المتعلقين بصخوره ، وعلي من لا يزالون في السفح أو بطن الوادي ، وقد يعجز الرواد جميعا عن بلوغ هذه القمة ، فتنتهى الرحلة دون ان يكتب لأحدهم هذا السبق ، وإن شئت فقل : ينتهي الجيل دون أن يدرك شاعر فيه هذه الغاية .

كنت لم أفرغ من كتابة هذه الكلمة ، فوقع لي مجلة اسبوعية جعلت موضوع حديثها ( البحث عن شئ )، ورايت ان الوزير الشاعر معالي الاستاذ ابراهيم دسوقي أباظه باشا يبحث عن قصيدة فلا يجدها ، فقلت : اقتربنا . ولكنه لم يلبث حتى افضي بذات نفسه ، فإذا به في نهاية الحديث يبحث عن شوقي ، ولم يفته أن يمسح على رؤوس الشعراء قبل أن يلقي إليهم بهذا التصريح

أربع لم تهيأ لشاعر غير شوقي ، استطاع بها أن يكون السابق المقدم في حياته وبعد وفاته العبقرية - أو القدرة على الخلق الفني - ورحابة صدر ساعدته على امتداد نفسه في الفريض مع الاحتفاظ بنفس القوة التي بدأ بها الشوط الأول من القصيدة . وشعور دائم الاتصال بالعالم بوجه عام والشرق العربي بوجه خاص . وثقافة واسعة استوعبت نتاج الشرق والغرب في صورة كاملة .

الخلق الفني هو سر الخلود . وقد يظفر الأديب غير الخالق بأن يصغي إليه فريق من الجمهور ، ولكن عليه أن يوطن النفس علي أن التاريخ لن يصغي له بحال .

اشترك في نشرتنا البريدية