الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 617الرجوع إلى "الرسالة"

هذا العالم المتغير

Share

بترول من الميكروبات؟!

من الأخطار التي تهدد المدينة الحديثة نقص احتياطي البترول  في العالم، فقد استنفدت أدوات الحرب كميات طائلة منه. ولهذا  اتجهت أنظار الساسة والاقتصاديين إلى مد أنابيب البترول عبر شبه  جزيرة العرب لاستغلال آباره مع ما يتكلفه هذا المشروع الضخم  من نفقات كبيرة. ولقد أجهد الكيمائيون والعلماء أذهانهم  ليحصلوا على موارد جديدة تزيل المخاوف المقبلة.

وكان من أمتع الأبحاث وأغربها بحث الدكتور كلود زوبل  الذي تجاوزت مدته ١٥ سنة، قضاها لا يحفر الأرض ليعثر على  آبار جديدة للبترول، بل منقباً عن حشرة صغيرة تحول المواد  الأولية إلى بترول. ووفق أخيراً إلى العثور على ضالته فكان  لكشفه أهميتان مزدوجتان.

أولهما أن البحث عن آبار البترول لن يحتاج إلى حفر إغوار  بعيدة، ولا إلى استعمال المجسات المختلفة، بل سيبحث العلماء بعد  ذلك سطح الأرض للعثور على هذا النوع من البكتريا، فإن  وجودها فقد وجدوا الآبار.

والثانية أن دراستنا لهذا النوع من البكتريا ستتيح لنا معرفة  الوسيلة التي يتكون بها البترول في الطبيعة، فيستطيع الإنسان  بوسائله الصناعية الإسراع في إنتاجه بالمقادير اللازمة.

فمنذ خمس عشرة سنة اقتنع الدكتور زوبل بأن نوعاً من  البكتريا يقبض بيده على سر إمداد العالم بالزيوت، فنقب ودرس  ما وسعته الدراسة وهو يوفق في كل فترة إلى كشف جديد يبطل  فكرة قديمة أو يقدم للعام معلومات جديدة - فعثر على قائمة  طويلة بأنواع البكتريا لم يسمع عنها الناس، ومنها ما تحول  الدهنيات النباتية أو الحيوانية إلى مواد بترولية. ولكن الميكروبات  لم تكن ثابتة الإنتاج فأحياناً تترك بقايا زيتية وأحياناً ترفض.

واتجه تفكير وبل إلى ناحيتين، فأما أن البكتريا تنتج

البترول بشروط خاصة وإما أنه يجرب في أكثر من نوع واحد  منها، وأي الاحتمالين يقض مضجع صاحبه. ففي أي الظروف  تنتج البكتريا الزيت؟ وكيف يحصل على البكتريا الأصيلة نقية؟ ولكي يحقق الاحتمالين خرج إلى عرض المحيط مرات  ليستخرج من قاعه عينة نقية. فمن المعروف أن أكثر الزيوت  العالمية نشأ في ظروف بحرية. وفي خلال هذا التنقيب قلب كثيراً  من الأوضاع العلمية القديمة، وأثبت خطأها، فنفى ما قيل من أن  البكتريا لا تعيش في المياه المالحة في أعماق المحيط.

وقال العلماء أيضاً أن الأحياء الميكروسكوبية لا تعيش في  أعماق المحيط أو الأرض لأنها تتأثر بالضغط ودرجة الحرارة  فأخرج لهم زوبل أحياء ميكروسكوبية من أعماق زادت على ثلاثة  أميال. وأثبت أن بعض الأحياء تعيش في أبعد الأعماق، وتتحمل  عشرة أضعاف ضغطها وفي درجات حرارة لم يحلم بها عالم.

وغذى ميكروباته بالسكر واللحم والدهن والملح والخضروات  والجيلاتين والفيتامين وأحياناً بالكعك، فهضمت كل المواد  العضوية وأنتج بعضها ثاني اكسيد الكربون أو الميثين كما حلل  آخر أحجار الجير أو أطلقوا الألمنيوم من السليكا أو استخرجوا  البوتاسا أو النيتروجين إلى غير ذلك من قائمة المستخرجات والانحلالات.

ولكن الموضوع الذي يحصر فيه كل تفكيره استمر على  غموضه إذ تعطيه بعض الأنواع مادة زيتية لا تلبث أن تتلفها.  فكيف تنتج المادة وكيف تفسد وتزول؟ أهو قبل نوعان من البكتريا  يتشابهان في المظهر؟

سؤال أرسل إلى رأسه الصداع مرات فإنه ليضع ١٥٠٠٠  حي تحت المجهر فلا يزيد طولها عن بوصة واحدة فكيف السبيل  إلى التفريق بين النوعين. كثيراً ما أعطته هذه المجموعة نفسها  دهنيات لا زيوتاً.

ولقد جرب حتى أنهكته التجارب، وفصل الأنواع حتى  أرهقه التنويع. وأخيراً هدته المصادفة وحدها إلى عزل النوع  المضبوط، فحصل على النتيجة التي يريد، ففي إحدى المرات عزل  مجموعات منها في أوانيه الصغيرة ثم غطاها بلصقة باريس ووضع  فوق الجميع شمع البارافين. وبعد أسابيع أزال الأغطية فعثر على

سائل أثبت التحليل الكيماوي أنه زيت خام. كما وجد أن التجربة  التي عملها أوجدت بيئة بحرية داخل الإناء، وأعاد التجربة مرات  فإذا هو يجد نفس النتيجة.

ومن الطبيعي أن تعتبر الجزء التجاري من أبحاث زوبل في الوقت  الحالي من الأسرارالعسكرية. ويقال إن نجاحه كان عظيماً حتى ليتيح  تحويل جميع مخلفاتنا النباتية إلى زيوت معدنية، على أن مبدأ واحداً  أذيع وهو كيفية الكشف عن منابع البترول التي يتسرب قليل  منها خلال طبقات الأرض مما يتعذر على الطرق الكيميائية معرفته،  ولكن هذه   (البكتريا المحللة)  تستطيع بطبيعتها الخاصة  اكتشاف أماكنه. فأينما وجد هذا النوع من البكتريا فإلى جواره  منابع زيت.

فهذه الجراثيم الدقيقة هي الآن قائدتنا إلى منابع الزيت المختفية  في باطن الأرض لا المجسات ولا وسائل الحفر والاستنتاج.

اشترك في نشرتنا البريدية