لا تكاد السيدة سيمونس تمر امام إنسان حتى يرمقها في رثاء ، وينظر إليها في عطف ، وقد قفزت إلي ذاكرته قصة الحظ العاثر الذي ختمت به زيجتها من زوجها الثاني مستر سيمونس
وبقدر ما كان يبعث منظرها العطف والرثاء ، كانت تثير ذكري زوجها السخط والاستنكار ، حتي هؤلاء الذين لم يعرفوا الزوجين قط كانوا لا يكادون يسمعون بما أثاء هذا الزوج ، حتى يحكموا بأنه كان متجنيا على زوجته ظالما لها أشد الظلم
كان الزوجان قبل هذا الحادث مثلا أعلى للزيجات الموفقة السعيدة في نظر أهل حي " إيست اند " جميعا ، فالسيدة سيمونس كانت مثال الزوجة التي تفني قواها في غير رفق لكى تقوم بشئون منزلها ، مؤدية زوجها من الخدمات ما لا ينتظر زوج من زوجة ، باذلة اقصى الجهد في توفير الراحة له ، مما جعلها موضع الحسد من كل نساء الحي
أما السيد سيمونس ، ذلك الرجل الهادي الأخلاق ، بوجهه الباسم وعينيه الصافيتين ، كأنهما عينا طفل ، واستقامته التي دفعت به إلى ان يترك التدخين بعد زواجه بأيام ، فقد كان مثال الزوج الطيب في نظر هؤلاء النسوة اللواتي كن يلاقين من أزواجهن كل جفاء .
كان تومي سيمونس نجارا بارعا ، برز في مهنته وأغفل
ما عداها من شئوان الحياة
أما مسز سيمونس فقد كانت قبل زواجها به ارملة قضت في ترملها بضع سنين ، كانت فيها مثال الوفاء لذكرى زوجها الراحل - مستر فورد - الذي قضى نحبه في ظروف صعبة ، إذ كان حمالا في إحدي سفن البضائع ، وغرقت السفينة فانقطعت اخباره عن زوجته ، ومع ذلك فقد ظلت امينة لعهده ، غير مطمئنة لنبأ وفاته ، حتى تقدم لها مستر سيمونس طالبا يدها ، فقبلت لما تعلمه عنه من طيب الذكر ، ودمائة الخلق ، ووداعة الطبع
سلك الزوجان سبيلهما في الحياة كاحسن ما يكون الأزواج هدوءا واستقرارا ، ففي مسز سيمونس تمثلت فضائل السيدة الانكليزية التى تدير منزلها بمهارة واقتصاد مقدرة ما تبذل من مجهود في نظافة المنزل ، حتى انها ما كانت لتسمح لزوجها بأن يدخل الردهة منتعلا حذاءه ، بل كانت تجبره على ان يستبدل به خفين قديمين خصصتهما لاستعمالهما في المنزل ، فإذا حدث مرة ان تساقطت بعض الأوحال من حذاء مستر سيمونس على البساط العتيق الممتد في الردهة ، فان ذلك يظل إلى وقت غير قصير موضوعا لشكايتها ، ودليلا تستدل به على مبلغ استهتار زوجها بما تبذله من جهد ، وكان لا يخف سخطها ويزول تبرمها حتي تعلو الكابة والندم وجه زوجها الساذج القلب الطيب السريرة ؛ وهكذا كانت مسز سيمونس مع قلة موارد
زوجها مثلا من امثلة الدقة في نظافة المنزل .
أما حياة السيد سيمونس فقد كانت موزعة توزيعا عادلا بين حانوته وبين المنزل ؛ فهو إلي جانب حرفته يحمل نصيبا غير ضئيل من شئون الدار ، ففي مساء السبت يقوم بتنظيف الأبواب والنوافذ ويغسل آنية الشاي ويطوي الملابس ويرتبها في الدولاب الكبير الذي يملا حجرة النوم ، وفي يوم الثلاثاء كان يسير خلف زوجته في خضوع ، حاملا سلة هائلة الحجم ، لشراء ما يلزم للمنزل من حاجات مختلفة لأسبوع كامل
وكانت نزهته الأسبوعية أن يتوجه صباح كل أحد إلي الكنيسة مرتديا قبعة عالية رثت حوافيها ، وفي يده عصا من خشب ابيض صنعها بيده ليحملها في هذا اليوم فقط . فاذا ما انتهت الصلاة سار في وقار إلي صندوق النذور فألقي " بنسا " واحدا هو كل ما تسمح به مسز سيمونس من مرتب الاسبوع الذي يتراوح بين ستة وثلاثين شلنا وثمانية وثلاثين ، لا يعرف من امر تصريفها شيئا ، ولم يجرؤ يوما أن يفكر في أن يعرف .
كان من معتقدات مسز سيمونس التي لا تتغير . ان الرجال كلهم بسطاء لا يعرفون شيئا عن فن المساومة في البيع والشراء . ولما كانت تحرص دائما على الا يضيع " بنس " واحد من مال زوجها هباء ، فقد كانت تشتري له بنفسها ما يحتاج إليه من ملابس ؛ ومراعاة للاقتصاد أيضا كانت تضطر أحيانا كثيرة إلي شراء البدلة الواحدة من حانوتين ، ولعل ذلك هو السبب في انه قلما اجتمعت بدلة كاملة ذات لون واحد على جسد مستر سيمونس .
وظل الحال فيما يختص بملابس المستر سيمونس على ذلك ، حتي شاء الحظ ان تكتشف الزوجة المدبرة محلا لبيع الملابس القديمة في الحي ، فاستغنت به عن تلك الحوانيت التي ضايقتها رفاعة أصحابها وسرفاتهم . كان اعتقادها أن تجار
الاقمشة والخياطين هم جماعة من اللصوص فتحوا حوانيتهم لابتزاز أموال الأغنياء ، لذلك فرحت مهذا المحل الذي اكتشفته ووجدت فيه ضالتها ، فاشترت منه اردية قديمة استحالت بعد أن أعملت فيها الحكمة والذوق طورا ، والقص والإبرة طورا آخر ، إلي بذلة جديدة للزوج العزيز
ثم ذلك في يوم واحد ، حتى إن مستر سيمونس حين عاد من عمله في المساء وارتدي هذه البدلة شعر انه إنسان آخر
وفي الحق أن هذه البدلة كانت عجيبة الشأن ، فالجاكتة تتسع عند خصر مستر سيمونس وتضيق عند رقبته حتى لتلزمه الصمت والاقلال من التنفس خشية الاختناق ، وتنحدر من الخصر في ضيق نحو العجز حي يبلغ الضيق أشد ، ويبدو النصف الأعلى لمستر سيمونس كانه قدر كبيرة من قدور الخمر ، أو برميل واسع الجوف
أما السروال فهو يتكون من كيس واسع الحلق . يبدأ من خاصرته وينتهي عند افخاذه لينساب في فرعين ضيقين كامهما فرعا نهر ، حتى يصلا إلي الركبتين ، فيمتدا في استقامة واتساع حتى يصلا إلي القدمين فيكون كل منهما حلقة واسعة النطاق لا يبين الحذاء منها ، لأنها تحيط بالقدم والحذاء معا .
واستطاع مستر سيمونس آخر الأمر ان يلتزم ما تحتاجه حلته الجديدة من اوضاع مخصوصة ، كان اولها ألا ينحي أبدا حتى لا تصعد الجاكتة وتتجمع كلها عند خاصرته ، والا يجلس إلا مادا ساقيه ، وإذا تلفت ففي تؤدة وهدوء .
اعتاد هذه المضايقات التي يسببها له ارتداء هذه الحلة ، ولكنه لم يتعود بعد تلك النكات القارصة التى كان جيرانه من أصحاب الحوانيت يقذفونه بها كلما ذهب إلي حانوته او آب منه
كانت هذه النكات تتجدد وتتطور ، وتنتقل من لسان إلي لسان ، حتى لقد سمع بعض الصبية يوما يرددونها .
وكأنما اقتنعت مسز سيمونس بالنجاح الذي أصابته ، فاستمرت في خياطة ملابس زوجها ، وكان نموذجها في كل حلة جديدة الحلة التى سبقتها . . حتى اصبحت العيوب السابقة قواعد جديدة يبني عليها تصميم الرداء الجديد ، وحتي اصبح الحكم علي ما يرتديه مستر سيمونس وتحديد نوعه ، اهو بدلة ، ام جلباب ، ام لباس تنكري ، ضربا من ضروب التخمين والحدس
وما كان لمستر سيمونس أن يتضجر أو ينتقد ، وهو يذكر انه جرؤ مرة على ان يطلب إليها الرفق بصحتها والإشفاق على حياتها ، وترك مهمة تفصيل ملابسه وخياطتها إلي أحد أصحاب الحوانيت ، فما كان منها إلا أن ثارت ثورة جامحة ختمتها بكلمة احالت انتقاده واقتراحه إلي أحلام بعيدة التحقيق .
- أتريد أن تلقي بالنقود إلي هؤلاء الخياطين الجبناء اللصوص ، بينما اشقي أنا لكي اوفر بنسا واحدا ؟ يا لك من اناني . الا تري بأنني بدأت اشعر بالإسراف الذي ترتكبه من جراء ذهابك إلى الحلاق حتي إنني افكر في أن أحلق لك رأسك بنفسي ؟ .
وكان من فضائل مسز سيمونس صدق العزيمة والحزم ، فلم تمض أيام حتى شاهد أهل الحي مستر سيمونس براس غريب الرسم يخالف نظام الشعر فيه كل ما يعرفه الناس من انواع الحلاقة ، واستطاعت قبعته الضيقة آخر الأمر ان تصل إلي اذنيه وتحتويهما في غير مشقة ولا عناء .
ظل حال الزوجين السعيدين على هذا المنوال إلي أن كان يوم سبت ، فخرجت مسز سيمونس لشراء بعض حاجاتها ، وجلس الزوج السعيد في المنزل لكي ينظف
أدوات الشاي ، حتي إذا ما اتم عمله جلس يفكر ويجبل بصره في انحاء الغرفة حتى وقعت عيناه على البدلة الجديدة التي اعدتها له الزوجة أخيرا ، والتي سيلبسها صباح الغد . كان السروال قصير الساقين ، طويل الوسط . أما الجاكتة فقد بعث منظرها في نفسه ثورة غضب هائلة ، وقفزت إلي رأسه خواطر شريرة تهمس في عنف : " الق بهذه البدلة في الطريق ، في الوحل ! إن مكانها سلة الأقذار لا جسمك أيها المسكين . أي ضحك سيثيره منظرك بها غدا ؟ "
ولكن سيمونس الطيب القلب طرد هذه الخواطر من راسه بقسوة وسد اذنيه عن سماع هذا الهمس ، واسرع نحو ادوات الشاي يعيد تنظيفها ، حتى إذا غسلها للمرة الثانية عاد مرة اخري ليلقي نظرة على البدلة ، ولكن باب المنزل لم يمهله فقد دق دقا عنيفا فأسرع ليري ما الخبر.
هل هذا منزل مسز فورد ؟ وهل هي هنا ؟ وأجاب سيمونس : - هذا منزل مسز سيمونس وهي في الخارج مسز سيمونس أقصد . مسز فورد سابقا ، دعني أدخل أولا ثم أشرح لك .
فتح سيمونس الباب لهذا القادم الغريب ، وهو رجل رث الهيئة يلبس قبعة بالية ويضع إحدي يدبه في جيب سروال باهت اللون قد تناثرت عليه شتى البقع
وصعد الرجلان السلم الخشبي حتي إذا ما بلغا منتصف الردهة ألقي هذا القادم برماد لفافته في إهمال إلي الأرض وهنا صاح سيمونس في فزع :
- سيدي . بربك لا تلق بالرماد هكذا على البساط ماذا تقول زوجتي لو رأت ذلك ؛
وحانت من سيمونس نظرة إلي قدمي هذا الزائر فاتسعت حدقتاه وصاح به :
يا لله ! كيف صعدت يا سيدي منتعلا حذاءك ثم أخيرا . من أنت ولم أنبت ؟
وأجاب الرجل في هدوء : أتيت لرؤية زوجتي . أنا ليونل فورد زوجها متى تعود ؟
تقول زوجتك ؟ إنها زوجتي أنا . تومي سيمونس ، وزوجها السابق قد غرق .
كان الرجل ينظر إلي الغرفة المقابلة إذ ذاك في دهشة واستغراب ، فلم يعن بما قاله سيمونس بل سار في خطي ثقيلة نحو هذه الغرفة ، وتبعه سيمونس وقد عادت في هذه اللحظة إن رأسه ذكريات حياته من عهد زواجه إلي اليوم . وإلي جانب هذه الذكريات مرت على ذاكرته صور شتى له وهو مرتد الحلل الانيفة التي كانت تخيطها له مسز سيمونس ، وصور اخرى يظهر فيها راسه وقد حلته يدها بالمناظر الغريبة التي تتخللها الجروح كانها واحات سوداء في وسط صحراء جرداء
وكان آخر ما عاد إلي مخيلته تلك الخواطر الشريرة الثائرة التي كانت تهمس في اذنيه بأن يلقي بالبدلة الجديدة إلي عرض الطريق . . وتصور أخيرا أن هذا الرجل مستر فورد يريد ان يغتصب زوجته ، ومعنى ذلك ان يلبس هذه البدلة الجديدة بدلا منه ، وتلعب يد مسز سيمونس براسه .
وفجأة صاح فورد : - اسمع يا سيدي . لا داعي للحزن والتفكير . لن أفرق بينك وبين زوجتك، يخيل إلي أنكما سعيدان ، فلا معنى لان انغص عليكما هذه السعادة . إنني على استعداد لأن اختفي ثانيا واترككما على ان تدفع لي خمسة جنيهات .
... ولما لم يكن مع سيمونس خمسة جنيهات ولا خمسة بنسات ، وكانت الخواطر والذكريات تتدافع في رأسه فقد أجاب :
- إن واجبي أنا أن أذهب لأنها زوجتك قبل أن تكون زوجتي ، ثم إنه ليس معي خمسة جنيهات .
- لتكن ثلاثة جنيهات . أتقبل ؟ - ليس معي يا سيدي . يجب أن أرحل . إن رجولتي تقضي علي بذلك
جنيه واحد ؟ أليس معك ؟ ونظر إلي سيمونس باحتقار ثم دار بعينيه في الغرفة فوقع بصره على ساعة الحائط المعدنية ) ليس معك جنيه واحد ؟ حسنا هذه الساعة يمكن ان ارهنها على جنيه ( وتقدم ليخلع الساعة )
كان سيمونس غارقا في تأملاته وذكرياته يرسم في ذهنه صورة مستر فورد خلف زوجته حاملا السلة ، او متهمكا في غسل الأطباق والنوافذ، أو سائرا في الطريق لابسا احد الاكياس الفاخرة التي تبتدعها يد الزوجة الوفية . والتفت فجأة فوجد الرجل قد تأبط الساعة فصاح به
- لا لا يا سيدي . لا استطيع أن أعيش مع زوجتي وانا اعلم ان زوجها موجود . .
. ولم يتم جملته حتى دق الباب فصاح في فزع : أعد الساعة مكانها . إنها هي ! وعدا نحو السلم يهبط درجاته في سرعة زائدة ، في حين قفز فورد من النافذة ، إلي السطح المجاور حاملا الساعة
والتقي سيمونس بزوجته عند آخر السلم ، فصاحت به في غضب :
لم تنزل بهذه السرعة . ويغير قبعتك ؟ يا للعار ولكنه اندفع نحو الباب صائحا : لا شئ . لا شئ . يوجد شخص بانتظارك في الغرفة . اصعدي إليه . أسرعي . .
وعدا سيمونس في الشارع . . وترك الحي كله ، ولم يعد ثانيا .
ولا يزال أهل الحي ، كلما ذكروا حادث هروب سيمونس من زوجته بعد أن سرق الساعة ، يرثون لمثل هذه الزوجة الوفية ، ويسخطون على مثل هذا الزوج الغادر ؟ !

