هل يستطيع غير أهل مصر أن يدركوا مغزي رفع على البلاد فوق السارية الشامخة في قلعة القاهرة ؟ ليست هذه القلعة الشهباء مجرد بناء يقوم على جانب الوادي فوق تلال المقطم الجرداء ، إنها قطعة من روح مصر ومعهد صاحب الأجيال الطويلة من تاريخ مصر .
فقد كان صلاح الدين يضع أساسها منذ نحو ثمانية قرون عند ما كانت امم أوربا كلها لا تزال تهيم في ظلمات الفوضى والجهالة
كان الترماتديون عند ذلك لا يزالون يحاولون تدعيم حكمهم الجديد في بلاد الإنجليز بعد مضي قرن واحد من موقعة ( وليم الفاتح ) الذي أتي إلي تلك البلاد غازيا من الجنوب .
وما زالت تلك القلعة قائمة منذ ذلك الحين تشهد أيام مصر علي تعاقب الأجيال وتشارك في هزة مجدها وتواسي في شدة نكباتها إلي ان قدر لها منذ أيام ان تشهد يوما آخر مجيدا عند ما رفع عليها الفاروق السعيد علم الهلال المثلث النجوم .
شهدت تلك القلمة أيام سلاطين بني أيوب وهم يدفعون عن مصر غارات الصلبيين المسرفة ، وكانت تستقبل فرسان مصر بعد عودتهم من ميادين القتال التي اخرجوا فيها المعتدين من أرض الوطن بأجنحة دامية مهيضة . وشهدت سلاطين ( الماليك ) وهم يتجردون لدفع غارات التتار المدمرة ، وفتحت أبوابها لجيوشهم المنتصرة بعد ان حفظوا المدنية الإنسانية من الدمار وشهدت أيام بيبرس الفاتح إذ يخرج بفرسانه البواسل في مواكبه الباهرة ليملأ مصر ثقة في حماتها ، وليعرض على أهلها كتائبه التي كانت تنحدر في القتال كأنها صفوف من الحديد تنطوي دروعها على قلوب من حديد . ثم شهدت أيام السلسلة المجيدة من السلاطين
إذ تعود جيوشهم بالنصر المؤزر من ميادين الشمال وميادين الجنوب بعد ان أمنت حدود مصر مما يلي الفرات والاناضول أو مما يلي قلب أقاليم السودان .
وكم دخل من أبوابها السفراء يأتون من دول الغرب الناشئة ، يفتحون أعينهم من الدهشة كلما وقعت أنظارهم على ما فيها من قصور حيرت ألهامهم بما فيها من جمال وحسن هندسة وفن رفيع
كان هؤلاء السفراء يعرفون ان مصر اعز دول الأرض جميعا وان خيراتها تفيض على الأفاق ، وأن جهود أبنائها في التجارة والصناعة تخدم اطراف الأرض من شمالها وغربها . كانوا يعرفون ذلك كما كانوا يعرفون ان مصر العظيمة لا تدل بقوتها على ما جاورها من دويلات البحر الأبيض ، ولا تستأثر بالخيرات دون شعوب الأرض جميعا .
صاحبت القلعة مصر في حربها وفي سلمها وكانت مسرحا لمفاوضاتها وتعاونها مع أمم الأرض ، وشهدت من تعففها ومن تكرمها ما لا تزال اصداؤه تتردد في جو هذه القلعة المجيدة .
ثم شهدت أيام قلنصوه الغوري وقد تفتحت أعين أهل الغرب لأول اشعة العلم ، وتحركت نفوسهم إلي أول خطوات المغامرة ، فكانت همتهم متجهة إلى الاستئثار بالخيرات التي ثم تستأثر مها مصر يوما من الأيام ، وكانت غايتهم تحطيم مدنية مصر التى كانت منذ اقدم العصور تنشر مدنيتها على الآفاق المظلمة ، لا تضن ولا تعرف في خدماتها حدودا .
وخرج الغوري آخر الأمر من هذه القلعة يدفع عن مصر جيوش العثمانيين الذين هبطوا إلي حدودها تدفعهم الكبرياء والرغبة في التحكم والطغيان .
وما زال يدافع حتي قضي في المعركة ، فلم يرجع إلي مصر ، ولم تفتح القلعة أبوابها مرة اخري لجنوده وأعلامه التى تعودت من قبل ان تعود مظفرة من ميادين القتال .
وشهدت القلعة بعد ذلك طومان باي الباسل وهو
يقف في وجه الألوف المؤلفة من جنود الانكشارية الذين انحدر بهم سليم العثماني بملابسهم التي لا فن فيها وسلاحهم الثقيل وحركتهم البطيئة . ولكن الألوف المؤلفة التي أتت مع سليم كانت اكثر مما يستطيع طومان الباسل أن يحطمه بسيفه ، فاستسلم لينقذ البلاد من استمرار القتال ولكن القتال استمر حلي اضطر الفاتح الغازي إلي الموادعة والمفاوضة وعقد الصلح على أن يحفظ لصر شيء من كيانها
وفتحت القلعة أبوابها لأحد امراء مصر وهو يدخلها نائبا عن السلطان الأجنبي الفاتح سليم الغازي
ولكن قلعة القاهرة بقيت قائمة تصاحب الحكم الاجنبي العثماني وما توالي فيه من نكبات جرتها على البلاد أنانية الحكام وغباوتهم وقلة إدراكهم لواجبات أولياء الأمور وكانت قصورها القديمة التي شهدت مجد مصر لا تزال باقية تضم بين جدرانها الطغاة وهي منطوية علي نفسها تناجي ذكريات ماضيها وتنطلع إلي المستقبل الغامض في صمت
ثم أتي محمد علي العظيم بعد ليف وستة قرون من بناء هذه القلعة الشهباء فضم إليها اثره الجليل الذي لايزال قائما يشير إلي السماء بمئذنتيه الرشيقتين الذين تلوح إليهما العيون من أقصى المدينة وأدناها وترددت اصداء الحركة الجديدة التي بعثها ذلك الحاكم العظيم بين جدران القلعة القديمة ، وعادت اعلام الاستقلال ترفرف فوق أبراجها الشاهقة مؤذنة بزوال الحكم الاجنبي وطلوع فجر عهد جديد ممتليء بالشباب
وكانت حوادث العالم الكبرى قد توالت في أركان العالم البعيدة في تلك القرون الستة الطويلة ، فنهضت شعوب الغرب وبقت مدنية طريفة أساسها المنافسة المرة والأنانية التى لا تعرف السلام ، وارتدت موجة تلك المدنية الحديثة العنيفة نحو الشرق في حركتها الشديدة التي تشبه تيار المحيط الأعظم ، فإذا بهذه القلعة الشهباء تشهد مرة اخري دخول الجيوش الأجنبية وتحني هامتها لغير علمها العزيز
فإذا كان العلم المصري يرتفع في هذا العام مرة أخري فوق أبراجها الشاهقة على يد مليك مصر الموفق السعيد ، فان هذا الحادث الجليل جدير بأن يعد علما من أعلام تاريخ مصر تشهده هذه القلعة القديمة وتفتتح ، عهدا جديدا من عهود استقلالها النبيلة
فاليوم تحس مصر بنشوة لا يمكن أن تقاس صورتها ، ولا تبدو قوتها إلا إذا قرنت بما انطبع وراءها من مناظر الماضي وذكرياته
فالقلعة التي تنفست فيها عصور مصر من فجر دولتها الإسلامية أكرم في نفوسنا من أن تعتبر بناء . فهي قطعة من روح مصر الحديثة ، وهي معهد من معاهد مجدها الغابر وهي رمز الأمل في الحياة المقبلة لهذه الأمة الفتية وسعيها لمثلها العليا في خدمة الإنسانية والسلام العالي .
ولئن كانت قلعة القاهرة بالأمس موطنا للسلاطين الذين دبروا أمور أكبر شطر من هذا الشرق العربي وأدوا المدنية والفنون اجمل الخدمات ، فانها اليوم جديرة بأن تكون بشيرا بنهضة مصر الجديدة التى تفتح ذراعيها وقلبها للتعاون مع امم القرن العشرين على تحقيق رسالة المدنية التي تنبت أصولها منذ القدم في أرض الفراعنة والسلاطين.

