الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 403الرجوع إلى "الثقافة"

هرة بشرية

Share

كان رئيس مباحث مدينة القاهرة يجلس في مكتبه في صبيحة يوم فائظ من أيام شهر يونيه سنة ١٩٤٣ وهو يمني نفسه بأن ينقضي ذلك الصباح على خير . فإن سيل البلاغات لم يكن ينقطع عنه طوال الأيام السالفة . وكان بحث تلك البلاغات يتطلب من الجهود ما لا يتفق مع حرارة ذلك الشهر المعروف في القاهرة بشدة وهجه وقسوة هجيره . ولكن أحلامه في قضاء صباح هادئ ما لبثت أن تبددت حين دخل إليه احد  السعاة  ليسلمه البلاغ التالي :

حضرة صاحب العزة رئيس المباحث بالقاهرة يتشرف كاتب هذا البلاغ بأن يحيط عزتكم علما بأنه توجد امرأة من الجنس اللطيف في المنزل رقم - بحارة - بجزيرة - ويعلم الله ان الجنس اللطيف بريء منها ؟ فانها ترتكب من الفظائع ما لا يجرؤ على ارتكابه الشياطين ، وهذه المرأة تسمي - وهي تصيد الغلمان من الشوارع

لاستعمالهم في أعمال غير شريفة . وبعد أن ينتهي غرضها منهم تسئ معاملتهم وتذيقهم ألوان العذاب . ومن عهد قريب أحضرت غلامين اختفي أحدهما بعد بضعة أشهر والآخر مسجون الآن بالشقة التي تسكنها بالمنزل المذكور ولما كنت من جيران هذا السكن واسمع انين هذا الغلام ليلا ونهارا بصورة تفتت الأكباد لا سيما وقت أن تدخل عليه هذه المرأة لتفرغ سمومها في جسده البالي بالضرب واللكم مستعملة في ذلك يديها ورجليها واسنانها وكل ما تصل له يدها من أدوات المنزل . فاني ألجأ بهذا البلاغ إلي عدالتكم لتدركوا برحمتكم هذا الغلام قبل أن يختفي كما اختفي زميله من قبل . والله وحده هو الذي يعلم اين يذهب هؤلاء المساكين . لازلتم ملاذا للمظلومين والمنتصفين والله يوفقكم للكشف عن هذه الفظائع التي ترتكب علنا في رابعة النهار . أفندم

نسي رئيس المباحث نفسه بعد تلاوة هذا البلاغ الغريب . وكان عند حسن ظن المبلغ به فقام من فوره واستصدر امرأ من النيابة بتفتيش مسكن تلك السيدة ثم عهد إلي أحد رجاله بالانتقال ( لضبط الواقعة)  وتفتيش المسكن وإجراء التحقيق على ضوء ما يسفر عنه هذا التفتيش

وقام الضابط إلي المنزل الذي وصفه البلاغ . فوجد الشقة التي تسكنها السيدة مقفلة ، ولم يجد صاحبتها فيها ، فسأل عنها جارتها فعلم أنها تزور أختها في منزل مجاور فقصد إليها فوجدها . وطلب إليها أن تعود معه إلي مسكنها بعد أن أفهمها فحوي مهمته . فقامت معه إلي شقتها وفتحت بابها بمفتاح كانت تحمله ودخل الضابط فوجد أن هذا السكن يطل على السكة الحديدية من ناحيته الخلفية وانه كما وصفه في محضره ( عبارة عن حجرتين متجاورتين وصالة ودورة مياه تشتمل على مرحاض وحمام ومطبخ ولوحظ أن باب المطبخ مغلق يقفل من الخارج .. الخ ) وبعد أن أتم الضابط معاينته لمحتويات السكن طلب إلي السيدة أن تفتح باب المطبخ فاعتذرت بأن المفتاح مع زوجها فرد عليها الضابط بأنه لم تجر عادة الأزواج بأن يحملوا معهم مفاتيح مطابخهم عندما يتركون بيوتهم ولكن العادة أن تبقى الزوجات في هذه المطابخ لتهيئة الطعام وإعداد العدة لاستقبال أزواجهم عند ما يعودون من محل عملهم للغداء . فتظاهرت السيدة بأنها ستبحث عنه لعل زوجها أن يكون قد تركه في مكان ما من الشقة . وظلت تخرج من إحدي الغرفتين لتدخل الأخرى . وتقلب ما يقع في طريقها من أثاث المنزل . وطال الأمر حتى أدرك الضابط أن المقصود بكل هذا الهرج هو كسب الوقت لعل الله يلهمها بشيء تقوله أو تصنعه فتخرج من ورطتها تلك التي لم تكن تخطر لها على بال . وأخيرا هددها بأنه سيفتح باب المطبخ بالقوة إذا لم تتقدم له فورا بمفتاحه . فأخذت تستمهله فترة أخري . ولما أن رأي أنه لم يعد

هنالك أمل في تقدمها بالمفتاح وانه لم تبق فائدة من المطاولة والانتظار أمر بباب المطبخ أن يفتح . فاقتحمه رجاله ودخله من ورائهم فوجده ( عبارة عن غرفة صغيرة مساحتها متران طولا في مترين عرضا ولها نافذة من الزجاج تطل على السكة الحديدية . ولوحظ ان هذا الشباك مغلق من الداخل بقفل ) . واستمر الضابط يصف في محضره ما وقعت عليه عينه عقب دخوله المطبخ فقال :

" ووجدت في ركن من الأركان غلاما هزيل الجسم سنه حوالى ١١ سنة وهو في حالة ضعف شديد . ويكاد لا يقوي علي الكلام أو الحركة إلا بصعوبة . وليس عليه من الملابس إلا قميص ممزق ولباس قديم . وشاهدت على جسمه آثار كي وحروق بعضها قديم وبعضها حديث . ووجدت بساقه اليسري ورما شديدا والقروح المنقيحة تغطي جسمه كله تقريبا . وعرفنا الغلام أن اسمه - من ناحية - مركز - وما إن وقعت عينه على صاحبة الدار حتى ظهر عليه الخوف والفزع وحاول الهرب وهو يمشي على بطنه . فطمأناه وسألناه عن حاله . فقال : إن ( سته ) كانت تضربه وتعذبه وتكوي جسمه بالنار وتحرمه من الأكل بلا سبب ، وانه كان له أخ يدعي - كانت تعامله نفس المعاملة . وتمنع عنه الأكل وتعذبه . وكانت لا تعطيه إلا قليلا من الماء فضعف ضعفا شديدا حتى توفي منذ خمسة عشر يوما تقريبا وقال إنه لايعرف ماذا جرى له بعد أن فارق الحياة . وأنه كان يسير في الطريق مع أخيه يوم التقت بهما " المتهمة " منذ ستة شهور تقريبا فأغرتهما بالحضور معها إلي مصر لتطعمهما وتكسوهما وتعطيهما أجرا كبيرا مقابل خدمتها ، ولكنهما لما حضرا إلي القاهرة أرغمتهما على خدمتها بغير أجر . وكانت تضربهما وتعقبهما حتى فارق أخوه الحياة . وبقي هو وحيدا في المطبخ لايقوي حتى على الاستغاثة . .

فأخذ الضابط الغلام والمرأة إلى القسم وتولي التحقيق

بالتفصيل فقال الغلام : إن المتهمة كانت تعذبه بسيخ من الحديد له طرف مدبب . اما طرفه الآخر فكان على شكل حلقة . وكانت تحتفظ به داخل ( دولاب ) في إحدي الغرفتين . فكانت إذا أرادت تعذيبه قامت إلي (الدولاب) فأخذت منه السيخ ووضعته على النار حتى يسخن ثم تلسعه ، في أي مكان تصيبه من جسمه . وقد قام الضابط إلي مسكن ( المتهمة ) مرة اخري وبحث عن هذا السيخ فاهتدي إليه في الموضع الذي وصفه الغلام .

وتبين من التحقيق أن أخا المجني عليه توفي في يوم - سنة ١٩٤٣ ، وان زوج ( المتهمة ) قام بالتبليغ عن وفاته . وزعم ان زوجته وجدت في الطريق غلاما مريضا متطرحا على الأرض بشارع - فأخذتها الشفقة عليه ، واحضرته إلي المنزل رأفة بحاله واطعمته وكسته واخذت في العناية به ، ولكنه توفي متأثرا بمرضه . فقام احد رجال البوليس إلى منزل هذا الزوج . واثبت انه ( انتقل إلي هناك فوجد ان المتوفي شخص يبلغ من العمر حوالي ١٢ سنة ، وعليه من الملابس جلابية ممزقة . ولاحظ انه كان في منتهي الضعف . وانه عبارة عن هيكل عظمي . عاري الرأس حافي القدمين . الخ ) .

وقد عرض البوليس أمر هذا البلاغ على النيابة فطلبت ان يقوم الطبيب الشرعي بفحص الجثة لمعرفة سبب الوفاة . فقرر الطبيب المختص ما يأتي :

كطلب نيابة - في المحضر رقم - قسم - أثبت أنا الدكتور - أني انتقلت صباح يوم - لدار فحص الموتى حيث أجريت الكشف الظاهري والصفة التشريحية على جثة المدعو - الذي كان مريضا مرضا طبيعيا ، وذلك لمعرفة سبب الوفاة . وأقرر الآتي :

الجثة لفتي يبلغ من العمر حوالي ١٤-١٥ سنة له عينان سليمتان غائرتان وهو طويل القامة نوعا بالنسبة لسنه . ووجدنا عليه من الملابس قطعتين من قماش متسخ :

الأولى تكون جزءا من جلابية زفير والثانية جزء من قميص من البفتة . وتحوي هاتان القطعتان كثيرا من القمل . والجثة في انتهاء دور التبيبس الري والزرقة الرمية ظاهرة بالوجه الخلفي من الجسم في مواضعها الطبيعية والتمفن الرعي آخذ في الظهور بشكل اخضرار في مقدم جدار البطن وتبدو الحثة بلون بإهت مبيض وفي حالة عزال وضعف في البنية شديد . ونتوءات الهيكل العظمى تظهر جلية . والطبقة المضلية بالحذع والأطراف ضامرة سدومة . والفص الصدري يبدو ضامرا للناية ويشاهد النطفية العجزية تفرح فراش سطحي متقيح . ووجدنا منتشرا هي الأطراف بطشا من الجلد المبيض الملون بأشكال ومساحات مختلفة - وفيها هذا ذلك وجدت الجثة في حالة قذارة شديدة ويسرح عليها من القمل الشئ الكثير لاسيما بشعر فروة الرأس الذي وجد جافا . . وقد نشأت الوفاة عن حالة الضعف المتقدم مع الهزال الشديد وما صحب ذلك من سل رثوي . . الخ (

واعيد سؤال الغلام الباقي على قيد الحياة س - كيف التقيت بالمتهمة أول مرة ؟ . ج - في يوم خميس من خمسة شهور تقريبا خرجت مع أخي من بلدتنا قاصدين مدينة - لزيارة خالنا - وقبل دخول البلدة قابلتنا الست وعرضت علينا ان نسير معها لنشتغل عندها مقابل خمسين قرشا في الشهر ثم أخذتنا إلي منزلها في مصر . وهو الذي وجدتني حضرتك فيه . ومن ذلك التاريخ لم نخرج من هذا المنزل . وكانت الست تحبسنا في المطبخ بعد القيام بالخدمة المطلوبة . وإذا تأخر احد منا اثناء العمل تكويه بالسيخ . وقد توفي احي منذ أسبوعين من تأثير الجوع فأدخلتني المطبخ وحبسستنى وهددتنى بالذبح بالسكين إذا استغثت أو اعترضت

س - ومتى بدأ التعذيب ؟ . ح - قعدت عشرة أيام كويسة معنا وبعدها ابتدأت

تمنع عنا الاكل وتعذينا بالسيخ . ولما مات أخي كنت اشتغل لوحدي في خدمة البيت وبعدها تحبسني .

س - وكيف كان التعذيب ؟ . ج - كانت لا تعطيني أنا وأخي إلا نصف رغيف مرة الصبح ومرة آخر النهار ، ولا تعطينا أكثر من هذا الرغيف الواحد طول النهار . وأحيانا كانت تعطيني قطعة جبنة ناشفة وساعات عيش حاف . وكانت تكوينا بالسبخ الحديد بعد ما تحميه علي وابور الغاز . وتضربنا أحيانا بعصا تخينة .

س - واين كنت تنام أنت وأخوك ؟ . ج - كانت فيه حتة خيش بسيطة فوق السطح ليلة أنام عليها وأخويا ينام على البلاط والليلة الثانية نغير

س - وما سبب وفاة شقيقك ؟ ج - مات مثلي من الجوع والتعذيب . س - وهل كانت تحصل منكما استغاثة ؟ ج - ما نقدرش أحسن تذبحنا وترمينا علي شريط السكة الحديد .

وبعد هذا الاستجواب أحيل هذا الغلام الباقي للكشف عليه فقرر الطبيب ما يأتي :

" المذكور غلام يبلغ من العمر حوالي ١٢ سنة هزيل وضعيف البنية وفي حالة إعياء ، وطول القامة ١٢٩ سنتيمترا ووزنه ٥ ر ٢٢ كيلو ! وشاهدنا به من الإصابات ما يأتي " :

) وهنا اثبت الطيبب وجود عشرات القروح المتقيحة في الجبهة ، والعنق ، والصدر ، والساعدين . وقرر أنها حدثت منذ اسبوع تقريبا . واثبت وجود آثار التحامات على جميع الجسم تتخلف عن الكي بسيخ محمي من الحديد

كالسيخ المضبوط . وقرر أن تاريخ حدوثها قد يرجع إلي حوالي خمسة أو ستة أشهر

ولم يبق بعد ظهور هذه الحقائق أمام المحكمة التي تولت نظر القضية إلا إدانة المتهمة  التي عجب المبلغ المجهول بحق من حياتها امرأة تتمتع برعوية جنسها اللطيف . وهي سبة في وجه الإنسانية كلها لا في وجه جنسها فحسب .

وقد قالت المحكمة كلمتها في أمرها . وكانت كلمة قوية عنيفة . نرجو - إن لم تكن نافعة لهذه المرأة  نفسها- ان تكون رادعة لغيرها من ذوات الآسياخ والأقفال . تلك الهرر الأدمية اللاتي يخفين تحت خضرة عيونهن دماء الفيران التي تلوث أفواههن

اشترك في نشرتنا البريدية