الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 35الرجوع إلى "الثقافة"

هرون الرشيد، وقصص " ألف ليلة وليلة "

Share

يثير اسم هرون الرشيد ، وتثير ذكريات عصره في النفس إجلالا وروعة ؛ وليس مرجع ذلك فقط أن الرشيد كان من أعظم خلفاء الاسلام ، وأعظم أمراء العصور الوسطى ، ولا لأن الدولة العباسية بلغت في عصره ذروة القوة والبهاء ، ولكنه يرجع بالأخص إلي شخصية الرشيد ذاته ، وإلي ما كان يتمتع به من مواهب بديعة وخلال باهرة ، تجمع بين الفروسة المثلي ؛ والبراعة في شئون الحرب والسياسة ، وصفات الحاكم الأمثل ؛ وبين التقي والورع ، والفخامة الرائعة ، وبين الحزم والصرامة ، والإنسانية المؤثرة ؛ فهذا المزيج القوي المدهش من الصفات والخلال البارعة هو الذي جعل من الرشيد شخصية محبوبة بارزة تتبوأ مقامها في صحف التاريخ بين أعظم شخصيات العصور الوسطى ، وتحملنا على كثير من العطف والتقدير والإعجاب .

على أن سيرة الرشيد لم تكن فقط مستقي للتاريخ يفيض في مراحلها ، وفي حوادثها ومواقفها بعناية وتمحيص ، ولكنها أيضا مستقي القصة ، نجد في صحفها الممتعة وفي ألوانها الزاهية مادة مخصبة ، يستطيع الخيال الرائق أن يجول في نواحيها ، وأن يستخرج منها القصص الشائق ؛ وقد أدمج من هذا القصص الذي نسجه خيال الرواة المتأخرين حول سيرة الرشيد مجموعة كبيرة في قصص " ألف ليلة وليلة " . ومع ان هذه المجموعة المتباينة تختلف من حيث السبك والأسلوب قوة وضعفا ،

فإنها تشترك جميعا في المقصد والغاية ، وهي تصوير شخصية الرشيد في ألوان طلية زاهية ، وإبراز ما فيها من النواحي الإنسانية الجذابة ، والإشادة برائع خلالها من فروسية ونبل ، وشهامة ، وبذخ ، وجود ، وتواضع وما إليها من الخلال الباهرة التي أسبقت علي شخصية الرشيد سحرها وبهاءها.

والواقع أنه لم تحظ شخصية من شخصيات التاريخ من عناية صحف " ألف ليلة وليلة " قدر ما حظيت شخصية الرشيد ، فقد اتخذ الرشيد نفسه بطلا لعدة قصص ، وجمل صديقا لأبطال قصص أخرى، هذا فضلا عما نسب حدوثه من القصص إلي عصره ؛ وفي معظم هذه الصور يصور الرشيد في صورة الأمير الضجر الذي يطلب السلوي ، فيأتيه وزيره الشهير جعفر البرمكى ببعض رواة العصر وسماره ممن ينتمون إلي صحب الأمير وخاصة ندمائه ، مثل الأصمعي ، وأبي دلف ، وأبي نواس ، وإسحاق الموصلي وغيرهم ، فيروون له أغرب ما شهدوا أو ما سمعوا من القصص والأخبار . أو يدفعه الآرق إلي التماس السلوي بالطواف ليلا في أنحاء العاصمة العباسية ، وتفقد أحوال الرعية ؛ وعندئذ يقدم إلينا الرشيد وقد تنكر في زي التجار ، وتنكر مثله بعض رفاق سمره و ضجره الذين يلازمونه دائما ، مثل جعفر الوزير ، ومسرور الوصيف ، وإسحاق الموصلي وغيرهم ؛ وعندئذ يطوف الجميع معا أحياء بغداد ، فتسوقهم المقادير

- ١٧١٩ -

إلي بقعة أو منزل يقعون فيه على أغرب المشاهد ويسمعون أغرب القصص والروايات . فمن القصص التي نسبت إلي عصر الرشيد قصة السندباد البحري الشهيرة وسفراته السبع ، وفيها يقول بطلها السندباد في السفرة السادسة إنه حمل إلى الرشيد هدية من بعض ملوك الجزائر المجهولة التي زارها ، وقص علي الخليفة قصة منها فتعجب فيها ، وأمر المؤرخين بتدوينها وإيداعها في خزائنه . بيد انه يلاحظ أن مؤلف القصة لم يراع الدقة التاريخية ، حيث ذكر في السفرة السابعة أن السندباد البحري غاب عن بغداد سبعا وعشرين سنة ، في حين أن عهد الرشيد كله لم يطل أكثر من ثلاثة وعشرين عاما .

أما القصص التي اتخذ الرشيد لها بطلا فهي عديدة ؛ منها قصة الجارية الحسناء التي اشتراها من تاجر في بغداد ، واسمها قوت القلوب ، وشغف بها حبا ، واحتجب لديها شهرا كاملا ، وأفضي لوزيره جعفر بأنه وقع في هواها ؛ فغضبت لذلك زوجه السيدة زبيدة ، ودبرت مكيدة بعدت بها الجارية عن القصر ، وأذاعت أنها ماتت فحزن الرشيد عليها أيما حزن .

ومنها قصة الرشيد مع خليفة الصياد ، وهي قصة سخيفة السبك ، ركيكة الأسلوب ، وليس فيها شئ من محاسن العرض أو التصوير .

ومنها قصته مع البنت العربية التي رآها ذات يوم مع وزيره جعفر مع بنات أخريات يسقين الماء ، فعرج عليهن يريد الشرب ؛ فأنشدت إحداهن أبياتا غزلية أعجب بها الرشيد ، ثم طلب منها تغيير القافية واستبقاء المعنى ، فغيرتها مرارا ، في مقطوعات بديعة ، فأعجب الرشيد بها وتزوجها .

وثمة طائفة من القصص المدهش ، لا يبدو الرشيد فيها بطل القصة الأصلي ، ولكنه يكتشف هذا البطل أثناء طوافه متنكرا في أحياء بغداد ؛ وهو يعمد إلي هذا

الطواف متي أصابه الأرق ، فيخرج كما قدمنا وفي صحبته وزيره جعفر ، ووصيفه مسرور ، وبعض الندماء والسمار ، ومن هذه القصص قصة الشاب العماني الذي أضاع ثروته على الغواني ، ثم استردها بزواجه من إحداهن ، وهي غانية ثرية هامت به ، وكادت تموت في هواء ؛ وفيها أن الرشيد تأثر لقصة الشاب ، ووهبه مالا جزيلا هو خراج مدن ومقاطعات ، وجعله من أصدقائه وندمائه . ومنها قصة محمد ابن على الجوهري وهو فتي وافر التراء ، اتخذ صفة الخليفة ، ومظاهر الخلافة الملوكية في قصره ، واعتاد أن يشق الدجلة ليلا في زورق فاخر ، وأن يعقد بقصره مجالس رائعة بين الجواري والغيان الفاتنات تكاد تثير بفخامتها وبذخها مجالس الرشيد ذاته ، وما كان من أمره مع السيدة دنيا البرمكية حيث هام بها وتزوجها سرا ، ثم غضبت عليه لأمر ما وتركته ، فلجأ إلي تنظيم هذه الحفلات الباذخة ليلهو بها ويروح عن نفسه ، فتأثر الرشيد لقصته ، وجمع بينه وبين حبيبة قلبه .

وفي مناسبات اخري نري الرشيد يحاول معالجة الأرق بالاستماع إلي أكابر الرواة والسمار المعاصرين ؛ ومن ذلك ما رواه له الأصمعي ذات ليلة أرق فيها من أخبار النساء وقصة البنات الثلاث اللائي تبارين في نظم بعض المعاني الغزلية ، واحتكمن إلي الأصمعي فحكم لصغراهن ؛ ومن ذلك ما رواه جميل بن معمر للرشيد في ليلة أخري وهي قصة غرام في البادية من أرق وأبدع قصص الغرام الأمثل ،

هذا إلي قصص وأخبار منوعة اخري ؛ ومنها قصة أحمد ولد الرشيد من زوجه زبيدة ، وقد نشأ زاهدا ورعا ، فنزل عن نعماء والديه ، وكل ما يحيط بهما من مظاهر العزة والترف ، وراح يعمل ليحصل قوت يومه ، ومات ميتة الأولياء .

- ١٧٣٠ -

وهكذا نجد الرشيد في " ألف ليلة وليلة " بطلا من أبطال القصة ، أسبغت عليه في هذه القصص كلها نفس الألوان الرائعة الزاهية التي أسبغت على أبطال " ألف ليلة وليلة " الخياليين . ومع ذلك فإن الاعتبارات التاريخية لم تهمل كلها ؛ ففي معظم هذه القصص نري شخصية الرشيد تحتفظ بكثير من صفاتها التاريخية المعروفة من الجود والتواضع والنبل والفروسية ، وشغف إليها ، والبذخ ، والتقي والورع ، وحب العلماء والعلم ، وغيرها مما تؤيده معظم المصادر التاريخية ، بل نجد بعض هذه المناظر والأخبار منقولا بنصه عن بعض كتب التاريخ والأدب ، ومجالس الرشيد الأدبية التي كان يسطع فيها من ندمائه وسماره أمثال الأصمعي وأبي عبيدة وأبي نواس وإسحاق الموصلي وغيرهم ، وعطفه على الأدباء وصلاته الملوكية لهم ، وشغفه بالجواري الحسان ذوات الخلال البارعة في الشعر والأدب والموسيقي ، كلها أمور معروفة مشهورة . بيد أننا نجد أنفسنا من جهة أخرى أمام طائفة من الوقائع والصفات الخيالية المحضة التي نسبت إلي الرشيد لكي يستكمل صورة بطل القصة الحقيقي ، وهي مع ذلك وقائع وصفات يسهل تمييزها والانفضاء عنها .

وقد أسبغ قصص " ألف ليلة وليلة " على الرشيد وعصره روعة وبهاء وشهرة لم تزدد على كر القرون إلا قوة ورسوخا ، وفي وسعنا أن نقول إن كتب التاريخ والأدب ، على ما تخصصه للرشيد وسيرته وعصره من الفصول الصافية ، وما تحتويه من آيات المديح والثناء ، لم تسبغ على شخصية الرشيد من الروعة والبهاء والعطف قدر ما أسبغته عليها قصص "ألف ليلة وليلة " ؛ ويبدو هذا الأثر بنوع خاص في الآداب الغربية ، حيث يعتبر الرشيد بلا مراء أعظم وأشهر أمراء الاسلام والمشرق ؛ ويرجع ذلك إلى ذيوع قصص " ألف ليلة وليلة " في المجتمعات الغربية زيوعا لم يظفر به أثر عربي أو

شرقي آخر ، وإلى أن الغرب قد عرف الرشيد وعصره بالأخص من صحف " الف ليلة وليلة " ، وانطبعت في ذهنه من الرشيد وعصره تلك الصور الرائعة التي تقدمت إلينا ؛ ولم تخل معظم التواريخ الأوربية الرصينة من التأثر بهذه الصور في تقديرها للرشيد وخلاله وعصره .

وهكذا كانت قصص " ألف ليلة وليلة " على كر الأحقاب عاملا قويا فيما يتمتع به الرشيد وعصره من الشهرة ، وما يحيط بهما من الروعة ، وقد كان القصص ومايزال من أعظم وسائل التأثير والتوجه الفكري ؛ وللقصص التاريخي بالأخص فضل عظيم في إحياء التاريخ القومي ، خصوصا إذا التزم فيه صدق التصوير فيما يتعلق بالشخصيات التاريخية ؛ فإن الخيال عندئذ قلما يطغي علي العناصر التاريخية ، وقد يعاون بالعكس في إذاعتها وترسيخها في الأذهان . ويكفي للتدليل على هذه الحقيقة أن تذكر ما للملاحم القومية التاريخية في الآداب الأوربية من منزلة عالية ، وما كان لها بالرغم مما تحتويه من عناصر الخيال المغرق ، من فضل في إذاعة بعض الحقائق والأصول التاريخية القومية ، وما للقصص التاريخية بوجه عام من اثر قوي في تثقيف الشعوب الغربية وتنويرها بالنسبة لتواريخها ومفاخرها وتقاليدها القومية .

- ١٧٢١ -

اشترك في نشرتنا البريدية