الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 200الرجوع إلى "الثقافة"

هزل العرب

Share

مثلت في المدينة رواية هزلية علي أيام الأمير أبان بن عثمان لست اجزم امها أول رواية من هذا النوع في ادب العرب ، ولكني أجزم أن هذه الرواية إما هي أول الروايات التي شهدتها من هذا النمط في أدب العرب ؛ موضوعها هزل وعبث ، ولكن من هو الهدف في هذا العبث ؟ أعرابي من أعراب البادية اتخذوا من طمعه ثلمة تقحموا عليه منها ، فكان العبث ، من أجل طمعه موضوع الرواية .

مثلت الرواية في قصر الأمير أبان بن عثمان ، وأدواتها بسيطة جدا ، ليس فيها شيء من زخرف هذا العصر : جمل وعمامة من خز خلق ، وقلنسوة وخفان حلقان ، هذا كل ما ازدان به المسرح في قصر الأمير

ولما كانت الرواية من روايات الهزل والعبث فقد لزمها أن يكون أبطالها من أهل هذا الفن

أما الأمير أبان بن عثمان فقد كان على نحو ما ذكر مدون هذه الرواية ، وهو صاحب الأغاني ) ١ ( ، من أهزل الناس وأعبثهم ، وبلغ من عبثه أنه كان يجيء بالليل إلي منزل رجل في اعلي المدينة ، له لقب يغضب منه ، فيقول له : انا فلان بن فلان ، ثم يهتف بلقبه ، فيشتمه اقبح شتم وأبان يضحك

وأما اشعب فقد ملئت كتب الأدب بنوادره .

وأما الأعرابي فقد كان أشقر ، أزرق أزعر ، غضوبا ، يتنفس كأنه افعي ، ويتبين الشر في وجهه ، ما يدنو منه أحد إلا شتمه ونهره .

وأما الرابع وهو ابن زبنج ، راوية ابن هرمة ، فلا اعرف شيئا عن خفة روحه ، ولكن حسبه هذا الاسم

وحده ، فإني لا أشك في أن هذا الاسم ، ابن زبنح ، ينطوي علي شئ من الإصحاك .

هذه مقدمة وجيزة عرفنا بها خلاصة الرواية ، فلنشهد الآن تمثيلها :

للرواية أربعة فصول . ظهر علي المسرح في الفصل الأول الأمير ابان بن عثمان واشعب والأعرابي وبعض جلساء الأمير . بينما جلساء الأمير في قصره ذات يوم وأشعب عنده إذ اقبل اعرابى ومعه جمل له ، فاغنتم اشعب فرصة مجيء هذا الأعرابي ولعب به اللعبة الآتية ؛ قال للأمير : هذا والله من البادية ، ادعه ، فدعي الأعرابي

وقيل له : إن الأمير أبان بن عثمان يدعوك . فأتاء فسلم عليه ، فسأله ابان عن نفسه فانتسب له ، فقال ابان : حياك الله يا خالي ! حبيب ازداد حبا ، اجلس إني في طلب جمل مثل جملك هذا منذ زمان ، فلم أجده كما اشتهي بهذه الصفة وهذه القامة واللون والصدر والورك والأخفاف ، فالحمد لله الذي جعل ظفري به من عند من احبه ، اتبيعه ؟ فقال الأعراب : نعم أيها الأمير ! فقال ابان إنى قد بذلت لك

مائة دينار ؛ وكان الجمل يساوي عشرة دنانير . فطمع الأعرابي وسر وانتفخ وبان السرور والطمع في وجهه فأقبل ابان على اشعب ثم قال له : ويلك يا اشعب ؛ إن خالي هذا من أهلك وأقاربك ، ويعني الأمير بهذا الكلام أن الأعرابى من أهل الطمع مثل أشعب ، فأوسع له مما عندك . فقال له اشعب : نعم ، يأبي أنت وزيادة ! فقال ابان

للأعرابي : يا خالي إنما زدتك في الثمن على بصيرة ، وإنما الجمل يساوي ستين دينارا ، ولكن بذلت لك مائة لقلة النقد عندنا ، وإني اعطيك ( عروضا ) جمع العرض وهو المنتع ( تساوي مائة دينار . فزاد طمع الاعرابى ، وقال : قد قبلت أيها الأمير !

هذه نهاية الفصل الأول من الرواية ، وهو فصل محكم ، متقن ؛ فقد مدح الأمير جمل الأعرابي مدحا زاد

في علمه ، والموضوع الطمع ، فإن مدح قلامة الجمل ولونه وصدره ووركة وأخفافه فيه أشياء كثيرة من السخرية .

ومن كمال حسن الرواية ان يقوم الأمير جمل الأعرابي بأكثر من ثمنه . وقد فعل وتم للأمير ما أراد من هذه الزيادة في التقويم ، فقد بان الطمع والسرور في وجه الأعرابي ، وانتقاخ الأعرابي وحده كاف للإفصاح عن عن هذا الطمع وعن هذا السرور .

ومن كمال حسنها ألا يفرط الأمير في التجامل في تقويم الثمن حتى لا ينفض الأمر ، فالجمل يساوي ستين دينارا ، ولكن الأمير بذل له مائة لقلة النقد ، ولكن ما هو نوع هذه المائة ؟ اهي نقد ؟ كلا ، إنها جملة من عروض تساوي مائة دينار ، وهنا روح الرواية كلها ، فليشهد القاريء الآن أنواع هذه العروض

ظهر في مبدأ الفصل الثاني من الرواية الأمير وأشعب والأعرابى والبطل الرابع ابن زبنج ، وظهر قسم من العروض .

دعا الأمير من اشعب ووشوشه ، فأخرج اشعب شيئا مغطي ، فقال له الأمير : أخرج ما جئت به ! فأخرج عمامة من خز خلق ، تساوي أربعة دراهم . فقال له الأمير : قومها يا اشعب فنادي اشعب : عمامة الأمير تعرف به . ويشهد فيها الأعياد والجمع ، ويلقي فيها الخلفاء خمسون

دينارا فقال الأمير : ضعها بين يدي الأعرابي ، وقال لابن زبنج : أثبت قيمتها . فكتب ابن زبنح ذلك ووضعت العمامة بين يدي الاعرابي ، فكاد هذا المسكين يدخل بعضه في بعض غيظا ، ولم يقدر على الكلام .

انتهي الفصل الثاني ولا يقل إتقانا عن الفصل الأول ، فإن فيه المفاجآت المضحكه

المفاجأة الأولى ظهور هذه العمامة البالية التي تساوي أربعة دراهم وقومت بخمسين دينارا ، ولا شك في أن اشعب في هذا الفصل قد برز في صورة غير الصورة التي

يبرز فيها في الفصل الأول ، فإن مناداته عمامة الأمير تعرف به ويشهد فيها الاعياد والجمع وما شابه ذلك كانت تستلزم شيئا من حسن الصوت ، وأشعب كان من القراء للقرآن ، وكان حسن الصوت به ، فقد كان يغني اصواتا فيجيدها ،

ورآه الأصمعى يغني فكان صوته صوت بلبل ، وله أصوات قد حكيت عنه ، فلا شك في أنه لعب لعبته هذه أفضل اللعب ، بسبب هذا الصوت الذي رزقه الله إياه ، فقد فخم في موضع التفخيم ، ومطمط في موضع المطمطة ، ونغم في مكان النغم ، ورخم في محل الترخيم .

والمفاجأة الثانية ظهور عمامة خلق ، وهذا من كمال الهزل والعبث ، فلو كانت العامة جديدة ، غير بالية ، لما كان لمنظرها هذا التأثير

والمفاجأة الثالثة وقفة الأعرابي بين الخيبة والأمل . فان دخول بعضه في بعض غيظا إنما هو من باب الخيبة ، ولكنه سكت ولم يقدر على الكلام على سبيل الأمل ، لعل في العروض الأتية شيئا من التعويض

فلنشهد العروض الأتية في الفصل الثالث . فقد ظهر الأشخاص انفسهم ، فقال الأمير لأشعب : هات قلنسوتي فأخرج اشعب قلنسوة طويلة خلقة ، قد علاها الوسخ والدهن ، وتمزقت ، تساوي نصف درهم . فقال لاشعب :

قوم ! فنادي أشعب : قلنسوة الأمير تعلو هامته ، ويصلي فيها الصلوات الخمس ويجلس للحكم ، ثلاثون دينارا . فقال الأمير لابن زبنح : أثبت قيمتها . فأثبت ذلك ؛ فوضعت القلنسوة بين يدي الأعرابي ، فتربد وجهه ، وحجظت عيناه ، وهم بالوثوب ثم تماسك وهو متقلقل !

يكاد هذا الفصل يشبه الذي قبله ، ولكن فيه بعض الزيادة ، فقد ظهر القسم الثاني من العروض وهو أسوا حالا من الأول ؛ فإذا كانت العمامة خلقا ، فإن القلنسوة قد علاها الوسخ والدهن وتمزقت ، وإذا كانت العمامة تساوي أربعة دراهم فإن القلنسوة تساوي نصف درهم .

فكيف حال الأعرابي المسكين في هذه المرة ؟ في المرة الأولى دخل بعضه في بعض غيظا ؛ أما هذه المرة فان حالته قد ازدادت سوءا ، فقد تربد وجهه وحجظت عيناه وبان الشر في وجهه ، فهم بالوثوب ثم تماسك وهو متقلقل ، فإنه لم يقطع أمله بعد من المائة دينار ،

فلعل الأمير يخرج له بقية العروض فيتحقق أمله ! ظهر الأمير واشعب والأعرابي وابن زبنج في الفصل الأخير وظهرت بقية العروض ، فما هي هذه البقية ؟ قال الأمير لأشعب ؛ هات ما عندك ! فأخرج خفين خلقين ،

قد نقبا وتقشرا وتقنقا ، فقال لأشعب ؛ قوم ! فصاح أشعب بصونه الحسن : خفا الأمير ، يطأ بهما الروضة ويعلو بهما منير النبي صلى الله عليه وسلم ، أربعون دينارا . فقال الأمير لأشعب : ضمهما بين يديه . فوضعهما ، ثم قال للأعرابي : اضمم إليك متاعك . وقال لبعض الأعوان :

اذهب خذ الجمل ، وقال لآخر : امض مع الأعرابي فاقبض منه ما بقي لنا عليه من ثمن المتاع وهو عشرون دينارا . فوثب الأعرابي فأخذ القماش فضرب به وجوه القوم لا يألو جهدا في شدة الرمي به .

هذا آخر فصل من فصول الرواية ؛ والمفاجأة فيه تكاد تكون احسن المفاجآت ، فإن الأعرابي لما قيل له إنه بقي في ذمته للامير من اصل ثمن المتاع عشرون دينارا ، طار عقله فانقطعت اماله ، فلا يكفيه هذه المرة ان يدخل بعضه في بعض من الغيظ ، وان يتريد وجهه وتتجحظ عيناه ، وإنما يريد  ان يفش خلقه ، فما له إلا حيلة واحدة ، وهي ان يأخذ القماش ويضرب به وجوه القوم ، لا يألو في شدة الرمي به

ولست أشك في أن حركته هذه قد أضحكت الحضور حتى استلقوا علي أقفائهم من الضحك ، ولكن الضرب وحده لم ينفع علته ، فلا بد للآعرابي من فارصة ينتقم بها من هؤلاء الذين عبثوا به وضحكوا عليه وخيبوا اماله ؛ وهذه الفارصة إن لم يؤلم بها أكبر ابطال الرواية فلا تعظم قيمتها . فلينقص بها الأمير ابان بن عثمان ، وليقل له : اتدري

أصلحك الله من أي شيء أموت ؟ قال الأمير : لا ! قال الأعرابي : لم أدرك أباك عثمان فأشترك والله في دمه إذ ولد مثلك

أما الأمير فلم يمثل هذه الرواية في قصره إلا ليسمع مثل هذه الخاتمة الحلوة ؛ ولهذا ما كادت كلمة الاعراب تقع في اذنه حتى مات من الضحك ، وضحك كل من كان معه .

وأما أشعب فقد كان الأعرابي إذا لقيه بعد هذه الرواية يقول له : هلم إلي بابن الخبيثة حتى أ كافئك على تقويمك المتاع يوم قوم ، فيهرب اشعب منه

ولست أدري رأي القارئ الكريم في هذه الرواية أما رأي فقد ان لنا ان نستخرج امثال هذه الكنوز المدفونة في كتب أدبنا وأن ننه على محاسنها !

دمشق

اشترك في نشرتنا البريدية