الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 158الرجوع إلى "الرسالة"

هزيمة غاندى وانتصار طاغور

Share

انهزم غاندى، وأسدل الستار على الفصل الأخير من درامة  المهاتما، ولو قد مات غاندى فى إبان مقاومته لإنجلترا فى حركة  العصيان المدنى لاعتبره المؤرخون لغزاً كما لو كان نابليون قد مات  بعد يينا أوتِلست. . . ولكن القدر الساخر يأبى إلا أن يلطخ  البطولة ويفضحها. . . وذلك بطول العمر!! والحقيقة أن طاغور  لم يكن يوماً من الأيام راضياً عن وسائل غاندى، وكان يتهمه  بالتهريج والشعوذة كلما رآه يحبذ كهانات الهند ويدمج عقليته فى  صميم عقلية الجماهير. وكانت غضبة طاغور على المهاتما شديدة  قاسية سنة الزلزال المشهور الذى خسف جانباً من الأرض، لأن  غاندى عزا الزلزال إلى سخط الإله وغضبه ولم يعزه إلى أسبابه  الجغرافية التى يتعلمها صغار التلاميذ فى المدارس. ويبدو أن لقب  مهاتما أثر أثراً سيئاً فى روح غاندى، وملأه بشعور النبوة إن  لم يكن الألوهية، ودليل  ذلك ادعاءه غير مرة أنه يصوم بأمر  الأله. . . وأنه لم يفعل كذا إلا بعد أن سمع صوت الإله يناديه  ويناشده. وقد كانت أول هزيمة غاندى  فى تجرده من زعامته  السياسية وتفرغه للزعامة الاجتماعية ... وبذا فقد الزعامتين جميعا،  مع أن كثيرين حبذوا تصرف غاندى أول الأمر ولا سيما بعد أن  أعلن أنه سيفرد جهاده لخير المنبوذين ... ولكنه ، ويـا للأسف ،  أراد من المنبوذين أن يطيعوا الشرائع ويؤدوا ما فرضت عليهم. . .  أى أنه لم يحللهم من مبادئ النجاسة. . . ثم غلاهو فى امتثاله  أوامر دينه فلم يبرح  يقدس البقرة ويتبرك بروئها ويتطهر  يبولها ... وذلك ما عبّر به ابنه الذى هداه الله إلى الاسلام   أخيراً  ... والحقيقة أن سلوك غاندى الأخير لا يطاق ، بل كان  سبباً فى ثورة الشباب ضده ، وتأليهم عليه ،واعتبارهم إياه سبب  ضعف الهند وخضوعها

وفى هزيمة غاندى انتصار لطاغور من غير ريب. . .  رابندرانات طاغور شاعر الهند وأديبها الأشهر وفنانها العظيم. . .  الرجل الذى خدم الهند بشهرته العالمية في دولة الآداب أكثر  مما خدمها غاندى بسياسته العقيمة وأساليبه الرجعية الواهية

لقد كان طاغور يمقت من غاندى عداءه للجسم وتوهينه له وتهريجه  لروح على حسابه، وكان يرى أن الجسم نصف الإنسان والروح  نصفه الآخر، وأنه ينبغى أن يعنى بهما بمقدار واحد، لا أن  نوهن أحدهما على حساب الآخر، فليس روح سليم إلا فى جسم  سليم، وقد ظل طاغور يشهر من أدبه أسلحة مهلكة على تعاليم  غاندى، وبذلك تم له الفوز، وانتشل من يديه شباب بلاده الذين  أخذوا يدمنون قراءة قصصه بشغف وتلذذ، بعد ما كانوا  يكرهونها بسبب غاندى

اشترك في نشرتنا البريدية