حدثنى صاحبى قال : كنت عائدا من الإسكندرية في ظهر يوم من أيام هذا الخريف . وكنا في أعقاب تعديل وزاري جرى بسبب استقالة الوزارة وإعادة تشكيلها ، وخروج اثنين من هيئتها لاعتبارات خاصة بكل واحد منهما . جعلته يؤثر ألا يشترك في الحكم وأن يتحرر من قيوده . وكان أحد الوزيرين شيخا فيلسوفا بنظر إلى الحياة وما فيها ومن فيها نظرة رزينة هادئة . وله فى تقدير الأمور معايير فلسفية جعلته ينصرف عن الحكم ويزهد فيه . ليأخذ بسبيل ما كان يشغله قبل أن يشترك في الوزارة . وليستقر فى صومعته الهادئة بعد أن طال فاقه فوق كرسى الحكم . أما صاحبه الآخر فكان شابا متوهجا له فى ميادين الأعمال الحرة جولات موفقة . ضحى بصوالحه الشخصية حين لبى نداء الواجب وقبل الاشتراك في الحكم . وكان رأيه حين فعل ذلك أن الحكم ضربية يفرضها على القادر ضميره ليقوم بقسطه فى خدمة بلاده . فترك الدنيا الحرة ومتاعها المريض ، ووضع القيد بيديه في معصمية وباع النوم الهادى ليشترى السهد ونصب الليل والنهار ، أملا منه فى تحقيق شيء من الخير لوطنه ، وفي المساهمة بجهوده ومعارفه لخدمة مواطنيه . فلما رأى الرياح تجرى بما لا يشتهى لم يعد يجد في الحكم تلك الأداة الصالحة لأداء الواجب الذى فرضه على نفسه ، فاعتزم القفول ، وأمضى ما اعتزم عليه في جد وصرامة يتفقان مع طبيعته الشابة . حتى إنه حين انصرف لم يدر أحد وجهته . ولم يستطع أحد أن يقتنى أثره . وكان ذلك حرصا منه على أن يجعل انصرافه إلى غير عودة ، وأن يتم خروجه بغير رجعة ولا عدول .
قال صاحبى : وكان هذا الوزير الشاب زميل صباى . كنا معا فى
المدرسة . وكانت مجمعنا فرقة واحدة . وكانت خصال الجد والمثابرة والأدب الجم - تلك الخصال التى تبلورت فيه وميزته وهو كبير - ما تزال في ممتهلها في تلك الأيام الأولى . وكنت أكبره من أجلها وأحترمه . وأتوسم في خلاله تلك نواة قوية لشخصية عبقرية سوف تتكشف عنها الأيام - وكنا زميلين تربطنا روابط المودة والانسجام . ولكن الدهر ضرب بيننا . فسلك كل منا طريقا فى حياته غير التى سلكها صاحبه بيد أن القلب بقى عامرا بذكرى تلك الزمالة الأولى . وكان له إلى زميله وإلى عهده الماضى حنين دائم لا يريم . ففى ظهر ذلك اليوم الذى أتحدث عنه بكرت إلى القطار العائد إلى القاهرة لأتخذ لنفسى فيه مكانا مريحا . فلما استقررت فى مكاني ، واطمأننت إلى حقائبى ، جلست أقلب بصرى في الغادين والرائحين . فإذا خادم القطار يدخل على وهو يحمل في يده حقيبة أحد المسافرين فعرفت أنى سيكون لى رفيق فى رحلتى . فسألت الله أن يكون رفيفا هينا ظريفا ، يقصر معه طول الطريق ، وتخف وعناؤه . ولم أكد أفرغ من دعائى حتى رأيت أن رفيقى هو ذلك الوزير الشاب ، رفيق الصبا وزميل الشباب . فخفقت إليه ، وأودعت فى استقبالى له حرارة كل تلك السنين التى غرفت بيننا ، ورأيتنى أقول له فى صدق وصراحة :
- الف مبروك ، على عودتك إلينا من جديد ؟ فقال : - هذه أول تحية من نوعها أتلقاها منذ تخليت عن الحكم . ولكنى أصارحك أنى اعتبرها أصدق تحية . فلقد اعتدنا إذا ولينا الحكم ان تنهال علينا " التهانى " . وإذا خرجنا منه أن يزور عنا الناس .
وكانت فى يدى فى تلك الساعة جريدة فرنسية كنت قد طالعت فيها نبذة فكهة رقيقة بعنوان " الناس كما هم " روى فيها كاتبها قصة ظريقة هما وقع لمعالى وزير المالية فيما بين استقالة الوزارة وإعادة تشكيلها . وقد جعل قصته
في قالب رواية ذات ثلاثة فصول . فقال : كان وزير المالية متوعكا فى ليلة استقالة الوزارة ، لم تكن حالته ذات خطورة خاصة . لنزلة شعبية خفيفة خلفت عند معاليه شيئا من السعال . ولكن اثنى عشر طبيبا كانوا يحيطون بفراشه . اثنا عشر طبيبا لم يدع احد واحدا منهم . ولكنهم أقبلوا جميعا يوازع من انفسهم ليكون لهم شرف تطبيب الوزير ، لجس نبضه وقياس حرارته . . ولربط شيوع اغلبه!
الفصل الأول :
وكان أحد هؤلاء الأطباء مرابطا في غرفة تجاور مخدع الوزير ، وإلى جنبه ( منبه ) ذو جرس ليوقظه كل ثلاث ساعات حتى يعطى معالى الوزير جرعته من البنسلين فإذا سأل سائل : هل سعل معالى الوزير ؟ تقلصت الوجو فزعا ، أو سأل : هل عطس معاليه ؟ اغرورقت العيون أسفا وجزعا لقد كان كل واحد من اولئك القوم يتمنى ان يفتدى معالية بنفسه . وبسنده بل وبشرفه ويلبسه ثوب الفخار ان يخلع عليه الوزير سرابيل وعكته ، وان تلهب الحمى جسده لتخفف حرارة معاليه ، وان تهلك الأسقام بدنه لا يرجو لقاء ذلك إلا أن يشفى معالى الوزير وان يحس أنه مدين له بهذا الشفاء !
الفصل الثانى :
وقرعت أجراس التليفون . . وذاعت الأنباء بأن الوزارة قدمت استقالتها . . وإذا مجموع الأصدقاء - بقدرة الله وعظمته - يتبخرون كما لو كان أدركهم سحر ساحر ! والأطباء لم يبق منهم إلا ذلك الراقد بجانب ساعته الرناية حتى إذا استيقظ وعلم بما كان ، وضع ساعته في جيبه واطلق ساقيه للمريخ! والتلفون ، ذلك التلفون الذى لم يكن ينقطع رنينه بين كل
ثانية واخرى للاستفسار عن صحة معالى الوزير ، أدركته أخيرا رحمة الله فسكن بعد طول الضجيج والعجيج سكون أهل القبور.
إن هذا المريض لم يعد وزيرا ، فلا بأس عليه لو شأه أن يموت!
وبعد فترة ساد فيها هذا الصمت الرهيب عاد التلفون يدق . . وكان المتحدث فى هذه المرة خادم الوزير الذى كان لا يزال باقيا في الإسكندرية . لقد بلغه هو الآخر نبأ سقوط الوزارة :
- هل من الضرورى أن أعود الآن إلي القاهرة ؟ هل لا يمكن ان أمد إجازتى قليلا ؟ إن حر القاهرة لازال شديدا !
فيسخرية الأقدار ! ويا لها من رفسة حمار ! حتى الخادم ! لقد كانت تجرية قاسية كشفت لوزير المالية من نفوس الناس عما لم يكن يعلم . واضافت إلى معارفه السابقة معرفة جديدة بحقيقة الناس وما جبلوا عليه من تنكر ونكران!
الفصل الثالث :
وأخيرا جاء البشير . . وعادت أجراس التلفون إلى ترنانها ! لقد رفض جلالة الملك استقالة الوزارة ، وأمر أن تظل فى مقاعد الحكم ، وان يبقى وزير المالية في مكانه . فعادت المياه تجرى في مجاريها وأقبلت الوفود تترى واحدا بعد واحد . ولم يأت المساء حلى كانت برقيات النهانى تغطى موائد الدار! وهكذا الدنيا . .!
قال صاحبى : - كنت قد قرأت هذه النبذة . وكانت الصحيفة لا تزال فى يدى فناولتها لزميلى الوزير السابق ، وقلت له :
- خذ فتفكه بهذه القصة الطريقة فلعل شيئا مثلها قد وقع لك أنت الآخر !
فأخذ الصحيفة ، ورأيته يبتسم ويزداد عرض ابتسامته كلما أوغل في قراءة تفصيلاتها ، حتى إذا انتهى منها قال :
- لقد أذيعت أنباء تشكيل هذه الوزارة في الجرائد قبل ان يصلنى تبليغ رسمى بأننى أحد اعضائها في الساعة السابعة صباحا كانت غرف ضيافتى تموج بالزائرين والمهنئين . بالموظفين الذين يريدون ان يكون لهم السبق على غيرهم فى عرض مطالبهم ، وبأصحاب الحاجات اليقظين الذين يريدون قضاءها قبل أن تشغلنى منهم زحمة الحكم . وجاءت سيارة حكومية فى تلك الساعة المبكرة فاستوطقت بابى . وراعتنى كل هذه الظاهرة . فلم أملك نفس أن أنزل إلى السيارة وأصرف صاحبها لأنى لم أعد بعد وزيرا يملك ركوب السيارة الحكومية ، ثم القيت إلى ضيوفى - غير ألكرام - فأفهمتهم أن زيارتهم جاءت سابقة لأوانها . وأن عليهم أن بتربثوا قليلا قبل إبداء ما يسرون وما يعلنون . . وعدت إلى غرفتى الخاصة فاعتكفت فيها حتى طلبتنى رياسة مجلس الوزراء لأحضر الاجتماع الأول الذى حدده لنا دولة الرئيس .
وما من وزير إلا وقع له شئ مما يشبه تلك القصة التى كتبها ذلك الكاتب عن وزير المالية . .
فلقد ذهبت أمس لزيارة زميلى الذى كان قد استقال معى منذ أيام . فوجدت عنده رجلا يزوره - رجلا واحدا - فلما أراد زميلى أن يقدمه إلى قال :
- أقدم لك ( فلانا ) الموظف بوزارة - وهو " الباقى على وفائه " ! وقد ضحكت لهذا التعبير كثيرا . فى فهمت منه نفس المعنى الذبريده زميلى السابق ، إذ لم يشأ ان يقول مثلا " أحد رجالنا الأوفياء " بل اختار ان يقول : " الباقى على وفائه لبدل على ان تلك الدنيا العريضة التى كانت تحيط
به وهو فى الوزارة لم يبق منها إلا هذا الواحد " الباقى على الوفاء " وسبحان من له الدوام!
قال صاحبى : - ثم مضى زميلى السابق يحدثنى عن بعض ما يرى الوزير من أخلاق الناس عندما تكون رجله في الركاب . وعما يطرأ عليهم من تحول عندما تنزل رجله فوق التراب ، وكان من أدق ما روى لى أن واصف غالى باشا عند ما تقلد وزارة الخارجية ، قصد إلي دار وزارته . ولم يكد يستقر به مجلسه فيها حتى دخل عليه رجل مهندم فى ثوب مبهرج محمل على كفه صفحة من فضة فيها قدح من القهوة . فرفض واصف باشا أن يشربه - لسبب بسيط وهو أنه لا يشرب القهوة . فامتعض الساقي وبدت علائم الخيبة على وجهه ، ووقف لحظة في حالة تشبه الذهول . وأدرك واصف باشا ما أصاب الرجل من خيبة الأمل . فدعا سكرتيره في الحال وأمره بأن يعطى هذا الساقى عشرة جنيهات في أول كل شهر . فكادت تنقلب الصفحة من يد السافى ، وهو برفع بدء الأخرى بالدعاء للوزير والثناء على أريحيته والتوسل إلي الله أن يطيل له في عمره - ولعل ما يريد أن يقوله هو عمر وزارته !
وعاد السكرتير يسأل وزيره : لماذا يدفع كل هذا البائع للساقى إذا كان هو لا يشرب قهوته ؟ فكان جواب الوزير:
أملنا بهذه الوسيلة نعلمهم كيف يحسنون وداعانا ونحن خارجون كما أحسنوا اليوم لقاءنا ونحن مقبلون !
ومرة اخرى : هكذا الدنيا !

