افيحلو لكم , أيها الإخوة , أن يخنقكم ما يتبخر من أشواق هؤلاء المسوخ ؟ حطموا النوافذ واقفزوا منها لتنجوا بأنفسكم حاذروا هذه الابخرة الخانقة وابتعدوا عن عبادة الأصنام فأنها دين الدخلاء على الحياة . حاذروا هذه الأبخرة وأعرضوا عن هذه الضحايا البشرية
لم يزل حتى الآن مجال تسعى فى رحبه النفوس الكبيرة نحو الحرية فى الحياة , ولم تخل الارض من أماكن يلجأ إليها المنعزل منفردا او مزدوجا حيث تهب نسمات البحر الهادئة . فان الحياة الحرة لم تزل تفتح أبوابها لكبار النفوس ! والحق أن من يملك القليل لايناله إلااليسير من تحكم المتسلطين . فطوبى لصغارالفقراء ! لا يظهر الانسان الأصيل فى الحياة إلا حيث تنتهى حدود الحكومات , فهناك يتعالى نشيد الضرورة بنغماته المحررة من كل مطاوعة وتقييد
هنالك عند اخر حدود الحكومات , قفوا وتطلعوا , يا إخوتى , انما ترون تحت قوس قزح المعبر الذى يجتازه الانسان الكامل ؟ هكذا تكلم زارا
حشرات المجتمع
سارع إلى عزلتك , يا صديقي , فقد اورثك الصداع صخب عظماء الرجال , وآلمتك وخزات صغارهم . إن جلال الصمت يسود الغاب والصخور أمامك , فعد كما كنت شبيها بالدوحة التى تحب , الدوحة الوارفة الظل المشرفة على البحر مصغية فى صمتها إلى هديره
على اطراف حقول العزلة تبدا حدود الميادين حيث يصخب كبار الممثلين ويطن الذباب المسموم . لا قيمة لخير الأشياء فى العالم إن لم يكن لها من يمثلها , والشعب يدعو ممثليه رجالا عظاما . قالشعب يسىء فهم العظمة المبدعة , فييتدع من نفسه المعاني التي
يجمل بها ممثليه والقائمين بالأدوار الكبرى على مسرح الحياة إن العالم يدور دورته الخفية حول موجدي السنن الجديدة وحول لاعبى الأدوار على مسرح الحياة بدور الشعب وتدور الأمجاد , وعلى هذه الوتيرة يسير العالم
إن للاعب الأدوار ذكاءه , ولكنه لا يدرك حقيقة هذا الذكاء لانصباب عقيدته إلى كل طريقة توصله لخير النتائج وإلى كل أمر يدفع بالناس إلى وضع ثقتهم به
غدا سيعتنق هذا الرجل عقيدة جديدة , وبعد غد سيستبدل بها اجد منها . فكرته تشبه الشعب تذبذبا وتوقدا وتقلبا إن ممثل الشعب يرى بالتحطيم برهانه , وبايقاد النار حجته ، وبإراقة الدماءأفضل حجة وأقوى دليل . إنه ليعتبر هباء كل حقيقة لا تسمها إلا الأذان المرهفة , فهو عبد الآلهة الصاخبة فى الحياة . إن ميدان الجماهير يغص بالغوغاء المهرجين , والشعب يفاخر بعظماء رجاله فهم اسيادالساعة في نظره . ولكن الساعة تتطاب الاسراع من هؤلاء الاسياد , فلذلك يزحمونك , يا أخى ، طالبين منك إعلان رفضك أو قبولك , والويل لك إذا وقعت , حائرا بين ( نعم ) وبين ( لا )
وإذا كنت عاشقا للحقيقة فلا يغرنك أصحاب العقول الرعناء المتصلبة , وما كانت " الحقيقية لتستند يوما إلى ذراع أحد هؤلاء المتصلبين
دع المشاغبين وارجع إلى مقرك , فما ميدان الجماهير إلامعترك .يهدد سلامتك بين خنوع ( نعم ) وتمرد ( لا ). إن تجمع المياه فى الينابيع لا يتم إلا ببطء ،, وقد تمر أزمان قبل أن تدرك المجارى ما استقر فى أغوارها
لا تقوم عظمة إلا بعيدا عن ميدان الجماهير وبعيدا عن الأمجاد , وقد انتحى الأماكن القصصية عنها من أبدعوا السنن الجديدة فى كل زمان
اهر ب , يا صديقي , إلى عز لتك . لقد طالت إقامتك قرب الصعاليك و الأدنياء , لا تقف حيث يصيبك انتقامهم الدساس وقد أصبح كل همهم أن ينتقموا منك . لا ترفع يدك عليهم فأن عددهم لا يحصى , وما قدر عليك أن تكون صيادا للحشرات . إنهم لصغار أدنياء ولكنهم كثرة . ولكم أسقطت قطرات المطر وطفيليات الأعشاب من صروح شامخات . ما أنت بالصخرة الصلدة , ولشد ما فعلت بك القطرات , ولسوف
يتوالي ارتشاقها عليك فتصدعك وتحطمك تحطيما لقد أرهقتك هذه الحشرات السامة فخدشت جلدك وأسالت منه الدماء ، وأنت تتحصن بكثيرك لتكظم غيظك ، وهي تود لوأنها تمتص كل دمك معتبرة أن من حقها أن تفعل لان دمها الضعيف يطلب دما ليتقوى , فهى لاترى جناحا عليها إذ تنشب جمتها فى جلدك . إن هذه الجروح الصغيرة لتذهب بالالم إلى مدى بعيد فى حسك المرهف , فتتدفق صديدا يرتعيه الدود . أراك تتعالى عن أن تمد يدك لقتل هذه الحشرات الجائعة ، فخاذر أن يحول سم استبدادها فى دمك
إن هؤلاء المشاغبين يدورون حولك بطنين الذباب , فهم يرفعون أناشيدهم تزلفا إليك ليتحكموا فى جلدك ودمك . إنهم يتوسلون إليك ويداهنونك كما يداهنون الآلهة والشياطين ، فيحتالون عليك ياللاطفة والثناء , وما يحتال غير الجبناء
إنهم يفكرون بك كثيراً في سرهم فيلقون الشكوك عليك، وكل من يفكر الناس به كثيراً تحوم حوله الشبهات
انهم بعاقبونك على كل فضيلة فيك ولا يغتفرون لك من صميم فؤادهم إلا ما ترتكب من اخطاء . إنك لكريم وعادل , لذلك تقول في قلبك ": إن هؤلاء الناس أبرياء وقد ضاقت عليهم الحياة " ولكن نفوسهم الضيقة تقول فى نجواها ": إن كل حياة عظيمة إنما هى حياة مجرمة " ويشعر هؤلاء الناس بأنك تحتقرهم عند ما تشملهم بعطفك , فيبادلون عطفك يالسيئات . إنك لتصدعهم بفضيلتك الصامتة فلا يفرحون إلا عند ما يتناهى تواضعك فييستحيل غرورا . إن الناس يطمحون بالطبع إلى الهاب كل عاطفة تبدو لهم , فاحذر الصعاليك لانهم يحسون بصغارهم أمامك فيتحمسون حتى ينقلب إحساسهم كرها وانتقاما افما شعرت انهم يخرسون عند ما تطلع عليهم , فتبارحهم. قواهم كما يبرح الدخان النار إذا همدت
أجل يا صديقي , ما أنت إلا تبكيت فى ضمائرأبناء جلدتك لأنهم ليسوا أهلا لك , فهم لذلك يكرهونك ويودون امتصاص دمك
إن أبناء جلدتك لن يبرحوا كالحشرات المسمومة لأن العظمة فيك ستزيد أبدا فى كرههم لك
وإلى عزلتك , يا صديقي , إلى الاعالى حيث تهب رصيتات الرياح , فانك لم تخلق لتكون صيادا للحشرات هكذا تكلم زارا ...
العفة
أحب الغاب , فما تسهل حياة المدن على وقد كثر فيها عبيد الشهوات الثائرات
لخير أن يقع الرجل بين براثن سفاح من أن تحدق به أشواق امرأة جامحة ملتهبة
فإنك إذا ما تفرست فى رجال المدن , لتشهد لك نظراتهم بأنهم لا يرون فى الأرض شيئا يفضل مضاجعة امرأة . فى أغوار أرواحهم ترسب الأقدار , وأشقاهم من تمرغ عقله بأقذاره
ليتك حيوان اكتملت حيوانيته على الأقل , ولكن أين منك طهارة الحيوان ؟ ما انا بالمشير عليك بقتل حواسك ؛ إن ما أوجبه إنما هو طهارة هذه الحواس
ما أنا بالمشير عليك بالعفة , لأنها إذا كانت فضيلة فى البعض فانها لتكاد تكون رذيلة فى الآخرين . ولعل هؤلاء يمسكون عن التمتع , غير أن شبقهم يتجلى فى كل حركة من حركاتهم وإن كلاب الشهوة تتبع هؤلاء المسكين حتى إلى ذرى فضيلتهم فتنفذإلى أعماق تفكيرهم الصارم لتشوش عليه فى سكينته ؛ ولكلاب الشهوة من مرونة الزلفي ما تتوسل به إلى نيل قطعة من الدماغ المفكر إذا منعت قطعة اللحم عنها ...
إنكم تحبون المآسي وكل ما يفطر القلوب، أما أنا فلا أثق بكلاب شهواتكم لأن نظراتكم الرصينة تمتلئ شهوات عندما تقع على المتألمين؛ وقد تنكر الشبق فيكم فدعوتموه إشفاقاً وأني لأضرب لكم مثلا على هذا: حالة العدد الوفير ممن أرادوا طرد الشياطين فدخلوا هم في الخنازير بدلاً منها
إذا ما تثلت العفة على أحد منكم فعليه ان يعرض عنها كيلا تنشط أمامه سبيلا إلى الجحيم , جحيم أقذار النفس ونيراتها لعلكم ترون بذاءة فى كلامي , أما أنا فأرى البذاءة حيث لاترونها أنتم ليست البذاءة فى قذارة الحقيقة , بل هي فى تدنيها وإسفافها , وطالب المعرفة بأنف من الانحدار إلى مهاويها إن من الناس من دخلت العفة قلوبهم فلانت هذه القلوب لهنا . أولئك هم الضاحكون وفى ابتسامهم ما ليس فى ابتسامكم من إخلاص . إنهم يهزأون بالعفة ويتساءلون عما يمكن ان تكون
افليست العفة غرورا ؟ افليست هى التى جاءت إلينا ولم نذهب نحن إليها ؟
لقد فتحنا قلبنا لها فاستقرت ضيفا ثقيلا فيه , فليبق هذا الضيف نازلا فينا ما طاب له المقيل
هكذا تكلم زارا ..
( يتبع )
