في اعتقاد عامة الناس ان الجنون لوثة واحدة وانه كالكفر ملة واحدة ، على حين نجد الكفران مللا ونحلا واتجاهات ونظريات ، كما نجد الجنة زمرا متنوعة واصنافا عديدة ودرجات متفاوتة . وفى اعتقاد عامة الناس ايضا ان سليم العقل هو من كان حاذقا لغدوه ورواحه ومتزنا فى سلوكه وافصاحه ، وان فاقد العقل او سقيمه هو من وهن رشده وتخلفت بصيرته عن اتباع صالحه ونحت الى طالحه نتيجة لتدهور قوى الاتزان المنطقي ، او هو فى نظرهم ذلك الرجل الذى آوته المصحات العقلية لفقدانه المقدرة على التمييز العقلي ، بينما الفارق يبن العاقل والمجنون يكاد يكون اصطلاحيا اذ من العقلاء ، من هو حقيق بالعلاج والتطبيب العقلي ، ومن المجانين من دفع بالركب الحضاري خطوات غير زهيدة . !!
ههنا نريد على التحديد ان نتبين حدود الجنة من حدود العقل او بعبارة مبسطة : اي الناس العاقل ؟ وايهم المجنون ؟ الاجابة الغريبة والمؤسفة عن هذا التساؤل هي ان الانسان من حيث هو ، لا يمكن وصفه بالجنون فقط ، كما لا يمكن نعته بالعقل فقط ، بل الاصح لنا واقعيا نعته بكلتا الصفتين واعتباره مجنونا تارة عاقلا اخرى ، او مختلفا فى مرحلة زمنية من حياته ، متزنا فى ثانية وبهذا الاعتبار يصبح الاختبال العقلى والاتزان المنطقي صفتين دوريتين يتعاقبان على الحياة النفسية فى مناسبات متوالية وبنسب متفاوتة تبعا لاطوار النمو ومراحله ووفقا لدرجة التوافق الذاتى والاجتماعي للفرد . وعلى هذا الاساس من اتفق الناس على وصمه بالجنون ان هو الا شخص غلبت على سلوكه مسحة الجنة امام منة العقل ، ومن اتحد الناس على نعته بالحصافة الفكرية ان هو الا نفر تشبعت فعاله يرحيق المنطق وتحصنت من اشعاع الجنة المتاصلة في اعمق اعماق النفس البشرية . ولتوضح هذا المعنى نذكر حالة الطفل منذ الولادة وفي مختلف مراحل نموه فهو على ما نلاحظ جنوني الترعة والسلوك تشبه فعاله ونزواته فعال نزلاء المستشفيات العقلية ونزواتهم او هي أشد غرابة ؛ ثم الشيخ العجوز بعد أن عاش كهولته موفور الاتزان والرشد لا يلبث حتى يخلع ويتجرد من عبرة العقل ليتحلى بنفس
الرداء الذى ولد به ، ولهذا نرى مرحلة الشيخوخة لها شبه كبير بمرحلة الطفولة في خصوص المميزات السلوكية واما ما يعرف فى عرف الطب العقلي بعثه الشيخوخة dementia فإن المصاب به من المتقدمين فى السن يوشك أن يصبح طفلا في سماته الانفعالية والنزوعية ؛ ثم نذكر ايضا سلوك النائم وهو يعيش احلامه ، فهو كذلك جنوني التصرف فى نشاطه التخيلي وحتى الحركى ؛ وبالمثل نذكر بهذا الصدد تلك المواقف الجنونية او الطفلية التي يتلبس بها الكهل في لحظة من لحظات يومه ، او تلك التي يقوم بها معظم جهابذة الفكر العلمي او السياسي عند مثولهم بين ذويهم او اترابهم او اطفالهم او حتى اذا خلوا الى انفسهم احيانا كثيرة .
كل هذه المواقف ومالف لفها تملى الاعتقاد بان كل عبقرية بها بذرة من جنون ، وأن كل انواع الجنون بها نبذة من عقل ، ويفسر هذا حالة الجنة التي يكون فيها النائم مؤديا دوره الروائي وهو يحلم ، فهو بلا شك اشبه ما يكون بالمجنون حتى يستفيق وبالتالي قيل عن وديع المصحات العقلية انه في حلم مستمر وأن استفاقته رهينة بالبرء والمعافاة ، وان الفرق بينه وبين النائم فرق نسبى اذ النائم منتظم الصحو يوميا والمجنون افتقد هذا الانتظام الذى تعمل الوسائل العلاجية على توفيره له من جديد ..
هذه الفذلكة التمهيدية لمدلول الجنون والعقل سوف لا تفى بحاجتنا الى التعرف عن حقيقة الجنون في ميادين البحث . ما المقصود بالجنون اذن ؟ ثم ما هي صوره واشكاله في مضمار التشخيص العلمي ؟ ثم من هو صحيح العقل في نظر الاطباء العقليين والمحللين النفسيين ؟ من تعريف هدفيلد Hadfield للصحة العقلية Hygiene Mentale يمكننا اخذ فكرة صحيحة عن صحيح العقل اولا ، هذا الطبيب الشهير يذهب الى القول بان " الصحة العقلية هى العلم الذي يهتم بالمحافظة على بقاء الاتران العقلى ، ويعني بالحيلولة دون الاضطرابات العقلية " ويذهب ايضا الى ان " سليم العقل هو الشخص الذي تكون وظائف شخصيته في كامل نشاطها وتمام تناغمها " ثم هو يمضي في القول الى أن يرى " في اختلال قوى الشخصية هذا ما يؤدي الى الاختلاف عن المعيار الصحيح للمجتمع ككل " بالاستناد الى هذه المقولات يمكن القول بان مريض العقل او المجنون هو
من حاد سلوكه عن المعيار العادي للتصرف نتيجة لما انتابه من اعراض مرضية او شاذة ، وبهذا التحديد تصبح للناحية الظاهرية للسلوك اهمية كبرى في عملية التشخيص العلمي لالوان المرض العقلي وضروبه وعلى الاخص في الامراض العقلية التي ليس لها اساس تشريحى عضوي بل هى وظيفية الاصل . فالاعراض المرضية هي في واقعها ككل عرض سلوكى تعبر عن تفاعلات حيوية نفسية psychobiologique وتعبر في نفس الوقت عن مستوى العقل . وهى كذلك في مفهوم الاطباء العقليين نتاج من عوامل داخلة واخرى خارجلة كما هى فى نظرهم ايضا تمثل طريقة لحل هذه المشاكل تبعا لاغراض واطماع وشخصية الذات وعلى هذا فهى ذات اصل وثيق بحياة الشخص وغالبا ما تكون ظواهر لرغبات مقنعة ، او ذكريات مكبوتة او مخاوف مجهولة وتدل ضمنيا على ان صاحبها عديم القدرة على حل هذه المشاكل التي تمثل فى جوهرها حلولا غير متوافقة مع هيكل الجماعة Status social هذا في خصوص اصلية الاعراض المرضية ووظيفتها اما فيما يتصل بتصنيفها فقد درج الاطباء العقليون الى تقسيمها تحت العناون الآتية :
١) اضطرابات القدرات الحسية desorders of sensery faculties وهي تكون في الحالات التى يقع فيها الشطط او الاجحاف في آداء احدى الحاسيات الخارجية او الداخلية .
٢) اضطرابات الادراك الحسى وهى التي تصبح فيها وظيفة الادراك هذه نهب الهلاوس السماعية او البصرية Hallucination او مسرحا للاخيلة والاهداس illusion ومن هذه الاضطرابات انعدام القدرة على الادراك كلية " imperception أو في فترات متناوبة .
٣ ) اضطرابات التفكير وهي اما فى جوهره باعتباره وظيفة تتوج بقية العمليات النفسية ، واما فى نتاجه وتسلسله ، ومن هذه السرعة المشطة في تكوين الفكر والآراء ، او البطء فى حدوثها او التشبث حول راي واحد على الدوام perceverention او المبالغة فى ذكر التفاصيل وعدم الاستطاعة على التفرقة بين التافه والمهم من الامور ،
وكذلك حالة انعدام التسلسل والاتزان المنطقي inconherence ومن هذه الاضطرابات ما يميز بنوع المحتوى الفكرى وطبيعته من معتقدات لا اساس لها من الصحة delusion الى افكار واراء حول مواضيع شتى او حول الذات نفسها ومقدراتها ومميزاتها الشخصية .
٤) اضطرابات الشعور ولها صور عديدة منها عدم الشعور بالزمان والمكان ، وضحالة الفكر والآراء نتيجة لاى تسمم خارجى او داخلى كما يحدث في الحالات الطارئة للامراض المعوية والتسمم ، ومن هذا الاخير حالة السكر .
٥) اضطرابات الانفعال وهذه انواع كثيرة تتصل في جملتها بشدة الاستجابة الانفعالية ووهنها ، او بموضوعها وتناسبها او تتصل احيانا بنوع التوافق الذي يتم بينها من جهة وبين شدة المثير ونوعه ومصدره .
٦) اضطرابات السلوك وهي الخاصة بمجرى السلوك وتوافقه الظاهري ، ومن صورها التعامل بالعنف وغلبة الطابع الغريزي الدمغي على السلوك . ٧) اضطرابات الذاكرة ومنها ما يتصل بالتحصيل " acquisition او بالاختران retention او بالتذكر recall او بالتعرف recognation وهي على العموم مرددة بين صفتى الافراط والتفريط .
هذه الضروب المختلفة للاضطراب فى شتى مناحى السلوك وصوره تعتبر كزوايا وعناوين للبحث والتشخيص تسهل بها عملية التتبع وييسر بها مجهود التناول والتقصى ، اما عملية التشخيص نفسه وخطواته العيادية في نظر الطب العقلي الحديث ، وما يتبع ذلك من الحاق مجموعة معينة من الاعراض باسم مرض عقلي معين فهذا ما سنحاوله فى فرصة قادمة . .

