المعروف أن العلم الحديث بالرغم من تقدمه بخطى الجبابرة في سائر النواحي، لم يوفق إلى اكتشاف سر التحنيط عند قدماء المصريين؛ وقد كانت للفراعنة في هذا الفن براعة ليس أدل على عظمتها وروعتها من تلك الموميات العجيبة من جثث الملوك والأمراء الفراعنة التي أخرجت من قبورها والتي ما زالت بعد آلاف الأعوام تحتفظ بشكلها البشري احتفاظا مدهشاً حتى أنك لترى الأظافر وشعر الجلد والرأس باقية كما كانت أثناء الحياة. وقد حاول العلم الحديث أن يجري تحنيط بعض العظماء لتخلد هياكلهم البشرية فلم تطل التجربة أكثر من أعوام تطرق بعدها البلي والعدم إلى الجثمان المحفوظ؛ وهذا ما حدث لجثمان (لنين) زعيم روسيا البلشفية فإنه لم يمكث بعد تحنيطه أكثر من بضعة أعوام ثم اضطرت السلطات إلى مواراته بعد أن ظهرت عليه أعراض التحلل. بيد أنه ظهر أخيراً في أمريكا علامة شاب هو الدكتور جون فيدمان من جامعة الينوا يقول إنه قد وقف على سر التحنيط عند القدماء وإنه يستطيع أن يحقق حفظ الجسم المحنط أجيالاً وأحقاباً، وأنه اهتدى أخيراً إلى سر المركب الذي كان يستعمله القساوسة
المصريون، وأن أهم المواد التي كانت تستعمل لمزج هذا المركب هو محلول (النترسلولوز) . وقد يكون هذا العلامة قد وفق حقاً إلى اكتشاف مركب جديد لتحنيط الجثث؛ ولكن الحكم على صحة الاكتشاف وعلى مدى أهميته لا يمكن تحقيقه قبل مضي مدة طويلة، لأن التجربة لا يمكن الحكم عليها إلا بمرور الزمن الطويل
ونحن نذكر أن المؤرخ الأول هيرودوت قد عرض إلى مسألة التحنيط في مباحثه التي أجراها عن المصريين القدماء وعن مدنيتهم وأحوالهم التي شاهدها واطلع عليها بنفسه؛ وقد ذكر لنا هيرودوت في كتابه أن التحنيط كان عند المصريين درجات وأن الجثة كانت تنقع بعد استخراج الأمعاء والحواشي نحو سبعين يوماً في محلول لم يوضحه لنا تماماً لأنه هو لم يستطع الوقوف على سره نظراً لتحوط الكهنة في الاحتفاظ بهذا السر، وأن التحنيط كان على ثلاث درجات: الأولى للملوك والأمراء وهي أتقن الدرجات، والثانية للنبلاء والأغنياء، والثالثة لأفراد الشعب، وهذه أبسطها وأقلها اتقاناً. وقد حاول كثير من العلماء أن يهتدي إلى سر هذا المحلول العجيب الذي يشير إليه هيرودوت، ولكن العلم أخفق حتى يومنا في اكتشاف هذا السر

