يحدو في إلي كتابة هذا المقال عبارة وردت في مقال للأستاذ أحمد أمين بك في مجلة الثقافة العدد ٢٣١ موضوعه : " الشيخ رفاعة الطهطاوي مؤسس النهضة العلمية الحديثة " . والعبارة هي : " . ولقد أذكرني ذلك بحكاية طريفة . فقد كنت اتبادل مع سيدة إنجليزية جميلة تعلم الإنجليزية والعربية . وكان لها عين تشعان الثقة والإخلاص والأمانة ، وكان يصعب منها النطق بالعين . فكانت تقول : " إن عينكم هذه تقتلني " فأقول في نفسى " وعينكم أيضاً تقتلني " .
وهذه أول مرة - على ما أعلم - يكشف فيها أستاذى الجليل - حفظه الله - عن سريرة من سرائر نفسه بعبارة في غاية الإيجاز والوضوح والجمال .
ومدلول العبارة أن الأستاذ كان في وقت ما ، ولمدة لا أحسبها قصيرة ، تحت تأثير عينين لا أصفهما بأبلع مما وصفهما هو بقوله قاتلتين ؛ فما فعلت هاتان العينان القاتلتان بقلب الأستاذ ، وما أثرتا في روحه وأدبه ؟ ليس فيما كتب الأستاذ من مؤلفات ومقالات ما ينبيء عن هذا التأثر , لا سيما ومقالاته الوجدانية نادرة ، على ما أعلم ؟ فهل يستنتج إذن أن نبنك العينين القاتلتين لم ينفذ سمهما - استغفر الله - أفسد سحرهما إلي شغاف قلب الأستاذ ولم يوحيا إليه كتاباً ولا فصلًا ولا مقالاً ؟ ما أظن أن هذا معقول . ولكن المعقول ، إذا كان الأدباء بشراً - وهذا أمر لا شبهة فيه - أن يكون الأستاذ قد تأثر فكتب ، ولكنه عمي على القراء ألتزاماً لسنن الأدباء المحدثين عامةً الذين لا يفصحون عن سرائر قلوبهم ، وإن افصحوا كنوا ورمزوا أو عمموا وغمغموا ، كأن الأديب ليس بشراً ، ولا يصح أن يتعرض لما يتعرض له سائر البشر من الأهواء والفتن . وإن قدر وتعرض لجرح في قلبه فهو من المبتلين
الذين يجب عليهم أن يستتروا حتي يبرأوا ، دون أن يعلم الناس من أمرهم شيئاً .
أحقاً - عباد الله - أن الأدباء ليسوا بشراً ؟ أحقاً أنهم في منجي من مرمى العيون القاتلة ؟ إن كان ذلك حقاً فلنحكم على الأدب الحديث أنه أدب هزيل متكلف ، بعيد عن التحدث عن سرائر النفوس ، وبعيد عن الكشف عن خفايا القلوب ، وبعيد عن تصوير النفس الإنسانية ، وهي تتقلب على مثل الجمر ، وتنشوي كما يشوي لحم الخراف . وأقول أكثر من هذا صادقاً : بعيد عن الأدب الحق .
وشيء من هذه الأوصاف قد استخلصها النقاد الصادقون مما قرأوا من آثار جل الأدباء المحدثين ، فقالوا : إنه - في عمومه - أدب سطحي لا يتغلغل إلى أعماق النفس ، أو حتى رخو بعيد عن تصوير الأحاسيس تصويراً صريحاً صادقاً ، أو متكلف يتلبس شخصيات منتحلة لا وجود لها ، وما إلي ذلك من أوصاف .
وليس فيما بين أيدينا من مؤلفات المحدثين مؤلف واحد يصح أن نعتبره قطعة حية من قلب مؤلفه ، نري فيه آثار الدماء ، وطراوة اللحم الغريض ، وحرارة الجسم الحي . ولهذا نجد أجود ما أنتجه المحدثون إما اقتباس عن قصص وأساطير قديمة ، أو نقل عن لغات أجنبية ، أما الإنتاج الشخصي فجيد في بعض نواحيه ، وجودته جودة نسبية ولعل أبرز عناصره رشاقة الأسلوب أو طرافة الأفكار ، وفي القليل منه وصف رائع أو تحليل لعواطف محدودة ساذجة . أما العواطف العارمة المضطرمة التي هي لب لباب الأدب فليست هناك ؛ وأما الوصف الفياض المسهب لدقائق التجارب والمحن الروحية والعقد النفسية فليس هناك كذلك . وإذن فعنصرا العواطف والخيال القائمان على صدق التصور مفقودان ، أو يكادان يكونان في حكم المفقودين .
ولم ذلك ؟ ألأن الأدباء المحدثين عاجزون ؟ ألأنهم
غافلون ؟ لا ! لأنهم يريدون أن يجاروا العامة في اعتبارهم الأدباء وأصحاب الفكر أناساً فوق البشر ، أو على الأصح ، أناساً ليسوا بشراً ، وهذا الاعتبار من آثار البيئة التي تفرض الحياء والتستر والكتمان والزوغان . وحين يجمح قلم الأديب وتفلت منه عبارة تكشف عن سريرته تلمس أعماق نفسه ، ويتبين لك أنها نفس إنسان كسائر الناس تتعرض للأهواء والفتن ، والجرح والكي ، كتلك العبارة التي فلتت في مقال الأستاذ ، ونمت عن قلب كبير نابض بالحياة
تصور الأستاذ وهو جالس إلي فتاة مليحة رشيقة ذات عينين قاتلتين ، يبادلها درساً بدرس ؛ وهو ذلك الرجل الرزين الوقور الجاد في عمله ، الذي يدرس الإنجليزية بدافع الرغبة الصادقة فيها ، لا لأداء واجب ، أو اكتساب رزق أو طمعاً في علامة . وهو يدرس في سن متقدمة توجب عليه الراحة في أوقات الفراغ ، وتفرض عليه الكثير من الواجبات الثقال . تصوره وكله وعي وانتباه يريد أن يحصل في هذه السويعات أكثر ما يمكن من معرفة للغة الإنجليزية الغنية بآدابها ، وليس عنده منها ولا من غيرها من اللغات الأجنبية زاد يعينه على التحصيل . فهو يجلس إلي معلمته جاداً رزيناً لا يرفع عينيه عن الكتاب إلا لسؤال يعرض من حين لآخر ، فيرفع به صوته مستحيياً ، وعيناه خجلتان يصوبهما إلي وجه معلمته لحظات ثم يردهما إلي الكتاب سريعا] إلي حين يسمع الجواب فيتمسمران فيه . وهو في كل جلسة يشعر أنه أمام مخلوق ذي عينين قاتلتين . ولكن ما للعينين قصد الدرس ، ومالهما تفرغ في هذه السويعات القليلة ! ويأخذ شعوره بقوة العينين يزداد يوماً بعد يوم ، ولكن يشغله عنهما فهم متزايد للغة أجنبية تفتح له أبوابًا جديدة هو في أشد الحرص عليها والحاجة إليها . فقلبه وعقله ينموان ويتصارعان بقوة واحده . ولذلك يظل شعوره معتدلا .
وفجأة يقع بصر معلمته على حرف عين مقبل من بعيد ، فتلتاع وتضطرب وتخشى أن تسيء النطق أمام تلميذها ومعلمها ، وقد نبهها إلي صحة نطقه مراراً ، فيرميها بالغفلة أو الكسل . فيخطر ببالها أن تعتذر لتنجو من هذه الأزمة ، فتقول يا سيدي : " إن عينكم تقتلني " وما يكاد الأستاذ يسمع هذا الاعتذار حتي برفع بصره عن الكتاب ويصوبه إلي وجه تلميذته ومعلمته ، فيقع على عين زرقاء أشد قتلاً من هذه العين السوداء ، ويحاول أن يتكلم ولكنه يشغل بالتحدث إلي نفسه بتلك العبارة الموجزة السريعة : " وعينكم أيضاً تقتلني " ولكنه لا يطيل التحدث إلي نفسه خشية أن تكشف معلمته سريرة نفسه فيطمئنها ويهون عليها ، ويتصل الدرس بالدرس ، بعد أن اتصلت العين بالعين ، والروح بالروح لحظة أشبه بلمعان البرق في دياجير الظلمات . وتكمن هذه العبارة في نفس الأستاذ كما تكمن جميع الانفعالات في أعماق الأدباء المحدثين ، دون أن يجرؤوا على إظهارها أو التحدث بها ؛ إلي أن يكتب هذا المقال عن الشيخ الطهطاوي فيذكره حرف الـــــ U بحرف العين ، ونقلت منه عبارة غاية في القوة في الكشف عن أسارير النفوس ، وفضح أسرار القلوب .
وأعتقد أن الأستاذ لم يبرأ بيسر من سحر العينين وأظن ظنا يدنو من اليقين أنه بفعل تبتك العينين كتب ما كتب في الثقافة عن مخطوطة " سحر العيون " التي عثر عليها ، وهيأت له فرصة مواتية للتحدث عن العيون بلغة غيره من الأدباء . وإني موقن أنه لو تحدث بلغته هو لجاء حديثة آيه في الروعة ، لأنه يكون من الفرص القليلة التى يتحدث فيها أديب محدث عن أسرار القلب ، ولكن تلك الستائر التي تفرضها البيئه الحيية حالت دون الكشف عن مكنون القلوب وصادق الآحاسيس .
فمتى ياتري تمزق تلك الستائر ، ويبدو الأدباء لقرائهم بشراً ، فينبض أدبهم بالحياة ، كما نبضت بها عبارة الأستاذ حفظه الله ؟
( القدس )
