سأل قارئ غير طبيب : هل يجوز في بحث علمي التعرض إلى قضية اجتماعية عن دور الآنثي في الحياة ؟ كما سأل عن الدور الذي تلميه أنثي القمل في نقل عدوي التيفوس وغيرها وعن جواز إفحام حكم خاص في بحث " علمى عام ؟ وقد اجاب زميل ويبولوجى عن النواحي العلمية إجابة مستوفاة ومقدمة وأما ما ذكره مؤلف كتاب العدوي من ان الآنثي في جميع المخلوقات من الإنسان إلي أدنى الحيوانات تسبب أضرارا كثيرة وقلما تحل مصيبة ليس للانثي فيها نصيب الأسد ، فلا يقره على هذه المقولة علوم النفس والأخلاق والاجتماع ، وكرجل متوقر على علم النفس فسأبين لحضرة القارئ صاحب السؤال زيغ هذا الرأي :
لعل حضرة المؤلف فاتته المقولة القديمة بأن الرجل يحكمه رأسه والمرأة يحكمها قلبها ، ويقصد بذلك ان الرجل يقع تحت تأثير التعقل والمرأة تحت تأثير انفعالاتها ، لان العقل اصطلحوا على تقسيمه إلى جزء يحتوي على الرغبات وجزء ثان يحتوي على الانفعالات وثالث علي المعقولات ، فالأول يشترك فيه معنا الحيوان كالرغبة في الطعام ، والانفعال بعضه يشترك فيه معنا الحيوان كانفعال الغضب وبعضه يختص به الإنسان كانفعال مشاطرة الغير في الشعور والعطف والإحسان والتضحية لمصلحة الغير ، وكل هذه الانفعالات تثار بفهم حادث حصل بفعل عامل خارحي ، ولذلك يشملها الجزء الثالث من العقل أيضا أي أنها ليست بدائية .
ويتوقف جانب كبير من أخلاق الإنسان على تفوق انفعال دون الآخر فنصف إنسانا بأنه شرس أو سميج ثائر او ساكن مثلا ، ويفعل في هذه الانفعالات هرمونات
الغدد ذات المفرزات الداخلية ؛ ولعل هذا يفسر القول بأن المرأة يحكمها قلبها ، أى جزء من الجسم غير الأجزاء التي ينشأ عنها الرغبات والمعقولات .
وهذه الانفعالات تتغير من يوم لآخر ، وفي نفس اليوم يتفوق انفعال على الاخر وفقا للاحوال والظروف ، فقد ننفعل غاضبين من شئ في يوم ما بينها ترتاح له في يوم آخر ، وقد يكون ذلك بفعل الرغبات
وأما جزء المعقولات من العقل فهي أرقي الأجزاء جميعا وآخرها نشوءا ، وتشمل كل النفس ، وهي ذاتية وموضوعية ، ولا يشترك الحيوان في هذا الجزء إلا فيما يدرك بالحواس الخمس ، ويكفى رقيا لهذا الجزء انه موضع التفكير بكافة أنواعه ، من تفكير بسيط كعد أصابع اليد الواحدة إلي تفكير معقد كحل نظرية هندسية ، وفي هذا الجزء الذاكرة والتخيل والإرادة والحس الآدبي ) الضمير ( والتعقل ويشمل الأخير الحكم والاستنباط والاستنتاج والتجريد والتخصيص والتعميم وغيرها كالتقدير والتوجيه لهدف معين فإذا رجعنا إلى تاريخ العلاقة بين الذكر والأنثى منذ القدم لوجدنا أن المرأة كانت ملكا للرجل ولم يكن لها أي حق شخصي ، وكان الرجل صاحب السلطة المطلقة ، ولم يكن يسمح لها أن تلعب أي دور في المجتمع ، فهي لم تكن في حاجة إلي الجزء الثالث من العقل كحاجة الرجل إليه في داره وعمله ، ولم تكن لتشجع على تنميته إلا في إدارة منزلها والعناية برب المنزل وأطفالها ، بينما كانت تشجع على تنمية الجزء الانفعالي من العقل ، فكانت تقلق لتغيب زوجها أو ابنائها ، وتفرح أو تحزن لفرحهم أو حزنهم ، وتخشى الرجل وتخجل من التقصير في أداء واجبها نحوه .
ولكن هذه العلاقة بين الرجل والمرأة تطورت في العصور الأخيرة ، وتعمل الانثى لاستغلال جزء المعقول من عقلها كما يفعل الرجل ، وتطلب المساواة به في الدار وفي غير الدار غير أن الانفعال المستأصل في نفسيتها
والذي هي وريثته بتغلب في كثير من الأحوال والظروف ولاسيما الانفعال الموضوعي كانفعال التضحية لمصلحة الغير او انفعال المشاطرة في شعور الغير ؛ فهي مهما ارتقت لا يمكن ان تتخلى عن انفعالاتها ، ولذلك فهي متقلبة بدهية حتى لو وصلت لأرقي مراتب العرفان والعلم .
فالعالم الذي يبحث في دقائق العلوم ولا يكون ملما بعقلية المرأة التي عرفت بدراسة تاريخها وبالمشاهدات والاستقراء ، ليس له ان يطبق نتائج ابحاثه على الحيوانات الدنيا والحشرات على الإنسان ، ويقول إن الأنثي تسبب أضرارا كثيرة كما تسبب هذه الحيوانات والحشرات المظلومة أضرارا بالإنسان ؛ فالرجل والمرأة لانحرافات جسمانية وعقلية قد يكونان مصدر شر أو خير بقدر ما بهما من انحرافات ، سواء كان بسبب الوراثة او البيئة او علل
جسمانية ، بل المرأة اقدر على فعل الخير من الرجل لتفوق انفعال الاهتمام بشئون الغير فيها ! كثر منه
فالرجل الذي يعلم ذلك ويكون ملما به لا ينظر للآنثي كما ينظر للرجل ، لأنه لا ينتظر منها ما ينتظره منه ، كما لا تدهشه أفعالها المتنافضة او غير المفهومة ، بل ويتسامح معها ويمنحها بعض الامتيازات .
فمن هذا يري القارئ أنه ليس من المقبول أن يطبق العالم مشاهداته على حشرات ينقصها الانفعالات المقولة وينقصها التعقل ، على الإنسان ، مع تجاوزه من الفروق بين عقل المرأة وعقل الرجل والتجني عليها بأنها مصدر الشر والضرر ، فضلا عن انه فاته آثار الغدد ذات المفرزات الداخلية كالغدد الجنسية وغيرها من الغدد في الأخلاق فهل بحث ذلك كله فى القمل والماعز ! !
