سيدي الفاضل رئيس تحرير مجلة الثقافة الغراء . قرأت في كتاب طبع حديثا عن العدوي - بصدد الكلام عن طريقة نقل القمل لعدوي التيفوس - العبارات الآتية " ومن المشاهد أن الأنثى في القمل أكثر عدوي من الذكر ، وذلك لأن الجرثومة تتوالد فيها أكثر بكثير مما تتوالد في الذكر ، فقد يصل عدد الجراثيم فيها إلي أكثر من ثلاثة أمثال ما يصل إليه في الذكر - وأمثال ذلك في الأمراض كثير ، فأنثي البعوض فقط هي التي تنقل الملاريا والحمي الصفراء ، وانثى البهائم والماعز تنقل بألبانها حمي مالطه . وأنثى الآدميين تحمل ميكروبات الحميات المعوية أكثر بكثير مما يحملها الذكر ، ولا شك أن حامل هذه الميكروبات منبع عدوي هذه الأمراض ، والأنثى فقط هي التي تنقل مرض الهموفيليا إلي أنجالها الذكور دون الإناث ودون أن تصاب به هي هذا فضلا عما تنقله إلي الذكور من متاعب الحياة . فالآنثي في جميع المخلوقات من الإنسان إلي أدنى الحيوانات - تسبب أضرارا كثيرة وقلما تحل مصيبة ليس للأنثي فيها نصيب الأسد " .
وقد لاحظت ما في هذه العبارات من تجوز وإقحام لمسألة اجتماعية ، وهي التمرض لما تلعبه الانثي من دور في الحياة ، في بحث علمي اريد به ان يحمل طابع العلم ويكون من وسائل التثقيف ، فتخيرت ان استفتى العلم عن طريقكم فيما يأتي :
١ - هل هناك أساس صحيح للقول المطلق بأن أنثي القمل أكثر عدوي من الذكر للسبب الذي أوضحه حضرة الكاتب في بحثه بالنسبة لعدوي الملاريا والحمي الصفراء وحمي مالطه - وبالنسبة لانثي الادميين فيما يتعلق بميكروبات
الحمى المعوية ونقلها مرض الهيموفيليا إلي انجالها الذكور دون الأناث ؟ وهل يستتبع ذلك إذا صح ترتب النتيجة التي أشار إليها الكاتب كحكم عام ؟
٢ - هل يجوز في بحث علمي عام إقحام حكم خاص كما هو ظاهر من عبارات حضرة الكاتب في سلسلة القضايا العلمية التي ساقها كان الحكم الخاص جزء جزءا ، مما يحمل المطلع غير المتعمق في العلم على الاعتقاد بأن هذا الحكم الخاص قاعدة علمية مسلم بها ، وما هو نصيب هذا الحكم العام من الصحة في تطور العلم بأن الأنثى - في جميع المخلوقات ، من الإنسان إلي أدنى الحيوانات تسبب اضرار كثيرة ، وهل ما تنقله من متاعب الحياة إلي الذكور يعتبر نافيا لنقلها إلي الإناث .
٣ - هل يجوز في بحث علمى التعرض إلي قضية اجتماعية عن دور الأنثي في الحياة ، بأن ينسب إليها نقل متاعب الحياة للذكور أسوة مما تنقل من امراض اخرى ، وانه قلما تحل مصيبة ليس للأنثى فيها نصيب الأسد ، وإيراد هذه الاحكام كانها نتائج علمية ممحصة ؟ وهل هذا الجمع بين أحكام اجتماعية بحتة وقواعد علمية خالصة بغير الإشارة إلي حقيقة أصل كل منها يصح في الأسلوب العلمي ؟ افيدونا ولحضرتكم الشكر
اطلعت على ما كتبه حضرة القارئ غير الطبيب وبصفتي طبيبا وإخصائيا في علم الحياة استطيع ان اقرر ردا على أسئلته ما يأتي :
١ - لا يمكن علميا تعميم أن الأنثي إطلاقا تفوق الذكر كمصدر للعدوي بالأمراض المعدية المتعددة.
أما ما ذكره حضرة المؤلف في كتابه الذي أشار إليه حضرة القارئ وقد قراته كما قراه الكثيرون ، فهي امثلة محدودة ، وقد فات حضرة الكاتب ان الأنثي في بعض هذه
الأمثلة هي في الواقع ضحية المرض ، شأنها في ذلك شأن من يتلقي العدوي منها ؛ وهذا هو الحال في عدوي القمل والبعوض ؛ ففي أنثي القمل يوجد البيض والبويضات ، وهي غذاء سائغ للجراثيم لا تلقاه في احشاء الذكر الضامر اما أنثي البعوض فهي تنغذي على دماء الإنسان ، ولا يتغذي ذكر البعوض علي الدماء مطلقا وبما ان جراثيم المرض موجودة في دم الإنسان فلا سبيل لذكر البعوض لتلقي العدوي ، وبالتالي لا سبيل له لنقلها .
أما أنثى الماعز والمواشي التي تنقل حمي مالطه فالجراثيم في ألبانها ، وطبعا لا سبيل للذكر لنقل العدوي إذ لا ينتج لبنا
بقي أنثي الآدميين التي أراد الكاتب أن يصب علي رأسها كل المصائب ، فإن امعاءها أكثر تعرضا للميكروبات المعوية نظرا للتغيرات التي تحدث في جسمها إبان الحمل والولادة ، وهي في ذلك ضحية أكثر منها مصدر خطر واما أنها مصدر للعدوي فهو راجع إلي قيامها بالأعمال المنزلية وتحضير الطعام بصفة خاصة
٢ - أما السؤال الخاص بجواز إقحام حكم خاص - هو اجتماعيا اكثر منه علميا - في سلسلة قضايا علمية تعرض لها الكاتب بصفته إخصائيا في فرع من العلوم ، فهو غير مقبول ، إلا إذا كان المقصود منه الدعابة ليخفف من أثر جفاف الحقائق العلمية لقراء أكثرهم من الأدباء أو من غير المتخصصين في فروع العلم البحت
وفي الواقع يمكن القول بأن تعرض العلماء لإقحام المسائل غير العلمية في سلسلة قضايا علمية بحتة يكون له نتائج ضارة وبعيدة المدى ، لأن الشخص العادي قد يقبلها كقضية مقطوع في امرها من الوجهة العلمية التي لا تقبل التشكك وقد يبني عليها نتائج خطيرة وهاك بعض الأمثال مما يحضرني الآن :
ذكر العالم اليوت سميث الإخصائي في علم
التشريح والذي اشتغل في مدرسة الطب بالقاهرة زمنا عقب ثورة ١٩١٩ وقد كان في لندن - أن المصريين غير جديرين بالاستقلال ، لأن في تلافيف المخ عندهم أخدودا سماه الأخدود القمري لا يكون واضحا عند أي شعب من البشر وضوحه في المصريين ، ويشترك في ذلك بعض القردة العليا ، واستنتج من ذلك أن المصريين قوم بدائيون . وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة ، والتاريخ يثبت عكس ذلك ، ولا تدل مثل هذه المعالم التشريحية على انحطاط فمن المعلوم ان الشفاه الغليظة في بني الإنسان تظهر في الشعوب المتأخرة وتكاد تكون الشفاه الرقيقة وقفا على الشعوب الأكثر تقدما في المدنية ، ومع ذلك فالقردة العليا ذات شفاه رقيقة ، وعلي ذلك يجوز القول بأن الأخدود القمري قد يكون علامة رقي لا انحطاط . ولكن الأستاذ اليوت سميث ساق ذلك في سياق علمي ، وبنت عليه إحدي الصحف الاستعمارية البريطانية نتائج سياسية تقبلها كثير من البريطانيين كقضية مسلم بها
ب ذكر أحد الإخصائيين الانجليز في محاضرة في طب المناطق الحارة في لندن في غضون الثورة المصرية ان اكثر المصريين مصاب بالبلهارسيا ، وربما كان ذلك سببا في عدم نمو إدراكهم العقلي لدرجة بتبينون ما هو في صالحهم ، وقد ذكر ذلك ليلبسه ثوب الحقيقة العلمية التي لا تقبل الشك ، وقد حاجه بعض المصريين فاضطر أن يقول إن ذلك كان على سبيل الدعابة .
) ح ( القول بأن كثرة الشعر على الجسم دليل علي التأخر في المدنية الإنسانية هو قول غير مقبول . فالشعر كثيف في القردة العليا ، بينما بعض سكان أواسط أفريقيا ممن يعدون بمقاييس اخري علمية في الدرجات السفلي من سلم التطور تكاد تكون أجسامهم ملساء
٣ - أما عن السؤال الثالث وهو جواز التعرض لدور الأنثي في الحياة والقول بصفة قاطعة بأنها هي التي
تسبب المصائب لبني الانسان بصفة عامة ، فإني اعتقد ان هذا لا يجوز صدوره في مجال علمي ، إذ ليس له سند من الحقائق العلمية التي يجب ان يستند عليها أي مقال علمي أو شبه علمى
بل إني اعتقد أن صدور مثل هذا القول على مواهته في كتاب متداول بين أفراد الجمهور الذين يقبلون الآراء المطبوعة بدون تردد أو مناقشة ، قد يجر إلى اشكالات وخيمة ؛ فمثلا قد يستند زوج متبرم من زوجته فيقنع نفسه زورا وبهتانا ان طبيعة الآنثي من الوجهة العلمية هي مصدر شر ، فيساعد هذا على تكوين عقدة او مركب نفساني يعتقد فيه ، فتسوء الحال بدلا من تمهيد السبيل إلي إصلاح ذات البين ؛ وليس هذا مقصورا على زوج وزوجته ، بل قد يمتد إلي العلاقات في العائلات او العلاقات بين الجنسين
عامة ؛ ونحن في الشرق بل في العالم كله احوج ما نكون في هذه الظروف العصيبة إلي التعاون التام بين المرأة والرجل ، فلا محل لأن نسعي بتفرقة او سوء تفاهم او خلق جو من عدم الثقة بينهما
وإني أنتهز هذه الفرصة لشكر حضرة القارئ غير الطبيب لإثارته هذا الموضوع الشائق ، وأرجو ان يتناوله الكتاب والعلماء بصفة خاصة ، لانى أري ان واجب العالم يقضي عليه بالتحقيق والحرص التام عندما يخاطب الجمهور الذي لا يملك من المعلومات في علوم التخصص ما يمكنه من تمحيص ما يقرأه ونقده ؛ ولهذا أناشد كل عالم يتعرض لتبسيط قضايا العلم لخدمة الجمهور ان يتقي الله في كتابته وأسلوبه حتى لا يقحم في ثنايا القضايا العلمية مسائل هي موضع شك بدون تأصيلها وإبراز وجهات النظر فيها

