يعتقد بعض المؤرخين خطأ أن الإسكندر الأكبر هو ذو القرنين المذكور في القرآن الكريم. فنجد المقريزي والمسعودي يحاولان أن يثبتا أنه (هو)، وكذلك الأستاذ فريد وجدي في دائرة معارفه، وغيرهم كثيرون. ومنهم من يدعي أن سبب تسميته بذي القرنين أنه ملك قرني الدنيا، وأن له ضفيرتين، أو أنه شجاع كالكبش، وغير ذلك من الترهات التي لا يجوز أن يعتمد عليها المؤرخ. ويخيل إلي أن سبب خطئهم جميعاً هو عدم اطلاعهم على التوراة. فلو رجعنا إليها لعرفنا سبب هذه التسمية التي ألصقها المؤرخون خطأ بالإسكندر
ولكي نلم بالموضوع يحسن أن نتساءل: لماذا ذكر القرآن الكريم شيئاً عن ذي القرنين؟ وجواب ذلك سيوضح لنا كل شئ: سأل اليهود وكفار قريش النبي عليه الصلاة والسلام عن شخص لم يذكروا اسمه جاب الدنيا شرقاً وغرباً، وكان له ملك عظيم. ويقصد اليهود بذلك ذا القرنين المذكور في التوراة. فنزلت آيات القرآن الكريم عن ذي القرنين في سورة الكهف. وإليك رواية التوراة: رأى النبي دانيال علية السلام في المنام كبشاً ذا قرنين وفسره في التوراة بمملكة فارس التي لم تكن قد ظهرت بعد. ورأى كبشاً آخر ذا قرن واحد يهجم على هذا الكبش ذي القرنين ويقتله. وفسره في التوراة بملك من ملوك اليونان سيظهر في المستقبل ويقضي على دولة الفرس العظيمة. وعلى ذلك فالمقصود بذي القرنين دولة فارس العظيمة التي أسسها الملك كورش والتي تنتهي بالملك دارا الثالث الذي في عهده قضى الإسكندر على دولة الفرس. والمقصود بذي القرن الواحد الإسكندر الأكبر
ودولة فارس كانت عاصمتها سوس في جنوب غرب إيران. وكان الشعب الفارسي في الجنوب والميديون في الشمال. والقرنان إشارة إلى هذين الجنسين. والقرن الواحد إشارة إلى أن اليونان جنس واحد. وكانت دولة فارس تملك عدا بلادها التركستان في وسط آسيا، وبابل في حوض نهري الدجلة والفرات من الجنوب،
وآشور في شمال بلاد النهرين، وبلاد آسيا الصغرى، والمستعمرات اليونانية التي بها، وبلاد الفينيقيين بسورية، وأرض العبرانيين بفلسطين، ومصر. . . وعلى ذلك فالآيات القرآنية الكريمة التي جاءت في سورة الكهف هي في
الحقيقة تاريخ دولة برّمتها، والأعمال التي قام بها ملوكها. ومع ذلك إذا رجعنا إلى القرآن الكريم نجده يرفع ذا القرنين إلى مصاف المؤمنين، في حين أن الإسكندر الأكبر كان وثنياً يدّعي أنه ابن الإله آمون، وأوصى بأن يدفن بعد موته بمعبد آمون بسيوة. وكان متهتكاً يميل إلى الفجور وشرب الخمر وكان ذلك سبب وفاته. وكانت جثته تعبد بعد موته. فلا يعقل أن يكون هو ذا القرنين الذي يقول فيه القرآن الكريم: (قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذاباً نكرا. وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى) .والآية الكريمة التي تقول: (حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة) تنطبق على الملك كورش الذي أتجه غرباً وفتح بلاد الفينيقيين بسورية حتى بلغ البحر الأبيض المتوسط (فوجد الشمس تغرب فيه) .أما سد يأجوج ومأجوج فالذي أقامه هو الملك كورش أيضاً وهو الآن في موضع اسمه (دريند) ومعناها السد، وهو أثر سد قديم بين الجبال في بلاد التركستان في وسط آسيا. ويروى الرواة في تلك البلاد أنه كان خلف هذا المكان قديماً قبيلتان: إحداهما تسمى ياقوق والأخرى ماقوق. ولقد غار السد بفعل الزلازل. وهذا يفسر قوله تعالى: (فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء) . ومن نسل يأجوج ومأجوج كانت جيوش تيمورلنك وحفيده هولاكو الذين خربوا بغداد وأسقطوا الدولة العباسية.
من هذا نرى أن الإسكندر ليس ذا القرنين، وعلى ذلك ليس من العدل أن نلصق به هذا اللقب بالإكراه. وإذا كان ولابد أن نجعل له قروناً فلا مانع من تسميته بذي القرن الواحد.
