الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 560الرجوع إلى "الرسالة"

هل الموت مشكلة ؟

Share

من دأب الإنسان أن يتمرد على الوجود وخالقه ، كلما أعيته مشكلة من مشاكل الحياة المعقدة . ولعل من هذا القبيل  ما ساقه الأستاذ اسماعيل مظهر في الرسالة على لسان شيخه  عمران الذي استأثر القدر بابنه ( أسامة ) . أما المشكلة  التي تكمن من وراء ثورة هذا الشيخ على الحياة ، فهى مشكلة ( الموت ) ؛ والموت هو الحقيقة القاسية التي يتحطم على صخرتها  كل تفاؤل للانسان . ولكن الموت - مع ذلك - ليس هو  المشكلة التي يجب أن تستثير دهشة المرء ، وإنما المشكلة هي  ( الولادة ) : naissance . فكما يقول الفيلسوف سان مارتان Saint -Martin : ( لقد رأيت أن البشر يعجبون لأنهم يموتون ،  ولكنهم لا يعجبون مطلقاً لأنهم يولدون ؛ مع أن هذا هو في الواقع ما يستحق الدهشة والإعجاب ) (1)

وعلى الرغم من أن ( الموت ) كثيرا ما ينظر إليه باعتباره بغز الحياة المعقد ، إلا أنه فى الحقيقة الأمر ليس مشكلة تستبهم

على الباحث المتدبر . وقد فطن إلى ذلك ابن سينا فكتب رسالة سماها ( الشفاء من خوف الموت ) وفيها يحل مشكلة الموت بأن يقول : ( كل كائن لا محالة فاسد ، فمن أحب أن لا يفسد فقد  أحب أن لا يكون ، ومن أحب أن لا يكون فقد أحب فساد  نفسه ، وكأنه يحب أن يفسد ويحب أن لا يفسد ، ويحب أن يكون  ويحب أن لا يكون ، وهذا محال لا يخطر ببال عاقل . وأيضا فلو  جاز أن يبقى الإنسان لبقى من كان قبلنا ، ولو بقى الناس على ماهم  عليه من التناسل ولم يموتوا ، لما وسمتهم الأرض ، وأنت تتبين  ذلك مما نقول : قدر أن رجلاً واحداً ممن كان منذ أربعمائة سنة  موجود الآن ، وليكن من مشاهير الناس حتى يمكن أن تحصى  أولاده الموجودون ، كأمير المؤمنين على بن بي أطالب عليه السلام ،  - وله أولاده ولأولاده أولاد، وبقوا كذلك يتناسلون ولا يموت  منهم أحد ، ثم احسب مقدار من يجتمع منهم في وقتنا هذا ،  فإنك تجده أكثر من عشرة آلاف رجل . واحسب كل من  في ذلك العصر عائشاً على بسيط الأرض شرقها وغربها ، مثل  هذا الحساب ، فإنهم إذا تضاعفوا هذا التضاعف لم تضبطهم  كثرة ولم تحصهم عدداً ؛ ثم امسح بسيط الأرض فانه محدود  معروف المساحة ، لتعلم أن الأرض حينئذ لا تسعهم قياماً  ومتراصين ، فكيف قعوداً متصرفين ، ولا يبقى موضع العمارة  يفضل عنهم ، ولا مكان لزراعة ، ولا مسير لأحد ، ولا حركة  فضلاً عن غيرها ؛ وهذا في مدة يسيرة من الزمان فكيف إذا  امتد الزمان وتضاعف الناس على هذه النسبة . وهذه حالة من  يشتهى الحياة الأبدية وبكره الموت ويظن أن ذلك ممكن من الجهل  والغباوة . فإذا الحكمة الإلهية البالغة والعدل المبسوط بالتدبير المحكم هو الصواب الذي لا معدل عنه ، وهو غاية الجود الذى ليس وراءه غاية » ا هـ

فالموت إذن ليس مشكلة إلا إذا حكمنا عقلنا الفردى ؛  ولكننا إذا وسعنا أفق نظرنا ، فإننا نرى أن الموت ضرورة  تقتضيها سنة الحياة نفسها ، وإذا ارتضى الإنسان الحياة ،  فلا بد أن يرتضى الموت أيضاً ... وهكذا تتحول المشكلة من  مشكلة خاصة بالموت ، إلى مشكلة خاصة بالحياة ، وهنا يحق للمرء أن يتساءل : هل المشكلة الحياة من حل ؟ !

اشترك في نشرتنا البريدية