من دأب الإنسان أن يتمرد على الوجود وخالقه ، كلما أعيته مشكلة من مشاكل الحياة المعقدة . ولعل من هذا القبيل ما ساقه الأستاذ اسماعيل مظهر في الرسالة على لسان شيخه عمران الذي استأثر القدر بابنه ( أسامة ) . أما المشكلة التي تكمن من وراء ثورة هذا الشيخ على الحياة ، فهى مشكلة ( الموت ) ؛ والموت هو الحقيقة القاسية التي يتحطم على صخرتها كل تفاؤل للانسان . ولكن الموت - مع ذلك - ليس هو المشكلة التي يجب أن تستثير دهشة المرء ، وإنما المشكلة هي ( الولادة ) : naissance . فكما يقول الفيلسوف سان مارتان Saint -Martin : ( لقد رأيت أن البشر يعجبون لأنهم يموتون ، ولكنهم لا يعجبون مطلقاً لأنهم يولدون ؛ مع أن هذا هو في الواقع ما يستحق الدهشة والإعجاب ) (1)
وعلى الرغم من أن ( الموت ) كثيرا ما ينظر إليه باعتباره بغز الحياة المعقد ، إلا أنه فى الحقيقة الأمر ليس مشكلة تستبهم
على الباحث المتدبر . وقد فطن إلى ذلك ابن سينا فكتب رسالة سماها ( الشفاء من خوف الموت ) وفيها يحل مشكلة الموت بأن يقول : ( كل كائن لا محالة فاسد ، فمن أحب أن لا يفسد فقد أحب أن لا يكون ، ومن أحب أن لا يكون فقد أحب فساد نفسه ، وكأنه يحب أن يفسد ويحب أن لا يفسد ، ويحب أن يكون ويحب أن لا يكون ، وهذا محال لا يخطر ببال عاقل . وأيضا فلو جاز أن يبقى الإنسان لبقى من كان قبلنا ، ولو بقى الناس على ماهم عليه من التناسل ولم يموتوا ، لما وسمتهم الأرض ، وأنت تتبين ذلك مما نقول : قدر أن رجلاً واحداً ممن كان منذ أربعمائة سنة موجود الآن ، وليكن من مشاهير الناس حتى يمكن أن تحصى أولاده الموجودون ، كأمير المؤمنين على بن بي أطالب عليه السلام ، - وله أولاده ولأولاده أولاد، وبقوا كذلك يتناسلون ولا يموت منهم أحد ، ثم احسب مقدار من يجتمع منهم في وقتنا هذا ، فإنك تجده أكثر من عشرة آلاف رجل . واحسب كل من في ذلك العصر عائشاً على بسيط الأرض شرقها وغربها ، مثل هذا الحساب ، فإنهم إذا تضاعفوا هذا التضاعف لم تضبطهم كثرة ولم تحصهم عدداً ؛ ثم امسح بسيط الأرض فانه محدود معروف المساحة ، لتعلم أن الأرض حينئذ لا تسعهم قياماً ومتراصين ، فكيف قعوداً متصرفين ، ولا يبقى موضع العمارة يفضل عنهم ، ولا مكان لزراعة ، ولا مسير لأحد ، ولا حركة فضلاً عن غيرها ؛ وهذا في مدة يسيرة من الزمان فكيف إذا امتد الزمان وتضاعف الناس على هذه النسبة . وهذه حالة من يشتهى الحياة الأبدية وبكره الموت ويظن أن ذلك ممكن من الجهل والغباوة . فإذا الحكمة الإلهية البالغة والعدل المبسوط بالتدبير المحكم هو الصواب الذي لا معدل عنه ، وهو غاية الجود الذى ليس وراءه غاية » ا هـ
فالموت إذن ليس مشكلة إلا إذا حكمنا عقلنا الفردى ؛ ولكننا إذا وسعنا أفق نظرنا ، فإننا نرى أن الموت ضرورة تقتضيها سنة الحياة نفسها ، وإذا ارتضى الإنسان الحياة ، فلا بد أن يرتضى الموت أيضاً ... وهكذا تتحول المشكلة من مشكلة خاصة بالموت ، إلى مشكلة خاصة بالحياة ، وهنا يحق للمرء أن يتساءل : هل المشكلة الحياة من حل ؟ !

