الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 329 الرجوع إلى "الرسالة"

هل تستطيع اليابان أن تحكم الصين

Share

يلوح أن الضحايا العديدة التي فقدتها اليابان والأموال الطائلة  التي بذلتها في الحرب الصينية سنتين كاملتين، قد ذهبت كلها  أدراج الرياح. وقد تنقضي تلك الانتصارات المزعومة في هذه  الحرب الطاحنة دون أن تفيء على الأمة اليابانية ما تأمله من  الغنم. وذلك أن اليابانيين لم يرزقوا ذلك النوع من الدهاء السياسي  الذي يمكنهم من حكم البلاد بغير العنف والإضرار، مما لابد منه  لكل أمة تريد التوسع والاستعمار

وتدل الحالة في فورموسا وكوريا ومانشوكو على أن الاستعمار  الياباني لم يكن إلا نوعاً من الحرب المتواصلة التي يشقى بها الحاكم والمحكوم، وليس فيها أي دليل على الاستقرار والهدوء والتمكن  من الاستيلاء على ناصية الأمور

ولعل الميول العسكرية التي ساقت الجيش إلى  الانتصار بحكم الرغبة في السيطرة والقوة، هي نفسها  التي ذهبت بقيمة هذا الانتصار، فإن حكم الجيش  لتلك البلاد المقهورة هو الذي جعل اليابان عاجزة  عن توطيد مركزها بها

وقد أخذت اليابان تفكر تفكيراً جدياً في نبذ تلك الفكرة  التي كانت ترمي إلى فتح الصين والاستيلاء على جميع أراضيها، وتود  لو أتيح لها أن تعقد اتفاقاً مع الصين على أن تحكم الأقاليم الساحلية  وتترك لها داخلية البلاد. ولكن اتفاقاً كهذا ليس من شأنه أن  يوطد دعائم السلام بين الأمتين. فهو في الحقيقة سيكون بمثابة  هدنة مؤقتة، إذ أن المنطقة الحرة في الصين ستعبئ كل قواها  لإشعال نار الحرب من أجل الانتقام. وسوف تظل المؤامرات  السياسية والأعمال السرية الخطيرة تقلق بال اليابان

وكل ما ترجوه اليابان الآن أن تستطيع استغلال الأقاليم  التي استولت عليها جيوشها من الناحيتين الصناعية والاقتصادية،  فإذا استطاعت اليابان أن تصل إلى أغراضها، وأمكنها أن تمد  جيشها الذي يحتل تلك البلاد بما يرجوه من ثمرة انتصاره عليها،  لم يكن من الصعب عليها أن تنتهز الفرص للاستيلاء على مواطن  أخرى، أما إذا أعياها ذلك الأمر فإن الناحية الاقتصادية ولاشك  ستصبح كارثة على اليابان. وقد ظهر أن المقدرة على الاستقرار  وتسوية الأمور هي الشيء الذي ينقص اليابان في جميع المحاولات  التي قامت بها لبناء الإمبراطورية

مما لاشك أن اليابان قد كسبت الحرب من الناحية  الحربية. فقد استولت جيوشها بصفة نهائية على الشواطئ الصينية  وامتلكت كثيراً من المدن الصينية الكبرى

إلا أن السلطة اليابانية، ونفوذ حكومتها عليها يتعد المناطق  التي تحميها بنادق الجيش. ومازالت اليابان تلاقي أشد الصعوبات  في البلاد التي تتوغل فيها داخل بلاد الصين. فالصينيون يقطعون  عليهم خطوط المواصلات كلما تقدموا خطوة إلى الأمام ويهدمون  البلدان ويفسدون الأطعمة وكل ما ادخرته تلك البلاد من الخيرات ويقول الصينيون إنهم يضحون بالسكان لأجل الزمان؛  ويحسبون الأيام ويعدون الزمن لإيقاع الهزيمة بهؤلاء المغيرين.  فإذا فرضنا أن اليابان لم تهزم وقدرنا أن قوتها الحربية ستستمر  على إخضاع تلك البلاد، فليست اليابان بالأمة المؤهلة للاستعمار بالمعنى  المفهوم عند الأمم الأوربية فهو كما يظهر شيء بعيد عن أخلاق اليابانيين

اشترك في نشرتنا البريدية