كثيرون سيجيبون على هذا السؤال بالنفى ، ولكن الذين سيتألمون لذلك أقل من القليل ، وهم بعض أفراد الطبقة المثقفة ثقافة اجتماعية عالية ، ذلك لأنه وقر فى أذهان معظم الناس أن الغرض من وضع سياسة عامة للنسل فى مصر هو الرغبة فى منع التناسل كلية ، ومحاربة الطبيعة ، والقضاء على الجنس البشرى المسخر لنشر العمران . وبعبارة أوضح : الوقوف فى وجه إرادة الخالق القهار ! ! ويتجاوز ذلك الجهلاء من هذا الفريق إلى حد اتهام الداعمين إلى تلك الفكرة الاجتماعية الحديثة بالزندقة ، وخيانة الوطن ، والإغراق فى التشاؤم الذى يورث أصحابه الكفر ، ويزعزع كيان الشعب ؛ ولعمرى إنها كلها اتهامات باطلة ، ودعاوى مردودة ، كسيحة ، متخاذلة ، قصيرة النظر .
فالمقصود حقيقة من وضع سياسة عامة للنسل فى مصر هو رسم سياسة صالحة للسكان حتى لا يترك الأمر فوضى فى يد رجل الشارع المحدود الثقافة ، الذى قلما يتحسس موضع قدميه فى طريق الحياة الشافى ، المليء بالمجهول. ثم إن خطر تلك الفوضى النسلية لا يقتصر عليه وحده بل يتعداه إلى كيان الأمة بأسرها . وهل الأمة إلا مجموعة أفراد ؟ . فمشكلة النسل متصلة اتصال رحم ، أو نسب ، أو دم بالاقتصاد القومى ، وسياسة السكان ، ومعنوية الشعب ، وتماسكه العائلى ، ومستوياته الأخلاقية .
لنقف هنيهة نتأمل فيها شعبا كالشعب المصرى لا تعان فيه الطبقات القوية المنتجة على تكوين نسل صالح شهى الثمرات ، ويسمح فيه بالزواج والأنسال للمجرمين إجراما خطيرا ، والمصروعين صرعا وراثيا ، والمدمنين على الخمور إدمانا ذريعا ، والمعتوهين ، وضعاف العقول ، والمرضى بأمراض معدية مستعصية مستفحلة .
ويجب أن لا ننسى أن ثروة هذا الشعب ، وأساسها الملكية العقارية الزراعية ، لا تزداد بنسبة نموه المطرد .
وكان من نتائج هذه الفوضى الاجتماعية ما يأتي : ) ١ ( أحجمت عن الزواج والتناسل الطبقات المثقفة ، القوية ، المنتجة ، الراقية . وزاد تبعا لذلك نسل الطبقات الجاهلة ، الضعيفة ، الضئيلة الانتاج ، الاتكالية ، التى تلقى عبئها على المجتمع . ومن الغريب أن نسل هذه الفئة كالحصى كثرة وتفاهة ، أعجف لا يكاد يعرف كيف يحتفظ بحياته ، فضلا عن التكسب والكفاح .
وقد تمخض ذلك عن زيادة فى عدد السكان لا مثيل لها بين الشعوب الأخرى ، برغم ارتفاع نسبة الوفيات كما يتبين من الأرقام التالية :
الدولة ألمانيا فرنسا أمريكا مصر
نسبة المواليد ١٨,٤% ١٦,١% ١٥,٣% ٤٠,٤%
نسبة الوفيات ١٠,٩% ١٥,١ % ١٢ % ٢٦,٩%
نسبة الزيادة ٧,٥% ١ % ٣,٣% ١٣,٨%
) ٢ ( دل الاحصاء على أن عدد أفراد الأسرة المصرية بتراوح بين ١ و ٢٤ شخصا . وهو أمر يستوقف النظر حقا . ولنذكر الأرقام التالية على سبيل التوضيح :
أسر من ٥ أشخاص ٣٢٣٠٠٠ أسر بين ١١ و ١٦ ٢٩٠٠٠٠٠
أسر من ٦ ٢٧٠٠٠٠ أسر بين ١٧ و ٢٤ ٣٦٠٠٠
أسر من ٧ ١٩٨٠٠٠
) ٣ ( إن نمو الثروة القومية لا يتناسب مطلقا مع نمو السكان . فقد زادت الأراضى المنزرعة ( وهى عماد الثروة المصرية كما قلنا ) فى القرن الحالى بنسبة ٥ % فقط بينما زاد السكان بنسبة ٣٨ % . وقد أدى ذلك إلى هبوط
متوسط نصيب كل مصرى من أرض بلاده الصالحة للزراعة من ٢١ قيراطا إلى أقل من عشرة قراريط .
ومتوسط دخل الفرد قد أصابه بالطبع ما أصاب متوسط الملكية ، إذ تناقص بالتدريج فى السنوات ١٩٢١ ، ١٩٣٧،١٩٣٥ على النحو الآتى بالترتيب : ٢١ جنها ، ١٢ ، وأقل من ١٠ جنيهات .
وهذه الأنصبة التى نذكرها هى وهم وفرض لا حقيقة ولا واقع ، لأنها متوسط ما يصيب كل مصرى من أرض بلاده ودخلها الأهلى لو وزعا بالتساوى . إذ لو كانت حقيقة وواقعا لارتفعت حياة الملايين من مواطنينا المساكين عن مستوى السوائم وها هى الاحصاآت تؤكد ذلك ، فإنها تذكر ان ٨,٠٠٠,٠٠٠ نسمة ، بين رجل وامرأة وطفل ، لا يشتغلون شيئا ، ولا يعولون أنفسهم . وهناك ٣,٠٠٠,٠٠٠ شخص يزاولون العمل الزراعى ، ويلتصقون بأراضى كبار الملاك كأجراء .
وبهذه المناسبة نذكر أن رابطة الاصلاح الاجتماعى كانت عقدت مؤتمرا فى العام الماضى ، وخصصت يوما منه لاصلاح الأسرة جاء فى قراراته : (( إن ضآلة الدخل فى معظم الأسرات المصرية يؤدى إلى ضعف القدرة الاستهلاكية ، ويعوق نشاط الأمة الانتاجى ، ويساعد على انتشار المرض ، وكثرة الجرائم ، واضطراب حبل الأمن ، والثورات الاجتماعية ، ويهدد نظم الدولة . وإن أسباب هذا العامل يرجع أهمها إلى نمو عدد السكان نموا مطردا بدون أن تصاحبه زيادة مناسبة فى موارد الثروة . . . )) الخ
وليس من المنتظر أن تتقدم نهضتنا الصناعية والتجارية بخطوات أوسع وأسرع مما فعلت إلي اليوم ، بحيث تسد ذلك الفراغ الهائل المخيف الموجود فى بنائنا الاقتصادى . ويؤكد من لا يجهلون الأمور أن مصر أمة زراعية ، وستظل
حضارتها التالية زراعية إلى الأبد ، أو إلى مدى أبعد من حياة جيلنا وبضعة أجيال قادمة على الأقل .
وعلى ذلك تكون هذه الملايين من العاطلين والفقراء ، والمحرومين من مباهج الحياة وفرصها الكثيرة . . هذه الملايين من الأبرياء هى جناية الحكومة التى كان يجب عليها أن ترشد الشعب إلى الخطر الاجتماعى الذى يهدد مستقبله ، إذا استمر فى إغراق السوق الاجتماعية ببضاعته الكاسدة ! وهى أيضا جناية الآباء العاجزين عن الإنفاق على أنفسهم ، ومع ذلك أخرجوا إلى الوجود آلاف الأولاد الأبرياء الذين يطاردون الناس فى الطرقات والأمكنة العامة كالذباب ، ويطالبونهم بنصيبهم فى الحياة والويل للناس إذا لم يعطوهم هذا الحق الموهوم ! فهناك التشرد ، واضطراب حبل الأمن ، والمبادئ الهدامة ، والأمراض المعدية . ومن عجب أن كثيرا من الناس يدركون هذا الخطر ولا يتقونه متعطلين بخرافات موروثة ، أو معتمدين على عظات دينية لم توضع لتسخير قداستها فى مثل هذا العبث بنواميس الطبيعة والعمران ، فان السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة !
ولقد صارت الحياة اليوم أكثر تكاليف مما كانت قبل الحرب الماضية ، كما أضحت أغلى ثمنا ، وأثقل عبثا . وإذا قبل بحاجة الأمة إلى النسل الكثير في تجييش الجيوش ، والدفاع عن أرض الوطن المفدى ، فليكن فى حسابنا قبل كل شئ أن الجيوش القوية الظافرة لا تؤلف من جياع لا يأكلون ، وسقام لا يصحون ، وعجزة لا ينفرون إلى الحرب خفافا أو ثقالا. بل وما أغنى الوطن عن شبان مثقلين بالهموم والنوائب ، مهظين بالتكاليف .
) ٤ ( ومن أفجع أخطار الفوضى النسلية أيضا كثرة المجرمين بالوراثة ، والمدمنين على الخمور بالوراثة والمعتوهين ، والمصروعين ، وضعاف العقول ، والمجانين الذين صاروا
كذلك بالوراثة ؛ وما حياتهم فى الواقع إلا امتداد لحياة آبائهم ، ولسان حالهم يقول : (( هذا ما جناه أبى على وما جنيت على أحد ! ))
ومن المضحك المبكى أن حكومات مصرية متعددة اهتمت اهتماما زائدا عن الحد بتحسين نسل الكلاب والخيل والجاموس فى الوقت الذى لا يعطون أقل عناية للإنسان الذى هو أهم من الحيوان والعجماوات ، والذى يتوقف على نوع نسله مصير البلاد ، ومصير الحضارة ، ومصير العمران ! فيا لسخرية الأقدار ، ويا لمرارة المتناقضات ! .
وعلاجا لهذه الفوضى المتعددة الوجوه فعلت الدول الأوربية الأمور التالية :
"1" ميزت المتزوجين وذوى الأولاد فى الوظائف والعلاوات والترقيات ، وخففت كثيرا من أعبائهم ، حتى يتمكنوا من تنشئة جيل سليم قادر على الكفاح .
) ٢ ( فى بعض البلاد لا يسمح للشخص بالزواج إلا إذا كان قادرا على الإنفاق على أسرته .
) ٣ ( أنشئت جمعيات نسائية لإعطاء النصائح الخاصة بتنظيم النسل إلى النساء الفقيرات . وفى أمريكا وانجلترا عيادات معترف بها رسميا تدعى ((clinics Birth Control)) أى (( عيادات تنظيم النسل )) .
) ٤ ( أظهرت الحكومات الأفراد على أضرار الأمراض المعدية ، وتأثيرها الذريع فى النسل . وسخرت فى ذلك كل الوسائل الحديثة والصريحة .
) ٥ ( وأصدرت التشريعات الخاصة بتعقيم المجرمين الخطرين والمجانين والمصروعين وضعاف العقول ومن إليهم . وأشهر هذه التشريعات ما صدر فى ألمانيا سنة ١٩٣٣ ، وفى النرويج سنة ١٩٣٤ ، وفى فنلندا سنة ١٩٣٥ .
وهى كلها إجراآت اقتضها العاطفة الإنسانية فى أبرع صورها ، وأرحم وسائلها ، وأجدى أساليبها ، كما استلزمها الرقى الاجتماعى ، وحتمها العمران الحديث .
والدولة بعملها هذا قد تقدم مصلحة المجتمع على مصلحة الفرد أحيانا . على أنه مما يؤسف له كل الأسف أن الحكومات لاتتدخل إلا بعد أن تشيخ شعوبها ، ويدب الانحلال فى أوصالها ! .
والآن ها أنذا أسأل فعلى أظفر بجواب : ألا يخلق بمصر أن تتنبه إلى هذه الفوضى النسلية التى تعبث بكيانها وتلعب بمصيرها ، فتأخذ من الدول الأخرى ما ينفعها ويرحمها ، أم ستترك أمرها - دأبها دائما - نهبا مقسما بين الفوضى والرجعية ؟ .
ولكن حذار أن يفوت الوقت ، وأغلب الظن أنه فات أو كاد ! .

