الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 138 الرجوع إلى "الثقافة"

هل مات طلعت حرب ؟

Share

فى الساعة السادسة من صبيحة الأربعاء الفائت ، فى عزلة هادئة نائية قريبة من شاطىء البحر ، صحا طلعت حرب من مخدعه ، ومشى إلى مقعده ، فما كاد يستقر عليه ، حتى قال لخادمه :

- إننى متعب . . . وكانت الكلمة كبيرة منه ، غريبة عليه ، فان طلعت حرب لم يقلها فى حياته ، وهو الذى حمل الأمانة التى لم يحملها رجل قبله ، فما شكا منكباه ، ولا تأود ساعداه .

قالها ، وإذا بسبابته ترتفع شاهدة بأن لا إله إلا الله ، وأغفى فلم يصح ثانية ، وصعدت روحه إلى ربها راضية مرضية .

وترامى إلى النبأ ، فسرت إلى بيته ؛ وقال لى صاحبى ونحن داخلان :

- هذه آخر مرة تدخل فيها هذا البيت !        فنظرت إلى البناء الحزين ، الحافل بالتواريخ والذكريات . نظرت إليه أودعه بعينين غائمتين بالدموع ، وأسأله : أين ربه ، وابن سامره فى كل مساء ؟

ونظرت إلى الشرفة الحزينة ، فكأن لكل حجر منها لسانا يروى ، وقلبا يدعى ، وعينا تتفجر !

فى هذه الشرفة ، قضيت الشهور الخمسة الأخيرة مع طلعت حرب ، ألقاه فى الصباح الباكر هناك ، فنقضى أكثر اليوم حتى العصر ، ثم أودعه لألقاه فى الصباح التالى .

ولم يكن معنا ثالث فى أكثر الأيام . وكان طلعت حرب يطمئن إلى ، ويقول لى ما لا يقول لغيرى ؛ فمرت الشهور الخمسة وأنا أسمع منه وأصغى إليه ، وقلما أتكلم .

حدثنى عن كل شىء .       حدثنى عن حياته ، وليست حياته بالأمر الهين ، فانها حقبة الانتقال فى تاريخ مصر ، تدخل فيها الكثيرون من ملوك الشرق وأمرائه ، ومن زعمائه ورواد نهضته .

حدثنى عن قضية العرب وقضية الاسلام ، وعن قضية الاستقلال وقضية الدستور ، وعن قضية الأدب والاجتماع والاقتصاد والسياسة .

وحدثنى عن مصطفى كامل ومحمد فريد ، والأستاذ الامام ، وسعد زغلول ، وقاسم أمين ، وعمر لطفى ، وأحمد شوقى .

وأطلعنى على خبيئة نفسه ، وعلى أوراق وخطابات ووثائق وأنباء لم يعرفها أحد ، ولم يسمع بها أحد ، وهى للتاريخ ، لم يئن الأوان للحديث عنها بعد ؛ ولكنها جرت بأقدار كبيرة وأحداث جليلة فى تاريخ مصر والشرق .

وسيأتى يوم قريب أو بعيد ، تتاح فيه فرصة لكشف الحجاب عن هذه الأقدار والأحداث ؛ ويومئذ يعرف الناس أن الرجل الذى ننعاه اليوم إلى المشرقين ، ليس بالرجل الذى بنى بنك مصر ومؤسساته الخالدات فحسب . بل إنه الرجل الذى لعب أكبر دور وأكرم دور فى الحياة الاستقلالية لمصر والشرق .

إن الرجل الذى فقدته مصر يوم الأربعاء الفائت ، رجل متعدد الشخصيات ؛ وإذا كانت الظروف غير

المواتية قد حالت دون أن أحدث الناس عنه كزعيم سياسى ، فانى لتارك هذا إلى يوم أحسن من هذه الأيام ، وإنى لمحدثهم اليوم عن شخصياته الأخر فى إيجاز ، غير زعيم بانصافه الانصاف الذى هو أهل له :

الزعيم الأدبى :

بدأ طلعت حرب حياته أديبا يؤلف الكتب ويكتب للصحف ، ويحفظ الشعر ويرويه ، وكان جميل الأسلوب ، حلو الفكرة ، وقد عثرت بين مخطوطات المرحوم حفنى ناصف على مخطوطة عنواها (( ترجمة حياة حفنى ناصف بقلمه - كتبها بناء على رغبة السلطان حسين كامل ، ورفعها إلى عظمته فى مناسبة خاصة .

وفى هذه المخطوطة يقول حفنى ناصف : (( واشتغلت بتدريس الانشاء القضائى والإنشاء العام بمدرسة الحقوق ، فنبغ على يدى من تلاميذها الكثيرون ، ومنهم طلعت حرب و و و . . . . وغيرهم ممن لم تنجب مدرسة الحقوق أنبغ منهم فى الانشاء والتحرير )) .

وشغل طلعت حرب بالصحافة حينا ، فكانت له آثار صحفية وأدبية بارزة بجريدة (( الجريدة )) - إذ كان مراقبا لها - وبغيرها من صحف ذلك العصر ، ثم شغلته عن الأدب شواغل الاقتصاد . ولكنه بقى خلال حياته كلها شديد التأثر بحياة القلم الأولى ؛ وإنك لتلمح هذا جليا فى أسلوب تقارير بنك مصر ، وفى أحاديثه وبحوثه ومحاضراته الاقتصادية جميعا .

كنت أعرف عنه هذا وأنا فى ظله وهو فى بنك مصر ، فكنت إذا قدمت له مذكرة فى شأن من الشئون تأنقت فى اختيار عباراتها ، حتى إذا قدمتها إليه نظر إليها وجعل يقرؤها ، فاذا راقته عبارة راح يستعيدها مثنى

وثلاث وهو يبتسم ويقول : ((العبارة دى حلوة يا اخويا)) والنداء الأخير مأثور عنه .

ومن ثم كان حبه للأدباء والشعراء لا يقف عند حد ، ومن ثم كانت الصداقة بينه وبين المغفور له أمير الشعراء من الصداقات النادرة فى هذا الزمان .

وقد شاء أن تكون نهاية حياته عودا على يده ، فكانت هوايته منذ اعتزاله ميدان الاقتصاد ، مكتبته الفذة التى جمعت نفائس كل علم وفن ، وكانت لكتب الأدب فيها الغلبة والسيادة .

وقال لى قبل وفاته بأسابيع قليلة :        - يا فلان ، اتصل بالدكتور منصور فهمى بك ، وبأولاد حفنى ناصف ، واجمع ما يتيسر العثور عليه من مخطوطات حفنى ، لأن الرجل لم يقدر حق قدره فى هذا البلد ، وإنى لطابع أدبه وناشره على الناس .

وفعلت ، وبدأت بجمع شتات شعر حفنى ناصف ، ونسقته وقدمته إليه ، فكتب له مقدمة رائعة هى آخر ما كتب فى حياته ، ثم اختطفته يد الموت ، فعادت مخطوطات حفنى ناصف - مرة أخرى - إلى عالم الإهمال والنسيان .

الزعيم الاجتماعى :

أما زعامته الاجتماعية ، فقد عرف الناس الكثير من أمرها منذ قيام المرحوم قاسم أمين بحركته المعروفة لتحرير المرأة ونزع الحجاب .

وكان طلعت حرب لا يرى رأى قاسم أمين ، ولا يقره عليه ، فأخرج كتابين فى الرد عليه ، هما : (( تربية المرأة والحجاب )) و (( فصل الخطاب فى تحرير المرأة والحجاب )) .

وقد أخطأ الكثيرون فى فهم دعوة طلعت حرب ،

فظنوا أنه إنما يخالف قاسما فى كل شىء من أمر المرأة ، على حين أن طلعت حرب قد أيد قاسما فى نصف دعواه ، وخالفه فى النصف الآخر . أما الأول فهو تربية المرأة وتعليمها وتثقيفها ، وأما الثانى فهو تحريرها ، ونزع حجابها ، وخروجها إلى مجتمعات الرجال .

ولعل الأيام التى نجتازها قد جاءت بالحكم الصادق على دعوة كل من الرجلين ، بعد أن أصبح ينبوع موجة الإنحلال فى الأسرة المصرية خارجا من خروج المرأة من خدرها .

الزعيم الاقتصادى :

وأما زعامته الاقتصادية ، فما يجوز لى أن أحدث الناس عنها ، وقد رأوا بأعينهم ولمسوا بأيديهم آثارها فى مصر وما وراء مصر من شعوب تربطنا بها صلات الرحم أو اللغة أو الدين أو التجارة .

غير أن الذى أحب أن أنبه إليه ، أنه كان يسير فى إنشائه على سياسة ظاهرها إعزاز للاقتصاد القومى ، وباطنها إعزاز للعروبة والاسلام ، بتقريبه بين أمم الشرق ، ومحاولته استخلاص مرافقها لأبنائها دون الأجانب .

وقد جاءت فى هذا السبيل على يديه ثمرات طيبة ، واستحدث فى أثناء هذا المسعى أحداثا عاطرة ، منها جهده الكريم الذى كلله الله بالنجاح ، فى إعادة العلاقات الطبيبة بين المملكة المصرية والملكة العربية السعودية ، بعد أن سادها فتور سياسى طال وأمل .

فحديثنا عن طلعت حرب كزعيم اقتصادى ، يكون مكررا مستعادا ، وقل أن نأتى فيه بجديد ، ولكن الأمة التى شكرت صنيعه فى هذا الميدان أيام السلام ، ينبغى لها أن يكون تخليدها لذكراه أضعافا مضاعفة من ذلك الشكر ، بعد أن أظهرت أيام الحرب روعة صنيع هذا الرجل العبقرى .

وبعد ، فقد كنت أريد أن أحدث القراء عنه كرجل ، وكانسان ، وكصديق ، إذا أحب أحدا لم يشعره بأن بينهما فارقا ، على عظم الفارق !

كنت أحب أن أفعل هذا ، لولا أنه حديث طويل ، قد تسنح له فرصة أخرى .

هذا هو طلعت حرب ، الذى سرنا وراءه بالأمس إلى مستقره الأخير ، ليستريح طويلا كما يستريح القائد المنتصر عند نهاية المعركة .

فهل مات حقا ؟ هل لنا أن نحسبه فى عداد الأموات ؟ معاذ الله ، فلنتأمل ما صنعت يداه ، وما صنعت أيدى الأحياء . ولنقل أيهم الحى ، وأيهم الميت !

اشترك في نشرتنا البريدية