الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 306الرجوع إلى "الرسالة"

هل نحن مسوقون إلى الهمجية؟

Share

تتضارب الأفكار في العصر الحديث، فهو عصر تطورت فيه  شئون العالم، واختلفت فيه المبادئ المقررة إلى درجة لم يعهد لها  مثيل! كل ما فيه جديد يدعو إلى إطالة التفكير، فهل نحن  مسوقون مع هذا إلى تحقيق آمال الإنسانية في التقدم والرقي،  أم نحن مسوقون إلى الهمجية؟

والمقال التالي ملخص عن ذي أنديان ريفيو، التي تصدر  في مدارس بقلم أستاذ بجامعة الهند، وهو يبين وجهة من وجهات  النظر في هذا الموضوع: (إذا كان معنى المدينة تقدم العالم ورفاهته،  وتضحية الفرد في سبيل مصلحة المجموع؛ وإذا كان معنى المدينة  ضبط النفس وكبح جماحها، فيجب علينا أن نقول إننا منذ الحرب  العظمى نسير بخطى واسعة نحو الهمجية.

ففي مدى القرن التاسع عشر كانت آمالنا تمتد وتتسع، حتى  أصبحنا نعتقد أننا لسنا بعيدين عن عصر ذهني عظيم! فالعلوم  تسير بخطى كبيرة نحو التقدم، تاركة للإنسان السيطرة على قوى  الطبيعة المختلفة؛ والديمقراطية تنشر لواءها على سائر بلاد العالم  المتمدن؛ والرأي العام يحترم في كل مكان؛ والمثل العليا تقود  الإنسان نحو التقدم في سائر أنحاء الحياة.

ولقد جاءت الحرب العظمى بعد ذلك بقواها المدمرة، فشتتت  العائلات، وأزالت عن المرأة قناع العفة والحياء، ولم يكن أحد  ليفكر في هذه الحال إذ ذاك، لانصراف الأمم جميعها إلى أمر  واحد وهو كسب الحرب.

فبعد أن وضعت الحرب أوزارها أنشئت عصبة الأمم، فطرب  لها العالم وظن الناس أن العصر الذهبي المرموق قد ظهرت بشائره  تحمل معها الأمن والاخلاص، حيث يحل حكم العقل والعدالة  في كل مكان، وينصرف الخوف والجزع عن الأمم الضعيفة،  فتصبح في مأمن من اعتداء جاراتها القوية.

ولكن تلك الأماني لم تلبث أن تقشعت، وحل محلها ذلك  التفكك في عرى الروابط العائلية والوشائج الوطنية. وحلت  الإباحية محل العفة وضبط النفس، وذهب الإخلاص والطهر

من الرجل كما ذهبا عن المرأة، وحل محلهما الطمع  وإشباع الشهوات واختفت الرغبة في الزواج فراراً  من تحمل أعباء الزوجية.

إن هذا الانقياد للشرور وعدم الخضوع لقانون  العقل والعرف يدلان على أن الهمجية تهددنا  وتقترب منا يوماً عن يوم. ولقد ظهرت هذه الميول الوحشية في شؤوننا  السياسية. لقد كانت الأمة تخجل أن تهاجم أمة  أخرى قبل أن تمهد لذلك بأعذار يقبلها العقل، وكان  الرأي العام يحسب له حساب. ولكن القاعدة المتبعة الآن تخالف ذلك كل

المخالفة، فيكفي أن تكون الأمة راغبة في التوسع والرقي وتبوئ مكانها  تحت الشمس كما يقولون، لتعتدي على استقلال جاراتها.

لقد جاء زمن كان الواجب يقضي فيه على الأمة المحاربة أن تعلن  الأمة الأخرى بأن تستعد لمحاربتها، ولكن قد بطل كل ذلك  في ضمير الأمم الآن. والرأي أن تأخذ عدوك على غرة وتسلط  الهزيمة مباشرة عليه.

ولم يعد في عرف الأمم الحاضرة ضرورة لحماية الأطفال والنساء  من خطر الطيارات. وقد بطل العمل بالقوانين التي تمنع الاعتداء  على المستشفيات وأماكن التعليم والعبادة، وأملت الوحشية على  تلك القلوب المتحجرة أن الخسائر التي تحلها الطيارات بالنفوس  البشرية عمل من أعمال الإنسانية حيث تقضي عليها في أمد قصير! ولا يباح الآن للأمة الصغيرة أن تضع سياستها بنفسها،  ولكن الأمم القوية هي التي تضع لها السياسة التي تسير عليها،  فإذا رفضت أن تعمل تحت إمرتها كان رفضها كافياً لتدميرها.  ولقد فقدت ثقة كل أمة بمقاصد جاراتها فلا ثقة اليوم إلا بالتسليح. إن ما انتهت إليه حال عصبة الأمم، وما كان يوضع فيها من  الآمال والمبادئ السامية التي أصبحت أثراً بعد عين، لما يدعو  إلى الأسف الشديد.

ولقد رأينا كيف يقضي على حقوق الفرد ويعتدي على حرية  الرأي حتى أصبحت أسماء لا مسمى لها في بلاد كألمانيا وروسيا  وإيطاليا، واصبح كل نقد يوجه إلى هذه الحال يقابل بمنتهى الشك  وهكذا حيثما وجهنا النظر وجدنا المدينة تتدهور يوماً بعد  يوم والعالم المضطرب يسير وسط هذه الزعازع كسفينة بغير سكان،  يقودها ملاحون مخبولون نحو الهاوية التي ستدفعها إلى القاع.

اشترك في نشرتنا البريدية