(عن مجلة في vu الباريسية)
لا يستطيع الناظر المتأمل مهما أوتى من قوة الفراسة والمقدرة على تحليل النفوس واستنباط ما وراء الوجوه من المعانى والأفكار، إذا نظرإلى وجه الأمير عبد الله أمير شرق الأردن، أن يحكم لأول وهلة أن صاحب هذا الوجه، على الرغم مما يبدو عليه من الهدوء والاتزان، يحمل حملاً ثقيلاً منذ عشرين عاماً
فإذا جلست إليه ورأيته يمسح بكفه على لحيته الصغيرة المنسقة ويتكلم بصوته المهذب الرقيق، لا تصدق أن هذا الرجل بعيد عن الاستمتاع بالراحة
وإذا كانت الدودة الصغيرة تغادر أثراً ما على السنديانة العظيمة، فلا غرابة أن تترك المطامع البائدة، والأحلام الضائعة، أثرها العميق فى نفس الأمير
لقد كان الأمير عبد الله يحلم فى شبابه - وهو ابن شريف مكة فى ذلك الوقت - بحياة ذات مجد حربى عظيم؛ ولكنه خسر أول معركة قادها بجنود أبيه. وإذا كنت ممن يعرفون قوانين الصحراء غير المسطورة، أمكنك أن تعرف مقدار تأثير هذه الهزيمة
إن العرب قد يغتفرون للسارق؛ وقد يتسامحون مع الرجل الذي يقتل أباه، ولكنهم لا يغترون جريمة القائد المنهزم بحال من الأحوال
ومما يستحق الذكر أن الأمير عبد الله فى ثورة الصحراء، والحملة التى يقودها لورنس، لم يكن سوى ظل بسيط فى مجرى الحوادث على الرغم مما هو معروف عنه من الشجاعة والذكاء
وإذا كان قد حكم على الأمير بأن يحيا حياة مدنية وإخوانه يخوضون غمار الحروب، فقد وضع آماله فى شيء واحد وهو
عقيدته الثابتة بأنه إذا جد الجد وجاء يوم الانتصار سيدعى ولا محالة للجلوس على عرش من العروش التى تقسمها بريطانيا العظمى بعد زوال الإمبراطورية التركية
وما كادت الحرب تضع أوزارها حتى تولى والده الحسين ملك مكة والحجاز، وتولى أخوه الأكبر ملك جدة، وتولى فيصل أخوه الأصغر ملك سوريا ثم ملك العراق؛ وبقى عبد الله وحده بغير تاج حتى أتيحت له إمارة شرق الأردن بعد جهد شديد
وتبلغ مساحة شرق الأردن مقدار مساحة إيرلندا، ويبلغ سكانها ٣٠٠٠٠٠ نفس يعيش ثلثاهم معيشة الصحراء
وإذا كان قد انقضى عشرون عاماً منذ اتخذ الأمير ذلك الطريق المقفر نحو عمان بدً من دخول دمشق وبغداد دخول الفاتحين، فإنه لم يعلن أمنية واحدة من أمانيه التى كان يفكر فيها ولورنس يخترق الصحراء، وهو منذ عشرين عاماً يرى الطعم لملك فلسطين
وقد أدرك بذكائه وقوة استنتاجه أن العرب واليهود لا يمكن أن يتفقا، وأن هذين الشعبين لا يمكن أن يعيشا معيشة أمان وسلام، وأن بريطانيا لا تستطيع أن تجد حلاً لمشكلة فلسطين يتفق ومصلحة الإمبراطورية
وعلى الرغم من الانتظار الذي طالت مدته لم يزل الأمير مصراً على أمنيته العزيزة. وكثيراً ما حرضه أصدقاؤه وأقرباؤه على أن يعبر الأردن ببدوه، ولكنه كان على الدوام يأبى أن يستبق الحوادث. . .
وعقيدته أن الحالة في فلسطين كلما ازدادت تحرجاً كان ذلك فى مصلحته وأدعى إلى تحقيق أمانيه
وإذ كان الأمير قد استطاع أن يكبح جماح نفسه عشرين عاماً، فنحن نعتقد أنه لا يوجد واحد من المشتغلين بالسياسة
فى الشرق الأدنى يظن أن شخصاً فى حالة تقسيم فلسطين سيكون أولى منه بالجلوس على عرشها
ويقال إن هذه الولاية فى تلك الحال سوف تكون مرتبطة بشرق الأردن، وبارتباطها تجد بريطانيا حليفة قوية فى الشرق الأدنى. . .

