ذهبت لأشهد " هملت " على مسرح دار الأوبرا الملكية حيث قام بدور البطل الممثل المعروف " جون جيلجود ، وفي ذهني العبارة التالية : " إن مسرحية هملت بعيدة كل البعد عن ان تكون غرة شكسبير ، وهي من غير شك عمل فني فاشل (١) " . وقائل هذه العبارة ت . س اليوت وهو أكبر النقاد وأبعدهم صوتا في العالم الأنجلوسا كسوني . ومذ أسدل الستار غرقت في بحر من التأملات . . عجبا ! هل يمكن أن يخطئ النقاد كل هذا الخطأ ! ولم أنقطع عن التفكير لحظة فيما عسي أن يكون قد أوحي لهذا الناقد الكبير بمثل هذا الرأي وخلف في نفسه ذلك الأثر .
في سنة ١٩٢٣ كتب اليوت في مقال له عن " وظيفة النقد " يقول : " إن الفرق بين ما هو كلاسيكي وما هو رومانتيكي يبدو لي أنه الفرق بين الموحد والمجزأ ، بين الناضج والفج ، بين المرتب والمشوش " (٢) وقال في موضع آخر في " محاورة عن الشعر التمثيلى " على لسان إحدي شخصياته : " للوحدات جاذبية وسحر يؤثران في بلا انقطاع " وهو يتحدث بعد ذلك عن القوة والتركيز اللذين يساعد التزام هذه الوحدات الثلاث على تحقيقهما . ولكن يجب أن نقلب الصفحات لكي نعثر على ما يوضح لنا ملاحظته عن هملت إذ يقول : " كل ما أعرفه هو أن هناك شيئا بنقص شكسبير في مسرحياته ، وهي تترك في نفسى عند قراءتها شعورا بعدم الرضا والانزعاج . وإنني أعتقد أن هذا الشعور يستولي على كثير من قارئيها " (٣)
وفي الحقيقة لم تثر قصة مسرحية من المناقشات والتعليقات والتفسيرات كما آثارت " هملت " فقد كانت دائما صعبة المنال علي الأفهام ، وكان عليها أن تنتظر إلي أواخر القرن الثامن عشر حتى تجد بين النقاد من يستطيع أن يستخلص شيئا له قيمة من شخصية هملت . وقد وجد بينهم من أصدر نظريات مضحكة ، فزعم بعضهم أن هملت لم يكن غير امرأة متنكرة وقعت في غرام هوراشيو ، أو أن هملت شاب بلغ به الأمر من الخبث والدهاء أن اخترع قصة الشبح لكي يخلع عمه البري ، عن العرش . وتساءل أحدهم في حيرة عن السبب الذي جعل هذا الأمير الشاب لا يقضي في الحال على حياة مغتصب التاج . ثم عاد وأوضح الأمر بقوله : إنه لوفعل شكسبير ذلك لانتهت القصة قبل أن تبدأ .
فإذا تركنا هذه الآراء السخيفة جانبا ، فما هو الاعتراض الذي يمكن أن يوجه من ناحية النقد ؟ إن القصة تدور كلها حول دراسة شخصية هملت الفريدة ، فإذا أخرجناها من القصة فإنه لا يتبقى شيء . كما أن هذه الشخصية التي تجتذب وتسحر تبدو غامضة غير مفهومة . ولعل النقد الذي يوجه إليها بسبب غموضها وإبهامها ، هو نفسه السبب في ذلك السحر وتلك الجاذبية ، فهي صورة من الحياة . ألا تبدو الحياة في كثير من الأحيان غامضة وغير مفهومة ؟ ثم إننا لا نعجب بهملت لأنه سر مستغلق فقط يحار في فهمه العقل والمنطق - وإلا فإنه يكون من أيسر الأمور رسم شخصيات غير مفهومة . ولكن ما يثير إعجابنا ويمتلك حواسنا هو ذلك التناقض الظاهر في شخصه ، هو ذلك المزيج من القوة والضعف ، من سمو الإدراك والخيبة والشقاء اللذين قضى بهما عليه ، وتلك هي المأساة .
إن هملت يبدو لنا غامضا لأننا لا نبين سبب تردده الذي يتأتي منه شقاؤه ، فهو لو انتقم لأبيه ولنفسه لزال
سبب عذاب وحيرته . ولكن لماذا لم يأخذ بثأره في الحال بعد أن ألقي إليه الشيخ بذلك النبأ المحزن ؟ لقد رأينا " لا يرتس " يذهب إلى الملك في غير تردد يبغي محاسبته ، وكان الملك بريئا من دم أبيه ، فكل ما اقترفه من ذنب هو أنه لم يحاكم القاتل - أي هملت - وترك الجثة تدفن من غير احتفال . ولكن الملك ارتكب في شأن هملت أشنع وأقبح ما يرتكبه إنسان من جرائر : قتل أباه لكي يحظي بأمه وينعم بالتاج ، فهو قاتل وفاسق ومغتصب . وقد رأينا لايرتس أيضا ينجح في إثارة الشعب وتأليبه على الملك ، وقد كان هملت حرا بأن ينجح في ذلك ، وهو الذي يحبه الشعب ويحترمه ويجل ذكري أبيه . فهل كانت أمام هملت عقبات خارجية تحول بينه وبين الانتقام ، ولا سبيل إلي التغلب عليها ؟ ربما قيل إن الملك كان محاطا دائما برجال البلاط وكان حرسه السويسري يسهر عليه . ولكن هملت عثر عليه مرة وكان وحيدا راكعا على قدميه يصلي ، لا يستطيع دفاعا عن نفسه ونحن إذا صدقنا هملت في قوله إنه لم يرد أن يدع روح عدوه تصعد إلي السماء وهو بيتهل إلى الله مخافة أن تغفر له ذنوبه ، فإننا نعتقد أن هذا ليس كل ما في الأمر ، وأن هملت تذرع بهذه الحجة التي قدمها له القدر لكي يسوف في ساعة الحساب ... ذلك التسويف الذي كان سببا في كل ما وقع من بلايا : قتل لونيوس وموت أوفيليا وإعدام روزنكرائس وجولد نشتن ، ثم موت لابرتس وموت أم هملت وموته هو آخر الأمر .
كلا لم يكن هناك عامل خارجي ولم يشر هملت نفسه إلي شئ من ذلك . بل كان يؤكد دائما أن في وسعه أن ينفذ أمر الشبخ وأن لديه " الحافز والإرادة والقدرة والوسائل " . كان سبب التردد إذا داخليا . . . كان عاملا نفسيا . . . فما هو ؟ هل كان ضميره ، لا يستريح إلى ارتكاب جناية حتى ولو كانت لغسل آثار جناية سابقة ؟ هل كان يأنف من الثأر للدم بالدم ؟ كلا ، فإن هملت كان يردد دائما أنه " ينبغى "
أن يثأر لأبيه . وحتي عندما كان نهبة للشك ، فإن هذا الشك كان بشأن حقيقة الشبح ومقدار الصدق في قوله ، ولم يكن بشأن ما يقبض له أن يفعل إذا كان الشيخ صادقا ... أهو عامل الجبن والإشفاق ؟ لقد وجه إلي نفسه هذا السؤال ، ولكن هملت لم يكن بالجبان . . بل إنه أبدي في مواضع عدة شجاعة ظاهرة . . . فليس جبانا من اندفع صوب الشبح لدي ظهور ، لأول مرة أمامه بالرغم من تحذير رفاقه له ، فإذا حاولوا منعه من اتباعه خشية على حياته ، هددهم بالقتل . وليس جبانا من كان لا يخاطب الملك من غير أن يكون في كلامه إهانة له ، ولا يتحدث إلي يولونيوس - ومكانه لدي الملك ملحوظ - من غير أن يسخر منه . وليس جبانا كذلك من أشهر سبقه لدي سماعه صوت استغاثة خلف الستار في غرفة أمه وغرسه في صدر من صاح . وليس جبانا من قاتل القرصان أثناء الرحلة إلي انجلترا ، ومن صارع لا يرتيس في المقبرة ، ومن اندفع صوب الملك بعد المبارزة كالقدر المحتوم أو كالعاصفة ، وأغمد السيف في صدره وأرغمه على تجرع السم وهو يستغيث بحاشيته دون أن يحسر واحد منهم على التقدم لإنقاذه .
وليس جبانا أو خائرا من اختطف الكأس المسممة من يد هوراشيو وهو صريع يعاني سكرات الموت . . وأخيرا لم يكن عامل الشك في صدق الشبح هو السبب في التسويف ، فقد قضى مشهد التمثيل الذي هيأه هملت بكل مهارة على كل شك .
فإذا لم يكن ضميره يقف حائلا أمامه ، وإذا لم يكن الجبن هو الذي قصد به ، عن تنفيذ ما أراد ، وإذا كان يعتقد في عدالة قضيته ويثق في نفسه ، ولديه الوسائل لتحقيق غايته ، فما هو إذا ذلك العامل الخفي الذي جعله يتردد كل هذا التردد ويبطئ كل هذا الابطاء ؟ . قال بعض النقاد : إن " هملت " هي مأساة الفكر ، وإن سبب تباطؤ البطل هو التردد وإن سبب تردده هو اعتياده التفكير
والتحليل . فالفكر هو الذي " أضفى على عزيمته ذلك اللون الباهت ، كما يقول هملت نفسه ، ويؤيد شليجل هذه الفكرة بقوله إن هملت يضل في نية الفكر " .
ويري كوليردج كذلك أن ما لدي هملت من القدرة على التفكير يعادل ما لديه من كراهية للعمل . ومصدر هذه الكراهية هو نفس تلك القدرة . كذلك يقول بروفسور داودن : " إن كل شئ وكل حادث يتحول في نفس هملت إلي فكرة وهو يعزو ذلك إلي تربيته وثقافته اللذين لم تكونا مطبوعتين بالطابع العملي . فما مكان هذا الرأي من الصدق ؟ ليس من شك في أن شدة العزم تضيع هباء من كثرة التفكير ، وأن الأنهماك في التحليل والتقليب والتدقيق يشل الهمة - إلي حد ما - ويورث القمود عن العمل . قلت إلي حد ما ، لأننا إذا تأملنا سير كبار المفكرين والفلاسفة لوجدنا بينهم الكثيرين ممن كانوا ذوي همة قماء وذوي عزم وتصميم ، وأن كثرة التفكير والتحليل لم تمنعهم من القيام بجلائل الأمور . وليس من شك في أن تفكير هملت المستمر كان يشل حركته ، وأن الأعمال التي قام بها في غير تردد مثل قتله يولونيوس وقتله الملك ، وقعا مفاجأة ، وقد دفع إليهما دفعا بسبب طوارئ ثم تكن في الحسبان ، ولم يكن لديه وقت للتفكير فيهما . . . في حين أنه عندما وجد الملك وصلى استل حسامه ثم أخذ يحلل وقال مخاطبا نفسه :
إن الأمر يدعو إلي التفكير ، فكانت نتيجة التفكير والتحليل أن هبط الحسام من يده ولكنني لست أميل إلي الأخذ بالقول إن عادة التفكير والتأمل كانت السبب المباشر في تردده . وإنما أعتقد أنها لعبت دورا هاما في إيجاد حالة نفسية معينة كانت هي السبب الباشر في ذلك الجمود وذلك القعود من العمل . هذه الحالة النفسية المعينة هي ؟ يروي برادلي كآية عميقة وحزن شامل استوليا على نفسه وروحه . ونحن ندرك منذ أول كلمة في مناجاته
الأولى لنفسه أنه متعب من الحياة ، برم بها ، راغب في الوت ، ولا برده عنه غير عامل الدين وخوفه مما بعد الموت .
فما سبب ذلك ؟ موت أبيه ؟ إن موت الأب لا يجعل الإنسان مهما بلغت حساسيته - شقيا كل هذا الشقاء ، يكره نفسه ويلعن العالم ويشمئز من الوجود ومن الحياة ... ثم إن هذا السبب لا يمكن أن يكون فقده للتاج ، فهو لم يشر إلي ذلك مطلقا وكانت نفسه أكبر وأسمى من التفكير في ذلك الأمر ... ولكن السبب ، كما يعلنه هو تلك الصدمة العنيفة التى هزت أعماق نفسه وروحه وزعزعت أركان ثقته في كل شئ بسبب سلوك أمه ... أمه التى كان يحبها ويحترمها ويثق فيها ... أمه التي خانت عهد أبيه قبل أن ينقضي شهر على موته ، فرآها هملت في أحضان عمه وهو رجل كريه فاسق سكير يمقته ويحتقره ... " إن الوحش ليحزن أكثر مما حزنت " وهو لا يعتبر ذلك زواجا ولكن فسقا ، فهي لم تتزوج لأن خير المملكة يقضي بذلك ، ولم تتزوج بحافز حب قديم متأصل ، ولكنها تزوجت إرضاء لشهوة حسية . كان ذلك كثر مما يحتمل ...
كان امتحانا قاسيا لعواطفه ومشاعره ... كان جرحا بليغا أصاب روحه المعذبة . وقد تبدأت نظرته للحياة وللانسان ، وأصبحت كلمة " امرأة " مرادفة لكلمة " ضعيف متهافت " . وصار لايري أوفيليا بنفس العين التى كان يراها بها من قبل . وكان يكفي أن تقال أمامه كلمة " قصير الآجل " لكى يردد في الحال " كحب المرأة " وكانت آخر كلماته في مناجاته لنفسه : " ولكن لتتحطم يا قلبي فإنه يجب أن أمسك لساني " .. نعم يجب أن يتألم من غير أن يتكلم ، وأن يري الجريمة أمامه من غير أن يتحرك .
ولكنه لا يستطيع أن يمنع نفسه من التفكير . . فهو خيالي بطبعه ، والتفكير حياته ، وقد تسمم فكره ، وأخذ السم يسري في كل جارحة فيه . ولذا فهو يصيح : " هل يجب أن أذكر ؟ " ... " فلأ كف عن التفكير
في هذا الأمر " ... ولكن أنى له ذلك ! تلك الحالة النفسية هي التي جعلته يشعر بالتعب من الحياة والرغبة في الموت . وهذه هي اللحظة التى اختارها القدر القاسي لكي يطلق عليه الحقيقة الرعية من عقالها فتبدت له في كل بشاعتها : لقد قتل أبوه وزنت أمه وعليه أن يأخذ بالثأر .
هذه الكآبة هي المحور الذي تدور القصة حوله ، وعن التي توضح لنا كل شئ ... توضح لنا الغموض في شخصية هملت والتناقض الظاهر فيها : طيبته ونبله ورقة حاشيته وإرهاف حسه وكراهيته للشر وعاطفة الصداقة النبيلة لديه وعبادته لأبيه وازدراؤه اعمه السكير وأمه النقادة الشهوتها ، واحتقاره للنفاق والخداع والأدعاء . ومن ناحية أخري ظهوره بمظهر المجرد من العاطفة عند قتل أبي حبيبته وعند إرساله لرفاقه في المدرسة لحتفهم وهما بعيدان عن الجريمة التي ينبغى إنزال القصاص بمرتكبها ، وكذلك خشونته لأوفيليا وقسوته عليها وتوجيهه العبارات النابية لها في غير مبالاة أثناء مشهد التمثيل . ذلك التناقض بين نشاطه الذي يظهر في ترتيب مشهد التمثيل وإقدامه ومهارته في قلب الخطط التي دبرها الملك لإعدامه في انجلترا ، وبين جموده وخموله وقعوده عن العمل . ذلك التناقض بين حماسه لهذا العالم وإعجابه بالأرض والهواء والسماء وخصوصا بالإنسان ، تلك " القطمة الفنية " ، الإنسان بتفكيره الساعى وقدرته العظيمة ، المشابهة للآلهة في إدراكه وفي أفكاره التي تتجول خلال الأبدية " وبين نفوره من كل ما يتصل بهذا العالم وتعبه من الحياة وطموحه إلي الفناء .
هذا التناقض هو السر في ذلك السحر الذي يفيض من تلك الشخصية العجيبة المتناقضة ، إذ أن الحالة النفسية ما كانت لتؤثر فينا كل هذا التأثير ، لو لم يكن إلى جانبها تلك الحالة الفكرية الفلسفية التى أصيب بها هملت . فهذا التناقض بين عبقريته في التفكير وخيبته في العمل ، بين
مواهبه العالية التى كان ينبغي أن تكون من أسباب نجاحه فإذا هي نفسها سر فشله ، بين سمو أفكاره وبين ضعفه وخوره إزاء عمل بسيط لا يحتاج إلى جهد ، بين قوة الحافز وبين ذلك الجمور والتراخي . . ذلك التناقض بين لا نهائية الروح وبين الدائرة الضيقة المحدودة التي يحبس نفسه فيها ، وذلك الإحساس بالفضاء الذي لا سبيل إلى علم منه والذي يرسم حدود تلك الدائرة ويبدو في نفس الوقت ثمرة تلك اللانهائية . هذا هو ما يطبع القصة بطابع المأساة ، ويعطيها ذلك اللون القاتم المؤثر . . وهذا هو ما يخيفنا في هملت ، إذ أننا نجد فيه صورة المصير الشئوم الذي ينتهي إليه عباقرة الفكر حينما تعتد ظلال الكآبة إلى نفوسهم ، ويبرز الشك لهم . . . وهذا هو ما جعل اليوت يحس بذلك الإحساس من عدم الرضا والانزعاج لدي قراءة هملت .
