إن ما تسيطر عليه اللغة الفرنسية من بلاد العالم أو تملكه بوضع اليد ، يتجاوز حدود فرنسا السياسية ؛ ففي بلجيكا يتكلم اللغة الفرنسية ثلاثة ملايين ونصف مليون ، وهم سكان " والونيا " وفي سويسرا يتكلمها تسعمائة ألف .
وفي خارج حدود القارة الأوربية لا يقتصر التكلم بالفرنسية على سكان المستعمرات الفرنسية ، بل يتعداها إلي بعض الممتلكات الفرنسية السابقة . ففى كندا يبلغ عدد المتكلمين بها ثلاثة ملايين ، ثم تتلوها "هايتي " ( أو الجمهورية السوداء ) وفيها من الناطقين بالفرنسية مليون.
ويدور الحديث بالفرنسية في الجزيرة الأفريقية "Mauritius " وهي اليوم من أملاك الإنجليز . وإن كانت المحاولات تبذل لتحل الأنجليزية محلها في تلك الجزيرة .
وفي الولايات المتحدة الأمريكية اختفت اللغة الفرنسية من حوض المسيسيبى في منتصف القرن التاسع عشر . ولكن في "لويزيانا" لا تزال الفرنسية تجاهد في سبيل البقاء .
ودراسة مسألة انتشار اللغة الفرنسية عبر البحار لم تبدأ إلا منذ قليل ، فقد طبع في " كندا " قاموس للهجات العامية الفرنسية . وهو يهدينا إلى أن استعمار الفرنسيين لكندا قد بدأ في أواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر .
وكان المهاجرون الأولون قد جاءت كثرتهم من القسم الغربي من فرنسا ، وهذا ما يفسر لنا ما نراه في لغة " كندا " الفرنسية من كلمات عفى عليها الدهر في فرنسا ، ومن اصطلاحات أهل الريف الفرنسي وتعبيراتهم .
ولزنوج إفريقيا الذين يتكلمون الفرنسية لهجة خاصة هي مزيج من الفرنسية ومن اللهجات الأصلية لأولئك الأقوام ولا تزال اللهجات التي كانت سائدة في فرنسا إبان
القرنين السابع عشر والثامن عشر سائدة في " هايتي " وفي جزيرتي " موريشيوس " ومدغشقر " .
والمتتبع دراسة اللغة الفرنسية في تلك الجزر يري اختلافا في مخارج الحروف كحذف حرف الراء وكوضع بعض الحروف الساكنة مكان بعض ، كما يرى تبسيطا في نحو اللغة . وكما يرى اصطباغ مفردات اللغة بالصبغة المحلية .
والفرنسية التي يتكلمها الأقوام الوطنيون في المستعمرات الفرنسية في إفريقيا وفي الهند الصينية قد أسس بنيانها على لهجات المستعمرين ( بالكسر ) وإن كان التحسن قد ادخل عليها بفضل المدارس المنشاة هناك . وبفضل هجرة من هاجر من قوم تلك البلاد إلى فرنسا .
والمهاجرون من الفرنسيين إلى خارج فرنسا منتشرون انتشار قلة لا انتشار كثرة . فهم في الولايات المتحدة الأمريكية ١٥٠,٠٠٠ ، وهم في الأرجنتين ١٠٠,٠٠٠، وهم في بريطانيا العظمي ٢٠,٠٠٠ ويقل عددهم عن ذلك في أسبابا ، وفي المقاطعات الألمانية بسويسرا .
وهذه الجاليات ، والكثرة من أفرادها متعلمون . تعمل على نشر اللغة الفرنسية وعلى جعل الأقوام الذين ينزلون بينهم يتذوقون الثقافة الفرنسية .
وهجرة الفرنسيين إلى خارج بلادهم قد بدأت منذ زمن بعيد ؛ فالغزو النورمندي لانجلترا قد حمل اللغة الفرنسية معه عبر الخليج ، وذلك في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي . وجعل من الفرنسية اللغة اللغة الرسمية . واللغة التي تتكلمها طبقة الاستقراطيين في بلاد الانجليز . ولم تستطع اللغة الانجليزية أن تتغلب عليها أو تمحوها قبل القرن الرابع عشر .
وكذلك غزت اللغة الفرنسية منذ زمن مديد أقساما من البلاد الألمانية ومن البلاد البلجيكية .
ونحن نري في القرن الثالث عشر الكاتب الايطالي " برونيتو لاتينى " يكتب بالفرنسية كما نري من بعده واحدا من بني جنسه يكتب بها وهو الرحالة " ماركوبولو " .
وقد أدت الحروب الصلبية إلي إنتشار النفوذ الفرنسي في الشرق الأدنى . فقد ظلت أسرة فرنسية تحكم القسطنطينية نصف قرن من الزمان ( ١٢٠٤ - ١٢٦١) وحكمت أسرة فرنسية أخري البلاد السورية قرنين كاملين .كما حكمت أسرة ثالثة جزيرة قبرص ثلاثة قرون .
وفي إيطاليا تولت الحكم في نابولي وفي قسم من جزيرة صقلية أسرة نورماندية من القرن الحادي عشر إلي القرن الخامس عشر . بينما شمال إيطاليا كانت تحكمه أسرة "بيدمونت" وقد جاءت من " سافوي " واتخذت اللغة الفرنسية لغتها الوطنية .
وكان لحرب المائة سنة ( وهي مجموعة الحروب الطويلة التي ظلت ناشبة بين فرنسا وانجلترا والتي بدأت في عهد ادوارد الثالث عام ١٣٣٧ وانتهت في عهد هنري السادس عام ١٤٥٣ ) وما أدت إليه من انحطاط في الأدب . الآثر كل الآثر في تقلص ظل اللغة الفرنسية في كل مكان من القرن الرابع عشر إلى القرن السادس عشر .
ولكن اللغة الفرنسية بدأت مرة أخرى تسترد مكانتها العظمي . وبلغت الأوج قبيل الثورة الفرنسية . وذلك يوم أنشأت أكاديمية " برلين " مسابقة موضوعها : " الأسباب التي دعت إلى تعميم اللغة الفرنسية في العالم ".
ومن عظماء الأجانب الذين اتخذوا اللغة الفرنسية لغة لأفلامهم : الفيلسوف الألماني " لبنيز " ( ١٦٤٦-١٧١٦ ) والأمير شارل جوزيف دي لبني ( ١٧٣٥-١٨١٤ ) وكان قائدا بلجيكيا خدم في النمسا ، كما كان كاتبا ذكبا، والراهب جالياني ، وكان أدبيا كما كان عالما من علماء الاقتصاد ( ١٧٢٨-١٧٨٧ ) ثم " فريدريك الأكبر " ملك بروسيا ( ١٧١٢-١٧٨٦ ) وهو غني عن التعريف .
وقد غشيث اللغة الفرنسية غاشية من الاضمحلال في أعقاب الثورة الفرنسية ، ولكنها بقيت أثناء القرن التاسع عشر اللغة الثانية للأرستقراطيين في ممالك أوربا الوسطى وفي الروسيا وإيطاليا وحتي في تركيا . وكان للارسالات الدينية الفرنسية فضل نشر اللغة الفرنسية ومد رواقها في بلاد كثيرة .
ثم جاءت الحرب العظمي . وحطمت ثلاث امبراطويات ،
كما أودت بكثير من الممالك الصغري . وخربت ديار قوم أرستوقراطيين . فكان لكل هذا أثره في زعزعة سلطان اللغة الفرنسية .
وقد أعان على هذا ما أعقب تلك الحرب من نهضة الأم والشعوب وغيرتهم - بدافع الوطنية - على لسان قومهم .
ولكن يقابل هذا من جهة أخرى عناية الأمم الأنجلوسكسونية وأمم الشرق الأدنى بدراسة الفرنسية ،
وكثيرون من الكتاب الأجانب يستعملون اليوم ، أو كانوا يستعملون ، اللغة الفرنسية في كتاباتهم ، ومنهم " موريس مترنك " الكاتب البلحيكي ، ومنهم " دانونزيو " الكاتب والشاعر الإيطالي ، ومنهم الكاتب الروماني " باناني استراتي " والكاتبتان " أنا دى نواي " والآنسة " فاكاريسكو " ومنهم الكاتب اليوناني " جان مورياس " والكاتب الأمريكي " ستيوارت ميريل " .
وفي القرن السابع عشر حلت اللغة الفرنسية مكان اللاتينية كلمة للمعاهدات الدولية في أوربا ، وأولى المعاهدات التى كتبت بذلك اللغة معاهدة " راسنات " عام ١٧٤٠ .
بعد قرنين ، أي في عام ١٩١٩ كان على الفرنسيين أن يرضوا للغتهم أن تشاركها اللغة الإنجليزية ، وذلك في معاهدة " فرساي ".
وقد بدت اليوم حاجة الأقوام إلى الانفاق على لغة عالمية واحدة .
وبينما اللغات المصطنعة التي سبق أن خلقها الناس قد فشلت في تأدية الأغراض التي أنشئت لها ، فإن تدويل اللغات الكبرى قد بدأ يكسب المعركة سواء في المدى الجغرافي أو الاجتماعي . ولا تزال اللغة الفرنسية إلى اليوم تحتفظ بالمقام الثاني في الأوساط الأرسقراطية والدبلوماسية.
ويبدو أن النية سوف تتجه إلى الاتفاق على لغة واحدة لكل غرض من الأغراض . فتكون الإنجليزية اللغة الرسمية للاقتصاديات ، وتكون الألمانية اللغة الرسمية للمسائل الكيمائية ، والفرنسية للرياضات ، والإيطالية لمسائل الموسيقي .
واللغة الفرنسية وإن كانت لا تطمع أن تكون لها الزعامة والصدارة ، وهو ما يبدو اليوم مستحيلا ، فإنها سوف تحتفظ دائما بالمقام الراجح . .
( عن الإنجليزية )

