منذ مائة علم فى مثل هذا الشهر من اليوم السادس على الترجيح كان مولد الطفل جون هنرى بردريب، ولم يكن بعد (( هنرى إيرفنج ))
ولد فى سومرست، وقضى سنيه الأولى الباكرة فى كورنوول. وفى الحادية عشرة انتظم بإحدى مدارس التجارة بلندن وتركها بعد سنتين ليلتحق بأحد مكاتب المحاماة حيث كان من المأمول أن يكون كاتباً نابهاً. وبعد عامين آخرين (١٨٥٣) حدث له وهو فى الخامسة عشرة مثل ما حدث للممثلين العظيمين تالما وكين فظهرت دلالات ميوله إلى المسرح وقد أشبع هوايته بعض الشبع بتعرفه بعد عام إلى وليام
هوسيكنز الممثل الذى تلقى عليه هنرى أول دروسه فى التمثيل فيما بين الثامنة والتاسعة من صباح كل يوم قبل ذهابه إلى العمل.
ظل هنرى طوال مدة عمله بمكتب المحاماة نهبا موزعا بين وساوس أحلامه وزخارفها، بين جحيم المكتب ونعيم المسرح، فكان يجلس إلى مائدة الكتابة ينسخ الصحائف ويدون الأرقام..
ولكنه كثيراً ما كان يحس فجاءة بجمهور كبير من حوله، من الحسان، ومن الكبار، يتطلع إليه، ويصفق له، فيهيم فى أودية الخيال ويقفز من لباس إلى لباس، ومن مكان إلى مكان، ومن شخص إلى شخص، ومن عصر إلى عصر... ذلك نعيم المسرح (فترة راحة صغيرة) (أكتب هذا ثانية يا سيد برودريب لو تفضلت) (شخص أقبل ثم ذهب. سكون مخيم قابض)
وسرعان ما يهبط السيد برودريب من حالق. سرعان ما تتبخر الأحلام وتتجسم الحقائق، وتتكدس الأوراق أمامه، وتتراجع الكلمات الحلوة من فوق شفتيه لينطق بجملة واحدة مريرة... (هذا جحيم المكتب)
ولم يطل تردده بين نعيمه وجحيمه. فذات مساء فى أواخر يولية سنة ١٨٥٦ كان وليام هوسكينز جالساً أمام نار المدفأة مستغرقاً فى بعض شئونه، وإذا بطرق متواصل على بابه لم يدعه طويلاً رب الدار الذى أسرع نحو الباب، فإذا به يجد الطارق تلميذه هنرى، وقد بدا مشرق الوجوه بنور باهت هادئ أوضح ما يرى على وجه تخلص صاحبه من عذاب طويل.
علم الاستاذ أن تلميذه قد انتهى من الاختيار, وانه اختار القسم الذى ارنآه
وقد ودعه هوسكينز فى ذات الليلة بعد أن سلمه خطاباً فضه هنرى فى الطريق فطرب من كلمات الثناء التى قدمه بها معلمه إلى ا. د. دافيز بمسرح الليسام Ly ceum بسندرلاند. ولم يكن فى تقدير هوسيكنز أو هنرى أو دافيز أو أى أحد أن هذا الزائر الجديد سيصبح مدير الليسام وأحد قادة المسرح فى جميع العصور وفى ١٨ من سبتمبر عام ١٨٥٤ رفع الستار لأول مرة على هنرى كممثل محترف. وكانت كلمات المسرحية الأولى (إنا نبدأ المسعى) ... ولم تكن بداءة مشجعة لهنرى، فقد نصحه بعض الناقدين وقتئذ بمغادرة المدينة على أول باخرة فاستجاب إليهم، ولكن ليواصل جهاده فى أدنبره حيث قوبل فى أول الأمر بالصفير والهزء كممثل طريد، ولكنه سرعان ما نقض هذا الحكم، وسرعان ما أصبح نجم الليسام وأحب ممثل إلى الجماهير
ولقد مثل فى هذه الفترة ٤٢٩ دوراً مختلفاً في ٧٨٢ يوماً، وهذا رقم قياسى فى تاريخ كبار الممثلين. مثل فى جميع أنواع المأساة والملهاة: مثل الذئب فى Little Bo. peepوأوجور فى puss- in- Boots - وكاسيوفى othello وسيلفيو وأورلاندو فى As you like Et وسبعة أدوار مختلفة فى Hamlet وفى عام ١٨٧١ ظهر لأول مرة على الليسام بلندن وصار من ذلك الحين (هنري إيرفنج)
وقد عزى إلى إيرفنج أنه لم يكن يحفل باختيار ممثلين تتكافأ صفاتهم مع صفته ومكانته، حتى قال برنارد شو فى إحدى مقالاته فى النقد سنة ١٨٩٧: (إن المرء فى الليسام معرض للجنون فى الفترات التى يخلو المسرح فيها من هنرى إيرفنج وأليس بتري) غير أن هناك من ينتحل الأعذار لإيرفنج فى هذا الصدد لاشتغاله ممثلاً ومديراً ومخرجاً فى آن واحد؛ فلم يكن يستطيع فوق ذلك أن يتفرغ لشئون تلاميذه وممثليه. ومن هؤلاء المدافعين عن هذه النظرية Dame May whitty التى سافرت إلى هوليوود قريباً، وكانت فى صباها من ممثلى الليسام...
وعلى ذكر شو نقول إنه من الكتاب القليلين الذين اجترأوا على نقد إيرفنج؛ وكان أكثر ما يأخذه عليه مسخه لشكسبير وإهماله لإبسن. ففى شكسبير كان شو يعتقد أن الجماهير تذهب لمشاهدة إيرفنج لا من أجل الكاتب الإنجليزى الكبير. وأما مسرحيات إبسن فقد كان إيرفنج يتخلى عنها لألين بترى وجنفياف وارد فى الأدوار الرئيسية
ومهما قيل فى إيرفنج فليس هناك من ينكر فضله بين زعماء المسرح الخالدين
ولقد قدر أخيراً لجون هنرى برودريب ابن أحد فلاحى سومرست أن يلقى مضجعه الأخير فى وستمنستر آبى مقر عظماء الإنجليز باسم (سير هنري إيرفنج) وأن يكون الممثل الوحيد الذي يقام له تمثال فى لندن يحج إليه فى السادس من هذا الشهر كبار ممثلى إنجلترا يحيون أعظم رجل عرفه المسرح الإنجليزى

