مات هنرى برجسون منذ أيام بعد حياة دامت اثنين وثمانين عاما ، كانت كالصخور الشم النوانى ، تحطمت على جلاميدها الموجة النارية الجارفة التى طغت على أوربا حتى غمرتها فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر ، وفى هذا الجزء الذى انقضى من القرن العشرين ، فقد راع الناس ما رأوا من نتائج العلم فى هذا العصر الحديث ، فأكبروه إكبارا ومجدوه تمجيدا ، وتمسكوا بأهدافه وتعلقوا بأذياله ؛ ولما كان العلم قائما على العقل الخالص فقد آمنوا بهذا العقل ومكنوا له حتى صار لهم فيصلا فيما يصدقون وما ينكرون ، وويل للناس إذا ألقوا بزمامهم إلى العقل وحده ، فهو منته بهم إلى شك هادم لا نجاه لهم منه ولا خلاص ، إلا أن يتيح لهم الله من يأخذ بأيديهم مما أحاط بهم من شك قاتم مميت . . . وما أشبه الليلة بالبارحة ! فى عصر النهضة أنشأ بيكون وديكارت مذهبا
عقليا انتهى بالناس إلى عبادة العقل من دون الله ؛ فأدى بهم ذلك إلى شك كهذا الذى نراهعند هيوم وڤولتير ، شك تناول المادة والروح جميعا ، فكان أن قبض الله المفكر الانسانى ( كانت) الذى أخذ على نفسه أن ينقد العقل ويرده إلى حدوده المشروعة ، حتى لايطغى على ما ليس يصلح له فيفسده ؛ ولكن ما هى إلا دورة دارها الزمان حتى منتصف القرن التاسع عشر ، فنهض العقل من جديد ونهض فى إثره بالطبع مذهب مادى عماده دارون ، فانتهى تمسك الناس بالعقل وحده إلى موجة طاغية من شك وإلحاد ، فأتاح الله للانسانية فيلسوفنا برجسون يدعو الناس إلى الركون إلى قوة أخر آصل من العقل وأرسخ ، تلك هى اللقانة .
فبين مذاهب المعرفة ثلاثة لا تثق فى قدرة العقل على الوصول إلى حقيقة الوجود ، وهى مذاهب اللاأدرية ،
والذرائع ، واللقانه ؛ والفرق بينها هو أن اللاأدرية تيأس من بلوغ الحق فتقف مكتوفة اليدين لا تبحث لنفسها عن رأى فى الوجود ، ومذهب الرائح عنده أن لا مناص للإنسان من رأى فى الكون يعتنقه ، وما دام الحق المطلق مستحيلا عليه ، فخير له أن يختار لنفسه رأيا ينفعه ويعينه فى الحياة اليومية العملية . وأما مذهب اللقانة فيتخذ لنفسه موقفا آخر ، فعنده أن حقيقة الوجود ليست بمستعصية إلا على العقل ، وفى مستطاع الانسان أن يكشف عنها الستر بقوة أخرى طبعها الله فى فطرته ، ألا وهى الوجدان .
إن نفس الانسان مثلثة الجوانب : إدراك لحقيقة ما ، ووجدان يثور فى النفس نتيجة لما أدركت ، ثم نزوع إلى عمل يتفق وما شعرت من وجدان ، فالإنسان يدرك بعقله شيئا ، ثم يشعر نحوه بوجدان معين يدفعه إليه أو يمنعه عنه ، ثم يتصرف بناء على ما شعر ؛ ويرى مذهب اللقانة أن الوجدان هو الجانب الأصيل الذى تفرع عنه الجانبان الآخران على مر الزمان : وهما العقل الذى يدرك ، والارادة التى تعمل .
ونستطيع أن نتبين موضع الوجدان من العقل إذا قارنا بين لغة الانسان ولغة الحيوان ؛ فلأفراد الحيوان لغة هى صنوف من الأصوات والإشارات تستخدمها للتفاهم ، ولقد تبلغ هذه الاشارات الصوتية درجة بعيدة من الدقة فى أنواع الحيوان الجمى ، فهذه صيحة تعنى دنو الخطر ، وتلك صيحة معناها طلب القوت ، وهكذا ترى لكل مقطع صوتى يصيح به الحيوان معنى كاملا ، فيكون بمثابة الجملة التامة من لغة الانسان ؛ ذلك أن لغة الانسان قد أفردت صوتا - أى كلمة - لكل جزء من المعنى المطلوب ، وليست تدل الكلمة الواحدة فى معظم الحالات على شئ إلا إذا تعاونت مع طائفة من الكلمات ،
فيتكون منها جميعا معنى واحد ؛ لا بل إن هذا المعنى الواحد الذى يتكون - إن كان جملة خبرية - فهو لا يدل السامع على شئ مما يجب أن يعمله إزاء الموقف المخبر عنه ؛ فاذا قلت لصاحبك : إن بيت الجار قد شبت فيه النار ، فقد أخبرته بهذه الكلمات عن حادث وقع ، ولكنك لم تطلب إليه أن ينجز عملا ، ولذا تنشأ فى نفوس السامعين صور كثيرة لما ينبغى أن يعمل ، ومن هنا ينشأ الاختلاف بين الأفراد فى الحكم ؛ والأرجح أنك إذا صحت فى الجالسين : "النار ! " كان ذلك الصوت الواحد أكمل تعبيرا من الجملة الكاملة ، لأنه يوحى بعمل يلائم الظرف الطارئ .
فالفرق بين الحيوان والانسان فى اللغة ، هو أن الأول لا يعرف الجملة الخبرية ، وكل صوت فى لغته يحمل إدراكا وعملا ملائما لذلك الادراك فى وقت واحد ؟ فكأن اللغة عند الحيوان أداة توجيه للغرائز التى من شأنها أن تصون الحياة وتحفظ البقاء ، وبعبارة أخرى فان الكلمة عند الحيوان - أو الصيحة - فيها إعلان مما حدث فى البيئة وأمر بما يجب أن يتخذ إزاءه فى آن واحد ؟ ومعنى ذلك أن لغة الحيوان تعبر عن الوجدان وما يتضمن من شعبتيه : إدراك وعمل ، أى أن الوجدان فى الحيوان يظهر فى صورته الأصيلة ، لا تفرقة بين أجزائه : فهو وجدان وهو عقل وهو إرادة فى لحظة واحدة . وأما الانسان فتدل لغته على أن وحدة الوجدان فيه قد تفككت أواصرها ، فأصبح العقل شعبة مستقلة تدرك وكفى ، والإرادة شعبة أخرى ، وهو يحكم على البيئة بعقله لا بوجدانه ، مع أن الأصل فى الفطرة هو أن الوجدان مصدر تنبثق منه المعرفة ، ويستحيل أن يشعر كائن حى بوجدان لا يتضمن نوعا من المعرفة ؛ فمحال - مثلا - أن يثور فى الحيوان وجدان الخوف إلا إن أدرك
مصدرا للخوف ؛ فأينما نشأ فى النفس وجدان نشأ معه بالضرورة إدراك .
هذا الوجدان الذى هو مصدر المعرفة ، يشترك فيه الانسان والحيوان ، بل إن الحيوان كثيرا ما يفوق الانسان فى إدراك البيئة بوجدانه الغريزى ، فيعلم من أين يأتي الخطر ومن أين يظفر بالقوت . . . فهل يمكن لمثل هذا الوجدان الذى يعين الحيوان على فهم ما يحيط به فهما يساعده على حفظ بقائه ، أن يهذب فى الانسان بحيث يصبح أداة صالحة لتحصيل المعرفة ؟ ولسنا نريد أن يستبدل الانسان الوجدان بالعقل فيلغى هذا العقل إلغاء ، فليحتفظ بعقله ليتخذ منه وسيلة للتحليل والاختراع ، على أن يضيف إليه هذه القوة الأصيلة فى النفس التى من شأنها أن تفهم الوجود بصفة عامة ، فيستعين بها على معرفة ما استغلق على العقل أن يعرفه من أسرار الوجود . . . ذلك ما يدعو إليه مذهب اللقانة .
ولئن كان هذا المذهب قديما فى تاريخ الفكر ، إلا أنه لم يملأ الإسماع ويستوقف الأنظار إلا بفضل هذا الفيلسوف الفرنسى العظيم الذى نعته الأنباء منذ حين ، فقد حفزه الطموح حين كان يطلب العلم فى مدرسة المعلمين العليا بباريس أن يظفر بفهم دقيق للأساس الذى يقوم عليه علم الطبيعة ، وسرعان ما اهتدى إلى فكرة هى من فلسفته قطب الرحى ، إذ أدرك أن ( الزمان ) الذى يفهمه علماء الطبيعة حين يصوغون حقائق علمهم ليس يصور الزمان الحقيقى كما هو فى الواقع ، لأنهم يرون الكون بعقولهم ، مع أن " الزمان " بمعناه الحقيقى فوق مقدور العقل أن يدركه ؛ وإنما وسيلة معرفته هى إدراكنا لمجرى الخواطر فى بواطن نفوسنا إدراكا مباشرا ، وهذا الإدراك المباشر هو ما نسميه اللقانة .
وما قيمة هذه الفكرة حتى يجوز لنا أن نقول إنها
من فلسفته فى الصميم واللباب ؟ قيمتها الكبرى هى أننا لو سلطنا العقل وحده على السكون ليفهمه أو على نفس الانسان ليدركها ، فإنه لن يدرك من ذلك ولا من هذه إلا صورا متعاقبة بعضها يجئ فى إثر بعض ، إنه سيدرك صورة الكون فى هذه اللحظة ، ثم صورته فى اللحظة التى تليها ، ثم صورة ثالثة فى التى تليها ، وهكذا ، وهو يظن بعد هذا أن حقيقة الوجود تتألف من مجموع هذه الصور ، وهو فى ذلك مخطئ أفحش الخطأ ، إذ أفلت منه جزء من الحقيقة فسوء إدراكه كله ، فقد فاته أن هذه الأجزاء المفككة التى أدركها لا تكون حقيقة الوجود إلا إن ارتبطت فى سلسلة واحدة متصلة الحلقات ، هى ما نسميه بالزمان . إن العقل إذا أراد أن يفهم نفس الانسان بتجزئتها إلى أسباب ومسببات فهو لا محالة فاشل ، لأن الحالات النفسية لا يتبع بعضها بعضا كما يتبع المسبب سببه ، بل إنها لتمتد كلها مع الزمان ، فتحمل ماضيها معها فى حاضرها ، ثم هى تضيف هذا الحاضر إلى الماضى ، على أنه إضافة لما سبق لما مملوله الناشئ عنه ، كما تدحرج كرة على الثلج ، فتظل تحمل ثلجا جديدا كلما أمعنت فى السير ؛ فالنفس تكبر بالحادثات كلما امتد بقاؤها دون أن يتساقط منها ما علق بها فى الزمان الماضى ، فليست حياة الذات إذا سلسلة من حالات متتابعات ، بل هى شريط موصول لا تفكك بين أجزائه ؛ ولما كان العقل من شأنه أن يرى الحالات المتقطعة ، كلا على حدة ، وليس فى مكنته أن يرى الحقيقة المتصلة ، فهو لا يصلح أداة لمعرفة الذات ، ولا لمعرفة الزمان ، لأن كليهما لا يمكن تجزئته إلى حلقات ؛ فعبثا تحاول أن تفهم الكائنات الحية والكائنات المتغيرة إلا إن ركنت فى ذلك إلى اللقانة دون العقل ؛ وإلا فحدثنى كيف يمكن أن تفهم الشجرة مثلا بالعقل وحده . سينبئك العقل بفروعها وأوراقها وجذورها ، ولكن هل
تتكون الشجرة من هذه الأشياء مجتمعة وكفى ؟ كلا . إن الشجرة هى هذه الأجزاء كلها مضافا إليها عنصر آخر ، هو الحياة ، هو الاستمرار الزمنى لهذه الأجزاء فى وحدة ، فأين ترى ذلك والعين لا تبصره والأيدى لا تمسه ؟ تراه بالبصيرة لا بالبصر ، وتلك هى اللقانة التى يريدنا برجسون أن نفهم بها حقيقة الوجود ، لأن الوجود فى مجموعه كائن واحد متصل ، له مركز ينبض بالحياة ، ويبعث الحياة فى أطرافه جميعا . ولا تقل : أين هو فلست أراه ، لأنك إن قلت ذلك أخطأت كما يخطئ الآخذون بالمذهب العقلى ، فهو موجود ولكنك تدركه ببداهة الفطرة ، ولا نراه بالحواس والعقل . . . كلا ، لا تركن إلى العقل إن أردت فهم الوجود وما فى الوجود من الأحياء والأشياء المتغيرة ؛ فعقلك يصور لك الأشياء ساكنة ميتة ، وما هى بميتة ولا ساكنة ، بل هى تنبض بالحياة والحركة . سائل عقلك : مامعنى ( شجرة ) ؟ يجيبك جوابا واحدا لا يتغير ، كأنما الشجرة شئ جامد على صورة واحدة ، مع أنها تنمو وتذبل وتزهر وتذوى ؛ أفليس معنى ذلك أن الصورة العقلية للشجرة - وهى صورة ثابتة إلى آخر الدهر - لا تصور الحق تصويرا صحيحا ؟
لابد إذا للإنسان من القوتين معا ، حتى يكون علمه عن الوجود علما كاملا : العقل ليحلل ، واللقانة لتدرك حقيقة الشئ فى مجموعه ؛ بالعقل نعرف من الكون مادته ، وباللقانة نعرف منه ما هو حياة وروح . باللقانة ندرك وجود الشئ ، وبالعقل نحدد مم يتكون . باللقانة ندرك الشئ فى ذاته ولذاته ، وبالعقل ندركه فى علاقاته التى تربطه بسائر الأشياء . العقل قادر على فهم الحقائق الساكنة فيضع لها القوانين الثابتة أما الحياة وهى داعمة الحركة دائمة التحول - فليس فى مقدور العقل أن يدرك كنهها ، لأنها تسير فى الزمان سيرا دائما دائبا ،
وتضيف إلى نفسها فى كل لحظة جزءا جديدا ، لأن كل لحظة زمنية فيها الماضى كله مضافا إليه هذه اللحظة الجديدة ؛ فان أراد العقل أن يفهم الحياة أفلتت منه هذه الإضافات التى تستجد فى كل لحظة ؛ ولو كان العقل قادرا على فهم الحقيقة كلها لكان معنى ذلك أن الحقيقة بدأت كاملة منذ الأزل ؛ وليس الأمر كذلك فى الحياة ، لأنها تزداد تضخما وترتفع تقدما على مر الزمان ، وهيهات للعقل أن يفهم حياة تنمو وتترقى .
أفيكون معنى هذا أن الحياة من الحقائق المستغلقة على إدراك الانسان ، فلا ينبغى أن ينفق فى فهمها مجهودا ولا نصبا ؟ هل كتب على الانسان ألا يفهم معنى الحياة فى صميمها ما دام العقل عاجزا عن فهمها ؟ هل كتب عليه ألا يرى الحياة الكونية إلا فى صورها القائمة أمام الحواس ، فلا يكشف عن سرها المكنون الذى لا يفتأ يدفعها إلى اتخاذ صور جديدة ؟ ألا يتاح للانسان أن يدخل إلى الحياة فى محرابها ليراها على حقيقتها ؟ . . . لو كان العقل هو أداة المعرفة ولا أداة سواه ، فان سر الحياة سيظل خافيا عن البشر إلى أبد الآبدين ، ولكن الحياة التى ترفض أن تكشف عن سرها إلى ذكاء العقل ، تسفر عن وجهها لملكة أخرى من ملكات الانسان ، وهى ملكة خافتة ضئيلة ، وفى مستطاع الانسان أن يتعهدها بالنمو كما يتعهد العقل ويرعاه ، وتلك هى قوة اللقانة التى تنعم العقل فى معرفة الوجود ؛ والإنسانية الكاملة هى التى يتطور فيها الذكاء واللقانة معا ، لأن الذكاء إذ يتقدم يصبح قادرا على فهم البيئة المادية فيوضحها لنا توضيحا جليا بحيث نهيئ أنفسنا للعيش فيها عيشة راضية ، واللقانة إذ تترقى تلقى ضوءا على حياة الانسان وحريته وأصله ومصيره

