إلى المحاماة، فى شخص المحامى الأول، والنقيب الأول، إبراهيم الهلباوى بك
فى ١٣ مايو الماضى مات هنرى روبير نقيب المحامين فى باريس وعضو الأكاديمية، ووقف لتأبينه النقيب (دى مورو جيافرى) فقال: " إن المحاماة قد فقدت اليوم أكبر رجل رفع من شأنها منذ عهد برييه " . وهى عبارة تعطيك أبلغ فكرة عن مكانة هنرى روبير فى التاريخ؛ فلعل (برييه) أكبر رجال المحاماة فى التاريخ الفرنسى؛ هو الذى حمل لواء الدفاع عن "لامنيه" ، وعن" شاتو بريان" ضد لويس فيليب عندما هتف قائلاً للدوقة " دي برِّي" : سيدتى، إن ابنك هو الملك. وكان لويس فيليب يومئذ هو الملك! ثم ترافع عن البرنس لويس نابليون عندما طلب إعدامه فأنقذه دفاع "برييه" ليصير بعد سنين جلالة الأمبراطور، وهو الذى كان يدافع عن المتهم فى إحدى جنايات القتل فأخذ محامى المدعى المدنى " النقيب كرسون " يحذر القضاة من عبقرية الدفاع الذى سيسمعونه من فخر التاريخ القضائى فى فرنسا. فإذا جاء هنرى روبير بعد هذا الرجل الخالد دون أن يقف أمامه ش دستايج أو ليون ديفال أو جول فافر أو روس أو "ألو" أو محامى مدام لافارج الذى كان يقول عن نفسه: "أنا الدفاع " صديق الإمبراطور الشخصى أعنى "لاشو" ؛ ثم باربو؛ ثم لابورى، لابورى الهائل، الذى نفذ رصاص الحمقى إلى جسده ولم ينفذ الرعب إلى قلبه، فطلب تأجيل قضية إميل زولا حتى يبرح المستشفى ليترافع ضد الجيش وحزب الجيش ومنهم مطلق الرصاص؛ لابورى الذى قال عنه هنرى روبير وهو يلقى الكلام فى تأبينه: "قوة من قوى الطبيعة ومارد فى موقف الدفاع " ؛ ثم دى بوى أستاذ بوانكاريه؛ والرئيس أو النقيب بوانكاريه نفسه، محامى جونكور وجائزة جونكور ووصية جونكور؛ والرئيس فيفيانى أو البلاغة كما كان يسميه بنو العصر ؛ وشتى " أفضلنا " كما كان يقول هنرى روبير ؛ و والدك روسو ؛ والنقيب
" بوتو" حفيد النقيبين أو قل وزيرى الحقانية بويو وباروش. . كل أولئك لا يراهم جيافرى قد أعلوا من شأن المحاماة مثلما أعلى من شأنها هنرى روبير. . .
وفى الحق أن هنرى روبير قد بلغ ذلك الأوج لظروف خاصة؛ فهو قد ظل ربع قرن كامل محامى فرنسا الأول، حتى ليكاد المرء يخاله قد وصف نفسه عندما وصف فيكتور هوجو بأنه استوى على عرش الأدب نصف قرن كأنه نصف إله؛ وفرنسا أمة محامين تحكمها حكومة محامين. وكان هنرى روبير "نقيب الحرب " كما كانوا يقولون إذ ظل نقيباً لمدة أربع سنوات دون أن يعاد الانتخاب؛ فالمحامون كانوا جميعاً فى الخنادق، ولم يكن لذلك بد من تأجيل الانتخابات؛ وبذلك اقترن اسمه بالنظام القضائى طيلة أيام المحنة. وكان يلقى فى تأبين المحامين الذين تفقدهم فرنسا كلمات خالدة تخلب الألباب. وكان يمثل المحاماة فى كل معترك، ويحمل رداءها فى كل حفل. وهكذا حمل اسمها ولواءها عند الكافة. فلما خمد لهيب جهنم لم تخب تلك الشهوة اللامعة فارتفعت بصاحبها من مستوى الذين يموتون إلى مستوى الذين لا يموتون فى سنة ١٩٢٣ خلفاً لريبو. وكانت آخر كلمة له فى المجمع تأبين الفقيد الجليل جاك بانفيل؛ حتى إذا تفرغ للتأليف من سنة ١٩٢٨ أخذ يقرؤه عالم الأدباء بعد أن كان يقرأ عنه، وبعد أن كان محامياً عن الأفراد أصبح محامياً عن المحاماة؛ وبعد أن كان اسمه يذكر بمناسبات أصبح اسمه يدوى فى المسامع باستمرار وظل هنرى روبير طول أيامه عزوفاً عن السياسة معتزاً بالمحاماة، فلم يغب باسمه ولا بجسمه عن قصر بوربون الى تلك الملابسات التى أحاطت بالرجل كان الرجل نفسه كنزاً زاخراً حافلاً بالكفايات، والكفايات فى أمة كفرنسا وفى وسط كالمحاماة يندر أن تضيع
هذه الشخصية الخالدة يجب أن ندرسها فى مصر، ولو فى عجالة وبإيجاز. ولعلى بهذا البحث أشق الطريق للأدب المرجو الذى أنادى به من عشر سنين: أدب المحاماة
ولد هنرى روبير فى ٤ سبتمبر سنة ١٨٦٣، وفى ٢٩ أكتوبر سنة ١٨٨٥ حلف اليمين لينتظم فى سلك المحامين. وفي يوليو سنة ١٨٨٧ انتخب سكرتيراً لمؤتمر المحامين وانتخب معه اثنان آخران
يكفي أن تعرف اسميهما لتدرك مقدار ما يتضامن الماضى مع المستقبل، فأولهما الأستاذ واتين الذى يتولى اليوم توزيع العدالة وشرع الأحكام فى كرسيه فى رياسة دائرة محكمة النقض؛ وأما ثانيهما فانه فرنان لابورى: وما أدراك ما لابورى؟ لسان الدفاع عن فايان الذى ألقى القنبلة الأولى على مجلس النواب، ذلك الدفاع الذى لا نستطيع بعد قراءته إلا أن نتساءل مع هنري روبير: "كيف لم يبرئوا المتهم؟" ولسان الدفاع عن أميل زولا؛ الدفاع الذى أفقده أمواله وعملاءه وأكسبه الفخار والشرف: والذى نقل إلى الأجيال أروع كلمة قالها محام فى الذب عن حياض المحاماة؛ فعندما هوت من فم النائب العام - وهو جالس على كرسيه بجوار المحكمة فى أعلى القاعة - كلمة جارحة بالنسبة للابورى صرخ صرخته الداوية فى وجه النائب : " إن الشتائم التى تساقطها من كرسيك الرفيع لن تستطيع - مهما كان كرسيك عاليا - أن ترقى الى المنصة التى بترافع منها الدفاع "
ولم يكد هنرى روبير يستمرئ حلاوة ظفره فى الانتخاب حتى اختاره النقيب درييه سكرتيراً له وولاه أعمال مكتبه فى أول أكتوبر سنة ١٨٨٧
وقضى السكرتير الجديد بمكتب النقيب سنتين حتى قبض الله إليه النقيب فلم تبرح ذاكرته ذكراه حتى قضى هو الآخر؛ فتراه يهدي إليه بعد أربعين عاماً كتابه "المحامى " ، فتراه يختصه بأروع الصفحات فى بعض مؤلفاته؛ فلقد كان درييه أباً يخلص الحب، ولم يكن أستاذاً فحسب؛ كان يفتح صدره لسكرتيره، وكان يفتح أمامه أيضاً أبواب داره. وفى نوفمبر سنة ١٨٨٨ رحل النقيب والسكرتير للمرافعة فى قضية القتل التى قارفها تلميذ بول بورجيه وصديقه كاميج والتى أوحت لعميد الأكاديمية المتوفى (بورجيه) أروع مؤلفاته وهو كتاب " التلميذ " ، فلقد قتل كامييج عشيقته الفاضلة مدام جريل بعد أن تعاهدا على الانتحار فأصابها ثم أخطاء نفسه؛ فترافع درييه ومن ورائه هنرى روبير ففتح لنفسه طريق الخلود
وفى ذات ليلة انتقلت هيأة الدفاع كاملة! على ضوء الشموع ، لا إلى المحكمة ولكن إلى المقهى، ولا لتطلع على المستندات ولكن لتطلع على رقص " أولاد نايل " ، فهمس درييه فى أذن سكرتيره : (يا صديقى ماذا يقول مجلس النقابة إذا رآنا هنا؟) فأجابه زعيم
الارتجال " هو بلا شك يحسدك يا سيدى النقيب! "
وأخذ هنرى روبير يمشي قدماً فى عالم المحاماة، وكانت الحياة رخية فى أعقاب حرب السبعين إلى فاتحة القرن الحالى، فلم يكن يخشى على الكفايات الممتازة من منافسة الجشع والخسة والأساليب الدنسة التى تخلقها ظروف الحياة العصيبة، فتهيأت للمحامى الناشىء قضايا هائلة ظهر فيها هائلا أيضا ، فترافع عن جبريل بومبار فى سنة ١٨٩٠ ليستل رأسها من تحت المشنقة، وعن واشيه المتهم بقتل أبيه ليظفر لدولمن معه ببراءة خالصة وفى سنة ١٨٩٨ ترافع عن الطبيب لايورت مرافعته الخالدة. وفى سنة ١٩٠٢ ترافع عن مدام همبير ضد الصيرفى قطاوى واختتمها بتلك الكلمة التى اختتم بها الأستاذ سابا حبشى مرافعته القيمة فى قضية نزاهة الحكم ". . . وستثبتون ببراءة مدام همبير أنكم تصدرون أحكاماً ولا تؤدون خدمات" وفى سنة ١٩٠٤ ترافع عن المهندس بيير فى مقتل كاديو، وفى سنة ١٩٠٨ فى مقتل ريمى الخ الخ. . وفى سنة ١٩٢٥ ترافع عن بوربووش وفى سنة ١٩٢٩ ترافع عن الجنرال ميشيل فنال له ما عجز عن نيله أستاذ الجيل (لاشو) فى محاكمة المارشال بازان عن موقفه فى حرب السبعين، ثم عن الحسناء البولونية فالنتين أو متسكا، ثم عن القسيس هيجى، ويومئذ اختتم مرافعته أمام محكمة جنايات السين بما ختم به عمله القضائى الخالد أمام تلك المحكمة قائلاً: ". . أيها الأب. . صح معى وبأعلى صوتك: فلتحى فرنسا."
فما هى إذن تلك الكفايات التى رفعت صاحبنا وصاحبها إلى تلك الذروة؟ الجواب عندى يتلخص فى كلمة واحدة هى: أنه كان يفهم قضاياه كما كان يفهم عقلية القضاة؛ وهذا هو الذى جعله بحق أحدث القدماء وأقدم المحدثين. وبعبارة واضحة هذا هو الذى جعله مترافعاً عظيماً فى أواخر قرن البخار، مترافعاً عظيماً فى أوائل قرن اللاسلكى؛ بل بعبارة أوضح هذا هو الذي جعله يكيف المرافعات (التقليدية) التى كانت آية البيان فى أعقاب الحرب الأولى، أعنى حرب السبعين بما يستسيغه القضاة بعد الحرب الثانية فى سنة ١٩٢٠: هؤلاء القضاة الذين يضعون الساعة أمام عيونهم فان لم يضعوها أمامهم تصوروها كائنة فى رؤوسهم. . . تدق باستمرار. . . .!
نحن الآن فى المحكمة، وهذا هو النائب العام يترافع؛ وذلك
محام هادئ يكاد ينام؛ لكنه نهض الآن، رفيع القامة، رفيع المقام، يتكلم في سرعة غريبة كأنه يخشى أن يُدفع ضده بفوات الميعاد! إنه يتكلم كأنه يتحدث؛ وها قد مضت خمس دقائق دون أن يظهر لك أنه محام كبير، لكنه قد أوغل فى صميم الموضوع فوراً، وحميت الوقدة واندلع لهيب النار، فهو يضرب يميناً ويضرب شمالاً وبقسوة وبصوت محترم، والحجج تنساق متدافعة معجلة إلى أسماع المحلفين فيعجبون لتقديم هذا المتهم البرىء! وفى عشرين دقيقة أو ثلاثين!! يبدو لهم أن النائب المترافع كان يسىء استعمال وقتهم عدو ساعات فى مرافعاته ضد رجل طاهر كالطهر، مظلوم كالمسيح
تلك كانت صورة هنرى روبير وهو يترافع كما حكى لنا سامعوه ومؤرخوه وكما يظهر لنا من كتاباته
حدثنا هنرى روبير عن رجل من أرباب القضايا دخل القاعة فوجد محامياً يترافع، فتساءل من الأستاذ؟ فقيل له إنه الأستاذ "آنتل " قال: كيف هذا؟ إنه يتحدث فى بساطة مجردة! لا يمكن أن يكون هذا هو الأستاذ آنتل البعيد الصيت!
فإذا رجعت إلى كتاب الأستاذ الجداوى المسمى "مرافعات" وجدت أن الأستاذ الجداوى هو ذلك الرجل الذي دخل القاعة، وأن المحامى الذى تساءل عنه وتلقى الجواب بدهشة وبإعجاب لم يكن الأستاذ آنتل بالطبع ولكنه كان الأستاذ هنري روبير .!
وفى مقال بعث به Candide إلى فقرأه الأحياء فى ٢١ مايو الماضى بعد أن كان هو قد سقط من سجل الأحياء!. . فى ذلك المقال المعنون: (فتحت الجلسة) محض هنزى روبير المحامين النصح أن يقرءوا مرافعات " والدك روسو " ليتعلموا فن "البساطة والسهولة والدقة ". وفى كتاب ( المحامى ) يهيب بالمحامى أن يتذكر أنه يقف أمام القضاء " ليقنع لا ليلمع " وأن القرن السادس عشر قد حمل إلينا وديعة من أجيال الفصاحة القضائية الأولى هى أن تترافع "باختصار وبلباقة وبإخلاص " ؛ وعلى ذلك تجد مؤلفاته كمرافعاته؛ فهو يبدأ مرافعاته لينتهى منها بسرعة وحرارة، وأنت تبدأ قراءة كتبه فلا تستطيع أن تدع الكتاب حتى تصل إلى خاتمته؛ وهذا كتاب قضايا التاريخ الكبرى يعرض للناس أفظع ما اجترح الضمير الإنسانى من أوزار وحيل وخبائث، وهذه مرافعته الفنية عن الدكتور لابورت، كل تلك الأعمال يبسطها روبير فتروعك بسهولة عبارتها وسحر دلالتها
حتى لكأنها دروس تلقى على التلاميذ ..!
ذلك لأنه كان يفهم قضاياه فيعرضها من حيث يجب أن تعرض؛ وما دام يفهمها فهو - بأسلوبه - فمين أن يُفهمها؛ ومن المسلم به أن الذى لا يفهم لا يستطيع أن يفهم، وأن تبسيط الأشياء أصعب من تعقيدها، وأن الغموض فى العبارة هو غالباً أثر الغموض فى التفكير
ويمتاز هنرى روبير من رجال الدفاع فى العالم طرا بالسرعة المتناهية الإلقاء، وله من جراء هذه السرعة حادثة ذكرها لنا فى مقال (كانديد) ، إذ كان يترافع عن قاتل عشيقته فقال وهو يطير فى أجواء الكلام ". . . فعقد العزم على أن يقتل نفسه ثم يقتلها فوراً. ." ولم ينتبه أحد سواه إلى ما فى هذا الكلام من استحالة لأن الجمهور والمحلفين كانوا يجرون معه إلى الغاية كالزورق الذى يحمله التيار
ولذلك الإسراع تجده ينتزع المتهم من براثن النائب العام بعد ١٧ دقيقة فقط كما شهدت المحامية أوديت سيمون أو" بعد عشرين دقيقة لا أكثر ولا أقل " كما تعهد هو للمحلفين وهو يستهل الدفاع فى قضية بوبوروش عندما قتل الرجل الذى أخبره أن امرأته تخونه. ومن الغريب أن يقولها للمحلفين بعد أن قال ساخراً ". . ساعتان كاملتان، واتهامان متضافران، من المدعى المدنى ومن النائب العام! " ثم يختتم دفاعه وهو يناجيهم ". . . إننى أرجو أن تبرئوا بوبوروش حتى إذا عدتم إلى مساكنكم فى المساء ألقيتم على زوجاتكم وبناتكم نظرات كلها اطمئنان" . وفى ٢٨ يونيو سنة ١٩١٣ كتب الأستاذ " فرنان بايان " - قبل أن يصبح نقيباً، ومؤرخاً لبوانكاريه - كتب فى الفيجارو دراسة لهنرى روبير نشرها فى كتابه Anthologie des Avocats وعلل هذه السرعة بأن الرجل يخشى أن يضيع أثر كلامه فى المحلفين، فهو ينتهى منهم بسرعة ليتركهم تحت أثقال حججه وبراهينه. وعندى أن العلة فى ذلك كانت صفاء عقل هنرى روبير وقدرته على الارتجال، ذلك الارتجال الذى قال هو عنه كما سيجىء بعد: إنه نتيجة ترديد الكلام قبل المرافعة، حتى كان يسمى نفسه " آلة كلام " ، فهو كان يبدأ لينتهى؛ أفكار واضحة وعبارات حاضرة؛ كان يفتتح المعركة لينتهي منها بأسرع ما يستطيع؛ والنصر الحاسم هو غالباً النصر السريع. ثم - وهذه مسألة أساسية - كان هنري روبير عدوا للتصويرات البيانية ولحشد الأمثال والسوابق، فهو كان
مقيداً دائماً بموضوعه، لا يرسم الصور، ولا يلقي الحكم، ولا يتفيهق بالألفاظ، ولا يتطلب الشهرة، لأنها قد دانت من زمان؛فهو إذن يلقي الحجج واحدة بعد أخرى كالفيلق فى آثار الفيلق، وكالانتصار فى أعقاب الانتصار؛ وهو إذن كان يستغنى عن أربعين دليلاً بأدلة أربعة لها قوة الأربعمائة ووضوح الدليل الفرد
كان هنرى روبير يرتجل كما قلنا، لكنه يشرح ارتجاله حيث يقول "إننى لا أفكر في الكلام حين ألقيه" ثم يقول "أنا لا أحضر مرافعاتى بالكتابة؛ وإنما أترافع بينى وبين نفسي على انفراد وبلا صوت عال؛ لا أتكلم، وإنما تجرى العبارات فى مخيلتى وأنا أمشى أو وأنا فى عربتى، وفى المساء تتوارد لدى خواطر ذات بال " وهذه العبارة تشرح للقارئ حالة خاصة كان يشهدها سامعوه عندما يفتتح الجلسة فى قضية خطيرة، إذ كانت تبدو عليه علامات الانفعال. وقديماً كان "تورين العظيم " لا يدخل المعركة إلا وهو يرتعد، فكان ينادى جسمه "ارتعد. . تزايل. . إنك لا تدرى إلى أين أقذف بك. . ." وكان تورين أعظم القواد فى تاريخ فرنسا عند نابليون
أما خطة هنرى روبير فى مرافعاته فقد تعلمها على الرجل الذى كسب ستين معركة؛ وهي أن الهجوم خير وسيلة للدفاع. فإذا شرع فى مرافعته اتجه فى شتى الجهات يبحث عن متهم غير موكله ليلقى عليه أفدح أثقال الاتهام؛ فإذا لم يكن هناك مجرم آخر فلا شك أن هناك أباً لم يعلم ولده فهوى به - هو - إلى أحضان الجريمة؛ أو أن هناك تحريضاً أو استفزازاً وإلا فاستسلاماً صدر من المجنى عليه؛ أو أن الهيئة الاجتماعية قد قصرت أو أساءت . إلى غير ذلك من أساليب الدفاع، وإذا شئت فمن أساليب الاتهام. والذين سمعوا وهيب دوس يترافع فى قضية نزاهة الحكم أو فى مقتل السردار أو فى قضية الأطباء - بخاصة - يدركون مقدار ما يتساوى الرجلان فى تلك الخطة التى شرعها نابليون للناس، أو نقلها عن هانيبال للأجيال اللاحقة، عندما كان يعلم بقيام حلف ضده فى وسط القارة أو فى شرقها أو فى غربها فلا ينتظر فى قصر التويلرى بل تجده مرتين تحت أسوار فينا ومرة أخرى فى قصر فردريك العظيم ليأخذ ساعته الدقاقة إلى سنت هيلين من بعد باريس!. . . ومرة ثالثة تجده فى موسكو. . . أمام الحريق، بل أمام اللانهاية، بل أمام باب الفشل . . . .
(البقية فى العدد القادم)

