الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 586الرجوع إلى "الرسالة"

هنريك إبسن(*)، الروائى النرويجى

Share

يجد الباحث السيكولوجى فى حياة هنريك إبسن أديب  نروج الأول، مادة لا تنضب، ومعيناً لا يجف من الدراسات  النفسية والانفعالات القوية التى قلما تتوفر فى حياة رجل سواه. ولد هنريك، أظهر شخصية فى الأدب المسرحى الحديث،  عام ١٨٢٨ فى ميناء سكين الصغير على الساحل الجنوبى  لنروج، وهو ميناء وهبته الطبيعة جمالاً، أضفى على جباله زهواً  وشموخاً دونه زهو جبال لبنان وشموخها

وفى كنف والده، التاجر الثري، قضى هنريك سنى عمره  الأولى متمتعاً بصيت أسرة من أعرق الأسر وأشرفها. ولكن  الدهر قلب، والحال لا تدوم، والنعمة ليست مقيمة. فما أن  بلغ الثامنة من عمره حتى منى أبوه بضياع ثروته كلها فى عملية  تجارية خاسرة، واضطرت الأسرة إلى الانزواء فى مزرعة صغيرة  على مشارف القرية. وازدادت أحوال الأسرة سوءاً على سوء، وتتابعت عليها الملمات من كل حدب وصوب، فلجأ إبسن إلى  معاقرة الخمر يدفن همومه بين كؤوسها، وينسى محنه بين قرع  أقداحها. وإزاء الفاقة القاتلة والحاجة الملحة، وإزاء هجرة  الأصدقاء وتنكر الدهر، انكمش هنريك الصبى المرهف الحس  إلى داره، وعشق الوحدة، وانطوى على ذاته يبثها همومه ويمعن  فى دراستها وفحصها. فأخذ يحاول تنمية الرسم والتصوير فيه.  ولكن الفقر حال دون تقدمها. فهجر الرسم إلى دراسة الطب.  وفى الخامسة عشرة من عمره عمل فى صيدلية بمدينة جرمستاد.  فكان يعاون صاحبها فى مد سكان المدينة الثمانمائة بما يحتاجون  إليه من مختلف الأدوية ومتنوع العقاقير، وظل خمس سنوات  فى تلك المدينة يجرع الحياة بالكد والكدح والعناء، ويقضى  أيامه تحت رحى الفقر الساحق والعوز المضني، فنمت فيه روح

الثورة الفكرية، وترعرعت بين جنبيه روح الانقلاب على  العرف والرغبة فى التحرر من قيوده

وكان إبسن خلال هذه السنوات الخمس يدرب نفسه على  مراس أنواع الكتابة المختلفة، وخرج من ذلك عام ١٨٤٩  بمسرحيته الأولى (كاتالين) وهى مسرحية شعرية  ثورية طبعت بعدئذ على نفقة صديق له

ثم قصد  (إبسن)  كريستيانا بمدينة أسلو،  للالتحاق بإحدى الجامعت، وهنالك تعرف بعدد من الشبان  الأوغاد ومن بينهم   (بجورنسن)  Bjornson الذى بادله صداقة  بصداقة ولازمه إلى نهاية عمره، غير أن صداقتهما كانت تتعرض  بين الحين والحين إلى الخصام الوقتى والجفاء القصير الأمد

وبما لصديقه أول بل oll bullلاعب الكمان الأشهر  من نفوذ، عين هنريك إبسن عام ١٨٥٠ في المسرح الصغير  بمدينة برجن، وكان يقوم بدور شاعر المسرح وراويته، ثم  عمل في لجنة مطالعة المسرحيات، وفي لجنة كتابتها، ثم عمل  مديرا للمسرح، فأصاب من كل هذا اختباراً مهد له سبيل  الظهور، وإلماماً بدقائق المسرح وتفصيلاته مكنه من تصميم  المناظر في روائع أدبه، كمهندس بارع ومفتن قل من يجاريه أو  يدانيه. . .

فى عام ١٨٥٨، تزوج إبسن من الآنسة سوزانة تورسن  Susannah Thoresen وهى فتاة من برجن ذات شخصية  قوية وعقل راجح؛ فكرست حياتها لمساعدة زوجها على تحقيق  أمانيه، وتوسيع مدى نشاطه. فكانت له نعم الزوج، ونعم  الرفيق. . .

وإذ كانت حرب دانماركة مع بروسيا مشتعلة الأوار  عام ١٨٦٢ غادر هنريك إبسن نروج إلى روما مزوداً بإعانة  حكومية قدرها أربعمائة من الجنيهات. وفى تلك الحاضرة الخالدة  كعبة الإمبراطورية الرومانية الزائلة، ازدهرت فى إبسن ملكة  الشعر وتأصلت، وتغير أفق خياله متخذاً لوناً جديداً وأسلوباً  جديداً. فكانت أول ثمرة نضجت له فى هذا المهجر مسرحيته  الشعرية Brand التى امتدحت حال ظهورها، واستقبلت من الجمهور بنهم عجيب. فأخذ إبسن يصعد درجات الشهرة الظافرة

والنجاح الأكيد بخطوات حثيثة وقدم لا تلين، إذ سرعان  ما أخرج للعالم مسرحيته الشعرية الخيالية Peer Gynt التى تعد  أجود ما كتب وأفضل قطعة أدبية أخرجها للوجود. وقد  اقتبس إبسن مناظر هذه الرواية من مسقط رأسه  (سكين)   فعرض جماله ونوه بسحره. وجسم هضابه ووديانه

وفى عام ١٨٦٨، كانت الحوادث تنذر بسوء، وتهدد  سلامة إيطاليا. فانتقل كاتب نروج الأول إلى مدينة درسدن  التى جعلها مقراً وملاذاً لسنوات طوال، شهدت مولد طائفة من الروايات الاجتماعية، ورأت كيف يشيد إبسن مجده ويوطد  مركزه الأدبى الذى انفرد به فى عصره

والفقر الذى كان يلازم هنريك ملازمة الظل، ويطارده  مطاردة الصائد للظبي، خر أمام الشهرة صريعاً مقهوراً،  وأقلع عن تتبعه راجعاً عن تعقبه

وفى عام ١٨٩١، عاد كاتبنا إلى بلاده بعد سبع وعشرين  سنة من النفى الاختياري، واستقر فى كريستيانا ما بقى له من  العمر. وكانت أمواج الحياة قد سكنت، ولججها قد عاودها  السكون. فأخلد إبسن إلى شيخوخة هادئة مطمئنة، وقل  ظهوره فى المجتمعات إلا فى مناسبات تمثيل رواياته، أو حفلات  تكريمه، ومات عام ١٩٠٦ وهو فى الثامنة والسبعين

ذلكم هو إبسن، أديب نروج الممتاز. ولسوف تذكره  الأجيال القادمة كشاعر ومفتن استطاع أن يخلق أشخاصا  أحياء، وأن يكسو أفكاره المسرحية برداء من الجمال لا تبليه  الأيام. لقد كان إبسن بحق البناّء الرئيسى للدراما الحديثة.

اشترك في نشرتنا البريدية